لم يكن إيهاب وبيشوي يعرفان أن المركب السياحي الذي جمعهما في العمل والصداقة سيكون هو نفسه المكان الذى تنتهى فيه حياتهما، فهما شابان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي، جمعتهما تفاصيل الحياة اليومية، والعمل، والصداقة، قبل أن تأتى النيران فى 14 أغسطس 2013 بأيادى الإهاب لتضع نهاية مأساوية لحكايتهما، دون أن تترك مجالًا لسؤال عن الدين أو الاسم أو الهوية.
وبحسب ما وثقه كتاب "رحيق الاستشهاد" من إعداد الأنبا مكاريوس، أسقف إيبارشية المنيا وتوابعها، حول توثيق أحداث يوم 14 أغسطس فإن الشابين كانا يعملان داخل الباخرة السياحية «المريميد» على كورنيش المنيا، وعندما امتدت الاعتداءات وأضرمت النيران في الباخرة، كان إيهاب وبيشوي بداخلها، ولم يتمكنا من الخروج، فاحترقت الباخرة ومات الشابان معًا.
بيشوي.. شاب في الـ21 ذهب إلى عمله ولم يعد
كان بيشوي ميخائيل ثابت شابًا في الحادية والعشرين من عمره، يذهب إلى عمله مثل أي شاب يبحث عن رزقه ويعيش حياته بصورة طبيعية، ومع تصاعد الأحداث، كان يمكن أن يبقى في منزله، لكنه ذهب إلى المركب، حيث كان يعمل إلى جوار صديقه إيهاب، ولم يكن يعرف أن الساعات المقبلة ستغير كل شيء.
اشتعلت النيران، وحاصرت الباخرة، ولم يجد الشابان طريقًا للخروج، وفي لحظات تحولت فيها الباخرة من مكان للعمل والرزق إلى كتلة من اللهب، انتهت حياة شابين لم يكن ذنبهما سوى أنهما كانا في المكان الخطأ، في اليوم الأكثر قسوة.
إيهاب وبيشوي.. صديقان جمعهما العمل والموت
وكانت قصة الشابين تحمل مفارقة مؤلمة؛ فاختلاف الديانة لم يمنعهما من العمل معًا أو أن تجمعهما الصداقة، وعندما جاءت اللحظة الأخيرة لم تكن هناك مساحة لهذا الاختلاف، فإيهاب مسلم وبيشوي مسيحى لكن النار لم تفرق بينهما ولم تسأل من المسلم ومن المسيحي، ولم تميز بين شاب وآخر، وأخذتهما معًا، بعدما عاشا معًا تفاصيل العمل والحياة اليومية.
وهنا تتحول قصة الباخرة المريميد من مجرد واقعة حريق إلى شهادة إنسانية على أن الإرهاب الذي حاول تقسيم المصريين على أساس الدين لم يستطع أن يمحو حقيقة أبسط: أن المصريين عاشوا معًا، وعملوا معًا، وماتوا في بعض اللحظات معًا.
مركب احترق.. وحكاية بقيت
ولم تنجُ الباخرة «المريميد» من النيران، لكن قصة إيهاب وبيشوي بقيت واحدة من أكثر المشاهد الإنسانية إيلامًا في أحداث ذلك اليوم، فخلف الحريق كان هناك شاب ينتظره أهله، وأب كان يأمل أن يعود ابنه إلى المنزل، وصديق لم يتخيل أن تكون تلك آخر مرة يرى فيها صاحبه.
وبعد أن انطفأت النيران، لم يبقَ من المركب سوى آثار الحريق، لكن بقيت الحكاية شاهدة على يوم حاولت فيه موجة العنف أن تزرع الكراهية بين المصريين، فإيهاب وبيشوي لم تجمعهما العقيدة، وإنما جمعتهما الحياة وعندما جاءت النار لم تفرق بينهما.
وهكذا أصبحت نهايتهما المأساوية صورة تختصر معنى أوسع من الحريق نفسه: الإرهاب أراد أن يجعل المسلم في مواجهة المسيحي، لكن آخر مشهد جمع إيهاب وبيشوي كان مشهد شابين مصريين يواجهان المصير نفسه.