"ميس القدرة" طفلة غزة حاصرها المرض والتنمر والحرب.. 14 عاما مع "جفاف الجلد المصطبغ" وورم جلدي.. والدها يستغيث: ابنتي فقدت جزءا من طفولتها والعلاج توقف منذ الحرب ونحتاج لاستئنافه قبل تفاقم حالتها

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 04:00 م
"ميس القدرة" طفلة غزة حاصرها المرض والتنمر والحرب.. 14 عاما مع "جفاف الجلد المصطبغ" وورم جلدي.. والدها يستغيث: ابنتي فقدت جزءا من طفولتها والعلاج توقف منذ الحرب ونحتاج لاستئنافه قبل تفاقم حالتها الطفلة ميس القدرة

كتب أحمد عرفة

"شو هالوجه؟".. كلمات تسمعها ميس القدرة كلما خرجت إلى الشارع، فتعود إليها نظرات الناس وتعليقاتهم القاسية، وتجد نفسها أمام سؤال لم تختر يوما أن يكون جزءا من حياتها: لماذا تبدو مختلفة عن الآخرين؟

الطفلة ذات الـ14 عاما، تعيش في غزة، وتحمل منذ ولادتها معاناة مرض وراثي نادر وخطير يعرف باسم جفاف الجلد المصطبغ، يجعل جلدها شديد الحساسية لأشعة الشمس، ويعرضها لخطر مرتفع للإصابة بسرطان الجلد، لم تكن ميس تعرف وهي تكبر أن المرض سيحدد جانبا كبيرا من تفاصيل حياتها، وأن خروجها من المنزل أو لعبها في الشارع لن يكونا أمرين عاديين كما هما بالنسبة إلى أقرانها.

الابتعاد عن أشعة الشمس بالنسبة إليها ليس اختيارا، وإنما ضرورة مرتبطة بحالتها الصحية، بينما أصبحت نظرات الآخرين وتعليقاتهم سببا إضافيا في خوفها من الخروج، وبمرور السنوات، لم تقتصر مضاعفات حالتها على الجلد، حيث أثرت أيضا على البصر والسمع والنمو العقلي، لتصبح ميس أمام وضع صحي معقد يحتاج إلى متابعة طبية متخصصة ومستمرة.

ميس القدرة
ميس القدرة

ورم في 2023

في عام 2023، خضعت ميس لعملية جراحية لاستئصال ورم من خلايا الجلد، في تطور زاد من مخاوف أسرتها بشأن مستقبل حالتها الصحية، ورغم استئصال الورم، لم تنته رحلة العلاج، فلا تزال الطفلة بحاجة إلى فحوصات متخصصة ومتابعة طبية مستمرة، إلى جانب ضرورة التعامل سريعا مع أي خلايا ورمية جديدة قد تظهر.

وتحتاج ميس حاليا إلى تحويل طبي عاجل إلى مركز متخصص خارج غزة، للحصول على الرعاية الطبية اللازمة لحالتها، في ظل صعوبة توفير هذا النوع من المتابعة التخصصية داخل القطاع، وتزداد أهمية التحويل الطبي مع استمرار حاجتها إلى الفحوصات والمراقبة، حيث إن طبيعة المرض الذي تعاني منه تجعل المتابعة المستمرة جزءا أساسيا من التعامل مع حالتها.

الطفلة ميس القدرة
الطفلة ميس القدرة

المرض ليس وحده ما يؤلمها

إلى جانب معاناتها الصحية، تواجه ميس مشكلة أخرى لا تظهر في التقارير الطبية، لكنها تترك أثرا مباشرا على حياتها اليومية، وهي التنمر، وتعرضها لكلمات مثل "شو هالوجه؟"، عبارة أكثر مما تحتمل طفلة في سن الـ14 عاما، خاصة عندما تتكرر في الشارع وتأتي من أشخاص لا يعرفون شيئا عن حالتها أو الظروف التي تعيشها.

لم تختر ميس المرض الذي ولدت به، ولم تختر ملامحها، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع أحكام الآخرين وتعليقاتهم بسبب اختلاف شكلها، وتوضح معاناتها أن المرض لم يعد يؤثر في جسدها فقط، بل امتد إلى حياتها الاجتماعية أيضا، بعدما أصبح الخروج من المنزل واللعب والتواجد بين الناس مصدرًا للخوف والقلق.

