شظايا حرب إيران تُصيب أفريقيا.. كيف دفعت القارة الفاتورة من أرواح مرضاها؟.. اضطراب مضيق هرمز قطع شريان المساعدات.. زمن الشحن وصل 60 يوما و25 ألف دولار للشحنة الواحدة.. و13 مليون طفل مصاب بسوء تغذية خسروا الدواء

الإثنين، 06 يوليو 2026 07:02 م
شظايا حرب إيران تُصيب أفريقيا.. كيف دفعت القارة الفاتورة من أرواح مرضاها؟.. اضطراب مضيق هرمز قطع شريان المساعدات.. زمن الشحن وصل 60 يوما و25 ألف دولار للشحنة الواحدة.. و13 مليون طفل مصاب بسوء تغذية خسروا الدواء شظايا حرب إيران تُصيب أفريقيا.. كيف دفعت القارة الفاتورة من أرواح مرضاها؟

تحقيق آمال رسلان

- كلفة النقل التهمت ميزانيات الإغاثة خلال 4 أشهر ودفعت المرضى إلى حافة الموت..

- منظمات الإغاثة: تأخر الإمدادات 6 أشهر.. وكل دولار زيادة فى الشحن يٌخصم من جرعة مريض..
ارتفاع النفط تسبب فى خسارة 40 ألف طفل للمساعدات
- تكلفة اللقاحات قفزت 70%.. والأغذية العلاجية 30%.. وتأخر الأدوية يهدد مرضى الملاريا والكوليرا وسوء التغذية
- خبراء يحذرون: القارة تدفع ثمن تبعيتها الدوائية للخارج.. والحرب الأخيرة تكشف هشاشة الأمن الصحي
إفريقيا تستورد من 70% إلى 90% من أدويتها.. وتراجع التمويل الخارجي 70% بين 2021 و2025 أسباب ضاعفت الكارثة..

في مستودعٍ متهالك ببورتسودان، لم تعد أزمة الدواء تُقاس بعدد الصناديق الناقصة على الأرفف، بل بالأرواح التي يلتهمها الوقت في انتظار شحنة قد لا تصل. هناك، في عمق القارة المنهكة، تتابع الدكتورة نهلة باصالح، مديرة البرامج الصحية العليا في منظمة "رعاية الطفولة" بالسودان، باهتمام بالغ تطور المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وايران على الأمل التوصل إلى اتفاق يٌنهي الحرب.

تلك الحرب رغم بعدها الجغرافي عن القارة السمراء إلا أنها أدت إلى نفادٍ مفاجئ في أدوية الملاريا، وشحٍ في المحاليل الوريدية لمرضى الكوليرا، وتأخرٍ يطال الأغذية العلاجية لأطفال باتوا على حافة الانهيار التام، وتعود حالة الإنفجار هذه لنهار 28 فبراير الماضي، حيث كان أطفال مراكز التغذية في أطراف السودان ينهون زياراتهم الاعتيادية بافتراض بريء: «أن الجرعة التالية ستكون في انتظارهم عند العودة». لكن في الساعات نفسها، كانت لغة الصواريخ تعيد رسم خرائط الملاحة البحرية.


آنذاك لم يكن الرابط بين المشهدين ظاهرًا، لكن بعد أسابيع قليلة، بدأت شرايين الشحن الإنساني التي تعتمد عليها المنظمات الإغاثية في الالتواء والتأخر وارتفاع الكلفة. وبالنسبة لطفل يفتك به سوء التغذية الحاد، لم تكن "حرب المضائق" خبرًا عاجلًا على الشاشات، بل جزءًا من رحلة علاج قد تنقطع في أي لحظة، والآن ورغم أن الحرب قد تكون توقفت ويتوقع العالم توقيع اتفاق بين الأطراف، إلا أن أثر الصدمة التي أصابت مسارات الشحن والتمويل الإنساني لن يتبخر بالسرعة نفسها.

امال

انعكاسات حرب إيران على سلاسل الإمداد


ففي عالم الإمداد، لا تعود السفن إلى جداولها المعتادة بقرار سياسي واحد، ولا تمتلئ رفوف الدواء بمجرد صمت المدافع، بل إن الخبراء أجمعوا أن الثلاثة أشهر الماضية ستترك أثارها حتى نهاية العام 2026. تقول منظمات الإغاثة إن الضرر الذي أصاب سلاسل الإمداد لن يختفي فورًا، لأن الشحنات المؤجلة، والمسارات البديلة، والعقود الأعلى كلفة، والمخزونات التي استُنزفت خلال الأزمة، ستظل تلقي بظلالها على وصول الدواء إلى المناطق الأكثر هشاشة لأسابيع وربما أشهر.

من هرمز إلى العيادة.. كيف انكسر طريق الدواء؟


بينما ينشغل أطراف الصراع بحساب الخسائر وتقدير كلفة المواجهة والبحث عمن يعوضهم عنها، تبدو أفريقيا وكأنها ما زالت تدفع فاتورة حرب لم تكن طرفًا فيها أصلًا. فبعيدًا عن غرف التفاوض وبيانات وقف التصعيد، لا تزال آثار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تتردد في الموانئ والمخازن وطرق الإمداد، وتنعكس على الدواء والغذاء والمساعدات الإنسانية في أكثر مناطق العالم هشاشة.

