من «سلميتنا أقوى من الرصاص» إلى اعترافات قيادات الإخوان.. شهادات من داخل الجماعة تكشف تسليح اعتصام رابعة بأسلحة نارية وخرطوش وقنابل ومولوتوف وتفضح مخططات التصعيد ضد الدولة ومحاولات إرباك مؤسساتها

السبت، 15 أغسطس 2026 08:00 م
من «سلميتنا أقوى من الرصاص» إلى اعترافات قيادات الإخوان.. شهادات من داخل الجماعة تكشف تسليح اعتصام رابعة بأسلحة نارية وخرطوش وقنابل ومولوتوف وتفضح مخططات التصعيد ضد الدولة ومحاولات إرباك مؤسساتها الاخوان

كتب محمود العمري

لم يكن اعتصام رابعة العدوية مجرد تجمع سياسي أو احتجاج للمطالبة بعودة محمد مرسي إلى الحكم، بل كشفت وقائع وشهادات لاحقة عن مشهد أكثر تعقيدا، تحدثت فيه شخصيات من داخل التيار الإسلامي عن وجود أسلحة وذخائر ووسائل متعددة للمواجهة داخل الاعتصام، من الأسلحة النارية والخرطوش إلى القنابل اليدوية وزجاجات المولوتوف، في وقت كانت فيه جماعة الإخوان ترفع شعار «سلميتنا أقوى من الرصاص» وتقدم الاعتصام للرأي العام باعتباره تحركا سلميا.

مشهد حمل في تفاصيله مؤشرات على استعداد للتصعيد والمواجهة، مع تداول شهادات عن وجود أسلحة داخل محيط الاعتصام، إلى جانب استخدام أدوات حارقة وأسلحة بيضاء ووسائل أخرى في الاشتباكات التي أحاطت بالميدان. ومع تصاعد الأحداث، لم تعد رابعة مجرد منصة سياسية لجماعة الإخوان، وإنما أصبحت ساحة مفتوحة للصدام، وسط اتهامات متبادلة بين المعتصمين والدولة بشأن المسؤولية عن العنف وما جرى داخل محيط الاعتصام.

الأخطر أن الحديث عن التسلح لم يأت فقط من خصوم الجماعة، وإنما ظهر أيضا في تصريحات لشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي أو كانت قريبة من دوائر الإخوان، وهو ما أعاد فتح ملف حقيقة ما كان موجودا داخل رابعة، وما إذا كان شعار السلمية يعكس بالفعل طبيعة الاعتصام أم كان غطاء لواقع أكثر تعقيدا، اتخذت فيه استعدادات المواجهة والتصعيد مساحة واضحة من المشهد.

وكان شعار «سلميتنا أقوى من الرصاص»، الذي تردد على منصة اعتصام رابعة، أحد أبرز الشعارات التي حاولت الجماعة من خلاله تقديم الاعتصام باعتباره تحركا سلميا في مواجهة الدولة. لكن تصريحات لاحقة لشخصيات قريبة من الجماعة أو كانت جزءا من المشهد الإسلامي والسياسي في تلك الفترة أعادت فتح ملف ما كان يجري داخل الاعتصام، وحولت هذا الشعار إلى نقطة رئيسية في الجدل حول حقيقة ما شهدته رابعة.


ومن أبرز الأسماء التي تحدثت عن وجود أسلحة داخل الاعتصام أحمد المغير، الذي كان معروفا بقربه من القيادي الإخواني خيرت الشاطر، وقال في تصريحات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي تحدث فيها عن وجود أسلحة نارية داخل رابعة، مشيرا إلى أسلحة من أنواع مختلفة، وهو ما استند إليه منتقدو الجماعة باعتباره اعترافا من شخصية كانت قريبة من دوائرها التنظيمية بأن الاعتصام لم يكن خاليا من السلاح.

لكن الجدل لم يتوقف عند قضية السلاح، إذ كشفت تصريحات أخرى لشخصيات إسلامية وإخوانية سابقة عن وجود خلافات عميقة داخل التنظيم نفسه بشأن إدارة الأزمة، وطبيعة الخطاب المستخدم، وآليات اتخاذ القرار خلال المرحلة التي أعقبت عزل مرسي.

