في شهادة جديدة من داخل جماعة الإخوان، كشف حسن العشري، أحد شباب الجماعة، عن مراجعات لتجربته مع إعلام الإخوان، متحدثًا عن أسباب تراجع ثقته في عدد من أبرز الوجوه الإعلامية المحسوبة على الجماعة، وعلى رأسهم محمد ناصر، مؤكدًا أن التجربة العملية كانت العامل الحاسم في تغيير قناعاته تجاه المنظومة الإعلامية التي كان يعتبرها يومًا مصدرًا موثوقًا للمعلومات.
وأكد حسن العشري، أحد شباب جماعة الإخوان، أن تجربته مع إعلام الجماعة دفعته إلى مراجعة كثير من القناعات التي تبناها في السابق، مشيرًا إلى أن السنوات الماضية كشفت له ما وصفه بـ"الفجوة بين الشعارات التي كان يرفعها إعلام الإخوان وبين الواقع العملي".
وقال العشري، إنه خلال عام 2015، وأثناء فترة ملاحقته، كان يحرص على متابعة برامج عدد من إعلاميي الجماعة، وفي مقدمتهم محمد ناصر، موضحا أن احتكاكه المباشر بالأحداث والتجارب التي مر بها غيّر قناعته تدريجيًا، مضيفًا أن متابعته لإعلام الجماعة تراجعت مع مرور الوقت بعدما اكتشف - بحسب وصفه - أن كثيرًا من الطروحات التي كانت تُقدم لا تتسق مع الواقع، الأمر الذي أفقدها المصداقية.
وأشار إلى أنه وصل إلى مرحلة توقف فيها عن متابعة عدد من القنوات والصفحات التابعة أو المحسوبة على جماعة الإخوان، بل وقام بحظر العديد منها، مؤكدًا أن التجربة الشخصية كانت العامل الأهم في تغيير نظرته، وليس أي اعتبارات أخرى.
وأضاف العشري أن مرور أحد عشر عامًا كان كافيًا - من وجهة نظره - لإعادة تقييم المشهد، لافتًا إلى أنه اكتشف أن عددًا من الشخصيات التي كانت ترفع شعارات المبادئ غيّرت مواقفها مع مرور الوقت، وأصبحت تبحث عن مصالحها الشخصية، بينما بقي الالتزام الحقيقي بالمبادئ، بحسب تعبيره، اختبارًا لم ينجح فيه سوى القليل.
وشدد على أن الإنسان قد يراجع مواقفه عندما تتكشف له الحقائق من خلال التجربة، موضحًا أن المشكلة ليست في المبادئ ذاتها، وإنما في الأشخاص الذين يرفعونها ثم يخالفونها في الممارسة، وهو ما أدى إلى فقدانه الثقة في عدد من رموز وإعلاميي الجماعة، وعلى رأسهم محمد ناصر.
إعلام الإخوان استنزف ملايين الدولارات لخدمة أجندة التنظيم.. والشهادات الصادرة من داخل الجماعة تؤكد انهيار روايته
بدوره أكد إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والقيادي السابق المنشق عن جماعة الإخوان، أن الشهادات التي يدلي بها عدد من شباب الجماعة خلال الفترة الأخيرة بشأن إعلام الإخوان تمثل دليلًا جديدًا على حالة التراجع التي يعيشها التنظيم، مشيرًا إلى أن أخطر ما في هذه الشهادات أنها تصدر من أشخاص كانوا جزءًا من التجربة، وعاصروا آليات عمل المنظومة الإعلامية من الداخل.
وقال ربيع، إن جماعة الإخوان أدركت منذ سنوات أن الإعلام يمثل أحد أهم أدوات التأثير والتجنيد وصناعة الصورة الذهنية، ولذلك لم تبخل في ضخ أموال طائلة لإنشاء قنوات فضائية ومنصات إلكترونية وشبكات إعلامية تعمل من الخارج، موضحًا أن التنظيم أنفق ملايين الدولارات على هذه المنظومة الإعلامية بهدف الحفاظ على تماسك قواعده، والتأثير في الرأي العام، وتقديم رواية تخدم أهدافه السياسية والتنظيمية.
وأضاف أن هذه المنظومة لم تكن مجرد مؤسسات إعلامية مستقلة، بل كانت جزءًا من الهيكل التنظيمي للجماعة، تتحرك وفق أجندة محددة، وتتلقى توجيهاتها بما يخدم مصالح التنظيم، وهو ما انعكس على طبيعة المحتوى الذي كانت تقدمه، والذي اتسم بالتحريض والانتقائية وتقديم الوقائع من زاوية تخدم خطاب الجماعة.
وأشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن حجم الإنفاق الضخم على إعلام الإخوان يؤكد أن التنظيم كان يعتبر المعركة الإعلامية أحد أهم ميادين المواجهة، مستفيدًا من التمويلات التي حصل عليها عبر شبكات وكيانات مختلفة، وهو ما مكّنه لسنوات من إنشاء منصات متعددة وبث محتوى موجّه إلى الداخل المصري والخارج.
وأوضح ربيع، أن التطورات الإقليمية والدولية، إلى جانب تشديد الرقابة على مصادر التمويل، أسهمت في تقليص قدرة الجماعة على الاستمرار بنفس الزخم، وهو ما انعكس على أداء عدد من القنوات والمنصات، التي شهد بعضها الإغلاق أو تقليص النشاط، بينما اضطر آخرون إلى تغيير أماكن عملهم أو تقليل حجم المحتوى الذي يقدمونه.
وأكد أن اعترافات بعض شباب الإخوان، ومن بينها ما يتعلق بتراجع الثقة في عدد من الوجوه الإعلامية البارزة، تكشف أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الجوانب المالية أو التنظيمية، وإنما امتدت إلى فقدان المصداقية داخل قطاعات من الجمهور الذي كان يتابع هذه المنصات، بل وحتى بين بعض المنتمين أو المتعاطفين مع الجماعة.
وأضاف أن التجربة أثبتت أن الخطاب الإعلامي الذي يقوم على التعبئة المستمرة وتجاهل الحقائق لا يستطيع الحفاظ على تأثيره طويلًا، لأن الممارسة العملية والواقع كفيلان بكشف التناقضات، وهو ما يفسر تزايد المراجعات والانتقادات الصادرة من داخل الصف الإخواني نفسه خلال السنوات الأخيرة.
وشدد على أن جماعة الإخوان لا تزال تنظر إلى الإعلام باعتباره أداة رئيسية لخدمة مشروعها التنظيمي، إلا أن المتغيرات التي شهدتها المنطقة، والتشديد على مصادر التمويل، وتراجع الثقة في عدد من رموزها الإعلاميين، كلها عوامل أسهمت في إضعاف هذه المنظومة مقارنة بما كانت عليه في السنوات الماضية، مؤكدًا أن الشهادات الصادرة من داخل الجماعة تمثل وثائق مهمة لفهم طبيعة عمل إعلام الإخوان وكيفية توظيفه لخدمة أهداف التنظيم.