بالنسبة إلى ميس، لا تتوقف المشكلة عند السؤال عن العلاج أو الفحوصات، وإنما تمتد إلى حقها في أن تعيش طفولتها بصورة طبيعية، وتخرج وتلعب وتذهب إلى المدرسة دون أن تكون ملامحها سببا للسخرية أو التنمر.

الطفلة الفلسطينية ميس القدرة
الطفلة الفلسطينية ميس القدرة

طفلة تنتظر العلاج

وبينما تنتظر أسرتها إتمام إجراءات التحويل الطبي، يستمر القلق من أن تتفاقم حالتها أو تظهر خلايا ورمية جديدة تحتاج إلى تدخل طبي سريع، فقصة ميس لا تتوقف عند كونها حالة مرضية نادرة، فهي طفلة تحاول أن تعيش وسط ظروف صحية وإنسانية صعبة، وتواجه في الوقت نفسه نظرات المجتمع وتعليقاته.

لم تختر أن تولد بهذا المرض، ولم تختر أن يكون جلدها شديد الحساسية للشمس، وأن تمر بتجربة استئصال ورم وهي في هذا العمر، لكنها اليوم بحاجة إلى فرصة حقيقية للحصول على العلاج والمتابعة الطبية المتخصصة خارج غزة.

وبالنسبة إلى أسرتها، فإن المطلوب الوصول إلى مركز متخصص، إجراء الفحوصات اللازمة، ومواصلة المتابعة الطبية، والتعامل مع أي خلايا ورمية جديدة قبل أن تتفاقم الحالة، أما ميس، فلا تريد سوى أن تعيش مثل بقية الفتيات في عمرها، وتخرج من منزلها دون خوف، وتلعب وتتعلم، وتواجه الناس دون أن تكون كلماتهم القاسية سببا في عزلتها.

ميس القدرة بعد الإصابة
ميس القدرة بعد الإصابة

استغاثة الأب

لا تتوقف معاناة ميس القدرة عند المرض النادر الذي تعاني منه منذ ولادتها، فوالدها يقول إن الحرب في غزة ضاعفت من أعبائها الصحية والإنسانية، وحرمتها من الرعاية الطبية والوقاية التي تحتاج إليها حالتها.

ويضيف والدها في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ابنته تعاني كثيرا داخل غزة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها السكان منذ اندلاع الحرب، مشيرا إلى أن عدم توافر سبل العلاج والوقاية المناسبة لحالتها يمثل تحديا مستمرا للأسرة.

ويوضح أن ظروف المعيشة الحالية، ومنها الإقامة في الخيام وارتفاع درجات الحرارة والتعرض للعوامل الجوية، تزيد من صعوبة التعامل مع حالة ميس، خاصة أن مرضها يؤثر بصورة مباشرة على الجلد ويجعله شديد الحساسية.

ويقول والدها إن هذه الظروف تنعكس على صحة جلد ابنته، وتزيد مخاوف الأسرة من تفاقم حالتها، ومن زيادة احتمالات نشاط الخلايا السرطانية، وهو ما يجعل توفير الحماية والرعاية الطبية المنتظمة أمرا بالغ الأهمية بالنسبة إليها.

ميس القدرة في غزة
ميس القدرة في غزة

فقدت حقها في التعليم

ولا تقتصر تداعيات المرض والحرب على صحة ميس، بحسب والدها، وإنما امتدت إلى تعليمها وحياتها الاجتماعية، حيث يقول الأب إن ابنته شبه فقدت حقها في التعليم، موضحا أن التنمر الذي تتعرض له بسبب مظهرها، إلى جانب عدم وجود مدارس صالحة بالقدر الكافي في ظل الظروف الحالية واعتماد التعليم في بعض المناطق على الخيام، جعلا انتظامها في الدراسة أمرا بالغ الصعوبة.