ومن بين هذه الأصوات عصام تليمة، الداعية المحسوب سابقا على جماعة الإخوان، والذي وجه انتقادات حادة إلى الأداء الداخلي للجماعة، متحدثا عن تناقضات في السلوك التنظيمي، وعن ممارسات قال إنها شملت التشهير والسباب والهجوم على المخالفين، إضافة إلى رفض قيادات داخل الجماعة فتح نقاش علني حول تجربة الإخوان في الحكم وما شهدته من أخطاء وصراعات.

تلك الانتقادات لم تكن مجرد خلاف على إدارة أزمة سياسية، وإنما عكست، بحسب أصحابها، أزمة أعمق تتعلق بطبيعة التنظيم وآليات العمل داخله، خاصة مع صعود حالة الاستقطاب بعد 30 يونيو، وتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة مفتوحة بين الجماعة والدولة.
‎وتحدث تليمة في تصريحات سابقة عن رفض بعض قيادات الجماعة توثيق تجربتها بعد ثورة يناير، معتبرا أن هناك من يخشى مراجعة التجربة ومناقشة الأخطاء التي وقعت خلالها. كما انتقد ما وصفه بازدواجية المعايير داخل التنظيم في التعامل مع تاريخه وقياداته، مؤكدا أن النقد الذي كان مسموحا به تجاه شخصيات تاريخية أصبح مرفوضا عندما يتعلق بقيادات معاصرة.

وتكشف هذه الشهادات عن جانب آخر من الأزمة، وهو الصراع داخل الجماعة نفسها حول الرواية التي يجب تقديمها للرأي العام. فبعد سقوط حكم الإخوان، لم تعد المواجهة مع الدولة وحدها هي المشكلة، وإنما أصبحت الجماعة مطالبة أيضا بتفسير ما حدث خلال عام واحد من الحكم، وكيف انتقلت من تنظيم سياسي صاعد إلى تنظيم يواجه الدولة والمجتمع بعدد كبير من القيادات والأعضاء.

وكانت أخطر الملفات التي ظهرت في تلك المرحلة مرتبطة بموقف الجماعة من مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة وفي هذا السياق، برزت تصريحات من عاصم عبد الماجد، القيادي بالجماعة الإسلامية والحليف السابق لجماعة الإخوان، تحدث فيها عن حسابات كانت موجودة لدى المعتصمين في رابعة بشأن احتمال حدوث انقسام داخل الجيش.

وبحسب التصريحات المنسوبة إلى عبد الماجد، فإن أنصار مرسي كانوا يعولون على حدوث حالة من الانقسام داخل المؤسسة العسكرية تحت ضغط الحشد الشعبي، باعتبار ذلك أحد الخيارات التي يمكن أن تفرض تغييرا في موازين القوى وتعيد مرسي إلى السلطة.

وتفتح هذه التصريحات بابا واسعا لفهم طبيعة الحسابات التي كانت تحيط باعتصام رابعة في أيامه الأخيرة، إذ تشير إلى أن بعض الأطراف داخل التحالف المؤيد لمرسي لم تكن تنظر إلى الاعتصام باعتباره مجرد تجمع احتجاجي، وإنما باعتباره ورقة ضغط سياسية يمكن أن تؤدي إلى تغيير موقف المؤسسة العسكرية.

وتظل تصريحات عبد الماجد جزءا من رواية أحد أطراف الصراع، ولا يمكن التعامل معها منفردة باعتبارها دليلا شاملا على موقف كل المعتصمين أو جميع قيادات الإخوان، لكنها تكتسب أهمية في سياق دراسة الخطاب السياسي الذي ساد داخل التيار الإسلامي خلال الأزمة.
‎وفي المقابل، كانت الدولة المصرية تتعامل مع الاعتصام باعتباره بؤرة توتر أمني وسياسي، واتهمت عناصر داخله بحيازة أسلحة وارتكاب أعمال عنف واحتجاز أشخاص، بينما رفضت جماعة الإخوان هذه الاتهامات وتمسكت بأن الاعتصام كان سلميا.

ومع فض الاعتصام في أغسطس 2013، دخلت البلاد مرحلة أكثر دموية، ووقعت اشتباكات وسقط قتلى من المعتصمين وقوات الأمن ومدنيين، كما امتدت أعمال العنف إلى عدد من المحافظات، واستهدفت منشآت شرطية ودينية ومؤسسات عامة، وهو ما أدى إلى واحدة من أعنف موجات الاضطراب التي شهدتها مصر خلال السنوات التالية لثورة يناير.

ومن هنا، لم تعد قضية رابعة مجرد خلاف حول اعتصام فضته قوات الأمن، وإنما تحولت إلى عنوان لصراع أكبر حول مستقبل الدولة المصرية وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة والتنظيمات الحزبية والحركات الإسلامية، كما كشفت المرحلة عن أزمة داخلية لدى جماعة الإخوان نفسها، بعدما وجد التنظيم نفسه أمام واقع جديد: قيادات في السجون، وأخرى هاربة خارج البلاد، وقواعد تنظيمية مشتتة، وانقسامات حول أسلوب مواجهة الدولة، وتباينات بين من تمسك بالعمل السياسي ومن دفع باتجاه التصعيد.

وفي السنوات التالية، ظهرت مجموعات وشخصيات ذات خلفية إسلامية تبنت خطابا أكثر تشددا، فيما اتجه بعض الشباب الذين مروا بتجربة الاعتصامات والصدامات إلى تنظيمات جهادية أكثر تطرفا، ولا يعني ذلك أن الجماعة ككل تحولت إلى تنظيم مسلح أو أن جميع المشاركين في رابعة اتجهوا إلى العنف، لكن هذه المسارات أعادت طرح الأسئلة حول العلاقة بين الإسلام السياسي والتيارات الجهادية، وحدود مسؤولية التنظيمات السياسية عن الخطاب الذي تنتجه أو البيئة التي تتحرك فيها قواعدها.

كما أصبحت تجربة حكم الإخوان مادة أساسية في النقاش حول قدرة الجماعات الدينية على إدارة الدولة. فعلى الرغم من وصول الجماعة إلى السلطة عبر الانتخابات، فإن عام الحكم شهد صدامات سياسية متصاعدة مع قوى سياسية ومؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع، وانتهى بخروج ملايين المصريين في احتجاجات واسعة في 30 يونيو، قبل أن يتدخل الجيش ويعلن عزل مرسي في الثالث من يوليو 2013.

وبذلك تحولت تجربة الإخوان من صعود سريع إلى السلطة إلى سقوط أسرع، وبدأ بعدها فصل جديد عنوانه المواجهة الأمنية والقضائية والتنظيمية.

وتكشف شهادات بعض المنشقين والقيادات السابقة عن أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بالقرارات السياسية التي اتخذتها الجماعة خلال فترة الحكم، وإنما امتدت إلى طبيعة التنظيم نفسه، وطريقة اتخاذ القرار، ومركزية القيادة، والانضباط الداخلي، والتعامل مع النقد والمخالفين.

أما رابعة، فبقيت شاهدة على أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ الجماعة الحديث. فبين رواية الإخوان التي قدمت الاعتصام باعتباره رمزا للصمود والاحتجاج السياسي، ورواية الدولة التي اعتبرته بؤرة مسلحة تهدد الأمن والاستقرار، ظلت شهادات شخصيات من داخل التيار الإسلامي نفسها جزءا أساسيا من الجدل حول ما جرى.

وبعيدا عن التوظيف السياسي للحدث، فإن قراءة تلك المرحلة تحتاج إلى التعامل مع الوقائع والشهادات باعتبارها أجزاء من صورة أكبر، تشمل القرارات السياسية، والاحتجاجات، وأعمال العنف، والانتهاكات التي وثقتها جهات مختلفة، إلى جانب شهادات المشاركين والضحايا والمسؤولين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة