منذ التاسع من أغسطس 2025، لم تعد حياة كريم رفاعي كما كانت، في ذلك اليوم، أصيب بطلق ناري في ظهره، إصابة لم تتوقف آثارها عند الألم الذي شعر به في لحظتها، بل امتدت لتغير تفاصيل حياته اليومية، وحركته، وقدرته على قضاء أبسط احتياجاته، ولتضعه أمام رحلة علاج طويلة لا يعرف متى تنتهي.
إصابة في الظهر
يروي كريم أن الطلق الناري أصابه في الظهر، وتسبب له في شلل نصفي، إلى جانب فقدان السيطرة على البول والبراز، فيما لا تزال الآلام الشديدة تلازمه، خاصة في الظهر وأسفل الظهر، ومنذ إصابته، أصبح جسده الذي اعتاد أن يتحرك بصورة طبيعية عبئا ثقيلا عليه، أشياء كانت في السابق عادية وبسيطة باتت تحتاج إلى مساعدة وعناية، فيما تحول الألم إلى رفيق دائم لا يفارقه.

كريم رفاعى
أمل في العلاج
يقول كريم إن الأطباء في غزة أبلغوه بأن هناك أملا في تحسن حالته، والحبل الشوكي لم ينقطع، وهي كلمات يتمسك بها باعتبارها نافذة صغيرة نحو المستقبل. لكنه في الوقت نفسه يحتاج، بحسب ما أبلغه الفريق الطبي، إلى عملية جراحية في العمود الفقري بشكل عاجل.
بالنسبة إلى كريم، لا يتعلق الأمر بموعد طبي يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم، وإنما بوقت يشعر أنه يمر سريعا بينما لا يزال جسده ينتظر التدخل الذي يحتاج إليه، حيث يقول: "أحتاج لعملية في العمود الفقري بشكل عاجل، وليس بعد مرور كثير من الزمن، حتى أشفى من الإصابة".
ولهذا السبب، سعى إلى استكمال علاجه خارج غزة، أجرى تحويلة طبية للسفر، ويحمل تحويلة معتمدة لدى منظمة الصحة العالمية، أملا في أن تفتح له هذه الأوراق طريقا إلى العلاج الذي لم يعد قادرا على الانتظار من أجله، لكن بين الحصول على التحويلة الطبية والوصول فعليا إلى المستشفى خارج القطاع، تقف أمام كريم عقبات أكبر من قدرته على تجاوزها بمفرده.
في قطاع يعيش فيه المرضى والمصابون ظروفا قاسية، يصبح الخروج لتلقي العلاج رحلة أخرى من الانتظار والقلق، وبالنسبة لكريم، كل يوم يمر من دون الوصول إلى العملية التي يحتاج إليها يعني استمرار الألم، واستمرار العجز، واستمرار حياة معلقة بين الحاجة إلى العلاج وعدم القدرة على الوصول إليه.
إعالة الأطفال
ولا يعيش كريم مع معاناته الجسدية وحدها، فهو، إلى جانب كونه مصابا يحتاج إلى العلاج والرعاية، معيل لأطفال، ومسؤول عن أسرة تعيش أصلا في ظروف صعبة، فالإصابة لم تأخذ منه جزءا من قدرته على الحركة فحسب، بل فرضت على أسرته واقعا جديدا، فحين يصبح رب الأسرة بحاجة إلى من يساعده في احتياجاته اليومية، يصبح السؤال أكبر من كيفية علاج شخص واحد، يصبح السؤال عن أسرة كاملة تحاول الاستمرار في ظل ظروف شديدة القسوة، ورغم كل ذلك، لا يزال يتحدث عن الأمل.
لا يبحث عن معجزة، ولا يطلب أكثر من أن يحصل على فرصة للعلاج، يريد فقط أن يتمكن من السفر، ويصل إلى مستشفى يستطيع فيه الأطباء إجراء العملية التي يحتاج إليها، ويمنحوه فرصة حقيقية للتعافي وتحسين حالته، فخلف الكلمات الطبية البسيطة، "عملية"، "تحويلة"، "سفر"، "علاج"، تختبئ بالنسبة إلى كريم حياة كاملة، حياة رجل يريد أن يستعيد قدرته على الحركة، ويخفف الألم الذي يلازمه، ويتمكن من رعاية أطفاله بدلا من أن يبقى هو نفسه بحاجة إلى الرعاية.
يوضح كريم إنه يعيش ظروفا صعبة، لكن أصعب ما في الأمر، ربما، هو أن يعرف أن هناك علاجا يحتاج إليه، ويسمع من الأطباء أن حالته يمكن أن تتحسن، ثم يجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى المكان الذي يمكن أن يتلقى فيه هذا العلاج، وفي كل يوم، يبقى السؤال نفسه حاضرا "متى سيتمكن كريم من السفر؟".
كريم اليوم لا يملك سوى أوراق التحويلة الطبية، وأمله بأن يجد من يسمع صوته ويساعده على الوصول إلى العلاج، وبين ألم الظهر، وعجز الحركة، وصعوبة التحكم بالبول والبراز، ومسؤولية أطفاله، يحاول أن يتمسك بما تبقى له من أمل، إنها قصة رجل لم تتوقف معاناته عند لحظة الإصابة، بل بدأت معها رحلة أخرى من الألم والانتظار.