ويشير إلى أن ميس أصبحت تواجه أكثر من عائق في الوقت نفسه، مرض يحتاج إلى متابعة مستمرة، وظروف حرب قاسية، وبيئة تعليمية غير مستقرة، إلى جانب التنمر الذي أثر في قدرتها على الاندماج مع الأطفال الآخرين.

ويضيف أن ابنته لا تواجه مشكلة في الحصول على التعليم فقط، وإنما تخسر تدريجيا جانبا من حياتها الطبيعية التي يفترض أن تعيشها فتاة في الرابعة عشرة من عمرها.

تشخيص حالة الطفلة ميس القدرة
تشخيص حالة الطفلة ميس القدرة

مضاعفات تطال العينين والنمو

ويكشف والد ميس أن المرض لم يؤثر على جلد ابنته فقط، وإنما ترافق أيضا مع مشكلات في العينين، لافتا إلى أن حالتها أدت إلى تفاقم مشكلات بصرية لديها، من بينها حساسية وجفاف شديد في القرنية.

ويقول إن هذه المضاعفات تضيف عبئا جديدا إلى الحالة الصحية للطفلة، خاصة مع صعوبة الحصول على المتابعة الطبية المتخصصة داخل غزة في ظل الظروف الحالية، مشيرا إلى أن ميس تعاني من بطء في النمو واكتساب الصحة الجسدية، وهو ما يزيد من قلق الأسرة بشأن تطور حالتها ومستقبلها الصحي.

ويختصر والدها سنوات معاناة ابنته بالقول إن ما تمر به "معاناة كثيرة لا يمكن حصرها"، حيث تتداخل فيها الأعراض الصحية مع ظروف الحرب وصعوبة العلاج والتعليم والحياة اليومية.

التقرير الطبي للطفلة ميس القدرة
التقرير الطبي للطفلة ميس القدرة

رحلة علاج بدأت في مصر وتوقفت بسبب الحرب

قبل اندلاع الحرب، كانت أسرة ميس قد بدأت رحلة علاج خارج غزة، وتحديدا في مصر ، حيث خضعت الطفلة للمتابعة الطبية لدى أطباء متخصصين، ويقول والدها إن آخر مراحل العلاج والمتابعة في مصر كانت خلال عامي 2022 و2023، قبل اندلاع الحرب بأشهر، وكانت الخطة أن تستمر المتابعة الطبية بصورة دورية، بمعدل زيارة كل ستة أشهر لمتابعة حالتها واستكمال العلاج، لكن اندلاع الحرب قطع الطريق أمام الأسرة.

ويضيف أنهم لم يتمكنوا بعد ذلك من مغادرة غزة والعودة إلى مصر، لتتوقف المتابعة الدورية التي كانت جزءا أساسيا من خطة علاج ابنته، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الأسرة أمام معادلة صعبة، طفلة تحتاج إلى متابعة طبية منتظمة بسبب مرض نادر، وظروف داخل غزة تجعل الوصول إلى العلاج المتخصص والوقاية أمرا بالغ الصعوبة.

ويؤكد والد ميس أن الأسرة لديها تقارير طبية توثق حالة ابنته، صادرة عن الجهات الصحية في غزة، إلى جانب التقارير الطبية الخاصة بالأطباء الذين تولوا علاجها ومتابعتها في مصر، وبالنسبة إلى الأسرة، تمثل هذه التقارير سجلا طبيا لرحلة علاج ميس، كما يمكن أن تساعد الأطباء والجهات المختصة على فهم تاريخ حالتها واستكمال المتابعة التي توقفت بسبب الحرب.

اليوم، لا يطلب والد ميس سوى أن تتمكن ابنته من العودة إلى مسار العلاج الذي بدأته قبل الحرب، وتحصل على الفحوصات والرعاية الطبية التي تتناسب مع طبيعة حالتها، وتستعيد حقها في التعليم والحياة بعيدا عن التنمر والخوف.

فميس، بحسب والدها، لا تعاني من مرض نادر فحسب، إنها طفلة تراكمت فوق جسدها الصغير آثار المرض والحرب وانقطاع العلاج، حتى أصبحت أبسط حقوقها اليومية، من العلاج إلى التعليم، معركة تحتاج إلى من يساعدها على استعادتها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة