في ذكرى ميلاد نجاة الصغيرة التى تحل اليوم الثلاثاء 11 أغسطس، لا يمكن المرور على مسيرتها الفنية دون التوقف أمام واحدة من أغرب وقائع بداياتها بلاغ رسمي في قسم الشرطة تقدم به الموسيقار محمد عبد الوهاب ضد والدها، دفاعًا عن صوت الطفلة التي رأى فيها مشروعًا فنيًا استثنائيًا.
نجاة، صاحبة الصوت الذي وصفته الموسيقى العربية بـ"السكون الصاخب"، لم تكن بدايتها سهلة كما قد يتخيل البعض، فقبل أن تصبح واحدة من أهم مطربات الوطن العربي، كانت طفلة تحاول تقليد كبار المطربين، وعلى رأسهم أم كلثوم، بينما كان والدها يحرص على تدريبها بصورة مكثفة لصقل موهبتها.
عبد الوهاب يلجأ إلى الشرطة لحماية صوت نجاة
اتخذ محمد عبد الوهاب خطوة غير مألوفة، عندما تقدم ببلاغ رسمي في قسم الشرطة ضد والد نجاة الصغيرة، لكن البلاغ لم يكن اتهامًا بالمعنى التقليدي، وإنما كان صرخة فنية لحماية موهبة استثنائية، بعدما رأى عبد الوهاب أن التدريبات المكثفة التي تخضع لها الطفلة قد تؤثر سلبًا على نمو صوتها وحنجرتها.
وطالب عبد الوهاب بترك نجاة تتطور بصورة طبيعية، بعيدًا عن الضغط والتدريب المفرط، محذرًا من أن المبالغة في استخدام صوتها وهي في هذه السن قد تؤثر على مستقبلها الفني.
وكان عبد الوهاب، في ذلك الوقت، يرى ما قد لا يراه الآخرون؛ صوتًا يحمل مشروع مطربة كبيرة، لكنه يحتاج إلى الحماية قبل التدريب.
كل ده كان ليه.. عبد الوهاب يثبت رهانه
لم تكن رؤية عبد الوهاب مجرد انطباع عابر، فبعد سنوات قليلة تعاون مع نجاة الصغيرة، ولحن لها واحدة من أشهر أغنياتها «كل ده كان ليه»، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتها الفنية.
وأصبح التعاون بين الموسيقار الكبير والمطربة الشابة دليلًا على أن عبد الوهاب كان يدرك مبكرًا خصوصية صوتها وقدرته على التعبير عن الجملة الموسيقية بأسلوب مختلف.
الصحافة اكتشفت نجاة مبكرًا
ولم يكن عبد الوهاب وحده الذي أدرك موهبة نجاة في سن مبكرة. ففي عام 1946، كتب فكري أباظة في مجلة «المصور» تقريرًا حمل عنوان «مطربة يجب أن تستولي عليها الحكومة»، داعيًا إلى الاهتمام بالموهبة الشابة ودعمها.
وتشير روايات أسرة نجاة إلى أن السنوات العشر الأولى من حياتها الفنية كانت بمثابة مرحلة إعداد وتدريب لصوتها، قبل أن تنضج تجربتها وتتحول من الطفلة الموهوبة إلى واحدة من أبرز نجمات الغناء العربي.
عمالقة التلحين أمام صوت نجاة
ومع مرور السنوات، أصبحت نجاة الصغيرة مقصدًا لكبار الملحنين، فتعاونت مع أسماء بارزة في تاريخ الموسيقى العربية، من بينهم سيد مكاوي، حلمي بكر، بليغ حمدي، محمد الموجي، وهاني شنودة، إلى جانب محمد عبد الوهاب.
وكان الموسيقار كمال الطويل من أبرز الملحنين الذين ارتبطوا بصوت نجاة، واعتبره النقاد واحدًا من أكثر الأصوات التي نجح في استيعاب إمكاناتها وتوظيفها موسيقيًا.
كما أشاد الطويل بمكانتها، واعتبرها من أفضل المطربات أداءً على مستوى العالم العربي، في شهادة تعكس حجم ما امتلكته نجاة من قدرات صوتية وتعبيرية.
من طفلة تقلد أم كلثوم إلى «نجاة الصغيرة»
وهكذا، لم يكن البلاغ الذي تقدم به محمد عبد الوهاب مجرد واقعة في أوراق أحد أقسام الشرطة، بل تحول مع مرور الوقت إلى واحدة من الحكايات اللافتة في تاريخ نجاة الصغيرة فالموسيقار الذي خشي على صوت طفلة من التدريب المفرط، أصبح بعد سنوات أحد أهم من احتضنوا موهبتها فنيًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى ذلك البلاغ باعتباره "شهادة ميلاد" مبكرة لصوت استثنائي صوت لم يكن يحتاج إلى مزيد من الضغط بقدر ما كان يحتاج إلى من يحافظ عليه حتى يكتمل نضجه.
وبالفعل، كبرت نجاة الصغيرة، وكبر معها صوتها، حتى أصبحت صاحبة مدرسة غنائية خاصة، وصوتًا ظل حاضرًا في وجدان الجمهور العربي، لتثبت الأيام أن عبد الوهاب كان محقًا في رسالته الأولى هذا الصوت موهبة نادرة.. ويجب أن يُصان.