 

بورصة الموت


فالحرب لم تكتفِ بإرباك مضيق هرمز بوصفه واحدًا من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، بل امتد أثرها إلى المراكز اللوجستية التي تقوم عليها حركة الإمدادات، من موانئ ومخازن ومناطق عبور في الخليج. ومع تصاعد المخاطر لم تعد الشحنات الإنسانية تسلك الطرق الأقصر والأرخص التي اعتادت عليها، بل اضطرت إلى الانحراف نحو مسارات أطول وأقسى، بعضها يلتف حول رأس الرجاء الصالح، وبعضها يتنقل بين البر والبحر والجو في رحلة شاقة لا تشبه الرحلات التي سبقتها.


ويرى الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن النظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر لنقل النفط لا يكفي لفهم حجم التأثير. فالممر الذي يتحكم في جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية يرتبط أيضًا بحركة الأسمدة والغذاء وسلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعة والإغاثة، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرًا على رفع كلفة الوصول إلى السلع الأساسية كافة، وليس الوقود وحده. وبذلك لا تتحول الأزمة إلى صدمة طاقة فحسب، بل إلى صدمة مركبة تمتد آثارها إلى الدواء والغذاء والمساعدات الإنسانية في آن واحد.


وخلال تواصلنا مع جيمس ألدر، المتحدث باسم مؤسسة يونيسف، حاولنا أن نرسم مسار رحلات الشحنات خلال فترة غلق مضيق هرمز وكيف أثرت على العمل الانساني، حيث أوضح لنا في إفادة خاصة لـ"اليوم السابع" إن التحويلات البحرية حول رأس الرجاء الصالح تضيف الآن ما بين "2 – 4" أسابيع على زمن الشحن، بينما انكمشت سعة الشحن الجوي عبر مسارات الشرق الأوسط، وبدأ الازدحام يتمدد إلى موانئ أفريقيا نفسها وما بعدها.


وأضافت يونيسف أن الطريق الأطول لا يعني فقط وقتًا أطول، بل يعني أيضًا كلفة أعلى، وتأمينًا أكبر، ومخاطر أكثر، ومجالًا أوسع لتراكم الأعطال. وبناء على ذلك لم يعد الوصول إلى الإمدادات الطبية مسألة شراء وشحن فقط، بل سلسلة من المساومات القسرية مع الحرب، والوقود، والموانئ المختنقة، وشركات النقل التي تعيد تسعير المخاطر على وقع الصواريخ.


وهنا تشير الدكتورة نهلة أحمد أبو العز، أستاذ الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، إلى أن الاقتصاد العالمي بات شديد الترابط عبر سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، بحيث لم يعد من الضروري أن تكون الدولة طرفًا مباشرًا في الصراع حتى تدفع ثمنه. فارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن ينعكس سريعًا على تكلفة استيراد الغذاء والدواء والمساعدات، وهو ما يجعل الدول الأفريقية الأكثر اعتمادًا على الخارج أكثر عرضة لتلقي الصدمة.


ولهذا لم يكن غريبًا أن تقدّر "يونيسف" أن هذه الاضطرابات، بصورة تراكمية، قد تؤخر وصول الإمدادات الحرجة بما يصل إلى "4 – 6 أشهر"، وهي مدة لا تبدو مجرد رقم على الورق، بل زمنًا كافيًا لكي يفقد تدخل صحي طارئ جدواه، أو لكي ينفد مخزون مركز، أو لكي ينزلق طفل من سوء تغذية متوسط إلى حاد قبل أن تصل الجرعة التالية.

هذا السيناريو لا يواجه اليونيسف فقط، بل هو حال جميع المؤسسات الإغاثية التي تعمل داخل القارة الأفريقية. وهنا تشرح الدكتورة نهلة باصالح المسئولة بمؤسسة إنقاذ الطفولة، لـ"اليوم السابع" أن الحرب وما تبعها من توتر في مضيق هرمز وباب المندب وامتدادات البحر الأحمر رفعت مستوى المخاطر على الملاحة البحرية عمومًا، ما فاقم وضعًا كان متأزمًا أصلًا. ونتيجة لذلك، لم يعد الاستيراد المباشر من الإمارات ممكنًا بالطريقة المعتادة، واضطرت المنظمة – وقت الأزمة - إلى اللجوء إلى مسارات غير مباشرة، تمر من الإمارات برًا إلى جدة، ثم بحرًا من جدة إلى بورتسودان. وفي أحيان أخرى، تضطر إلى البحث عن مصادر بديلة في دول أخرى، بينها دول أوروبية مثل هولندا

 

 

لكن اللجوء إلى أوروبا، وفقًا لباصالح، يطرح معضلة كبيرة، فالأدوية الأوروبية مرتفعة الثمن جدًا مقارنة بالأدوية القادمة من الشرق الأوسط أو من كينيا أو من بعض الدول الأفريقية، كما أن شحنها يستغرق وقتًا أطول وتكلفته أعلى. وتقول إن المنظمة تجد نفسها مضطرة دائمًا إلى الموازنة بين الميزانية المتاحة وحجم الاحتياج الفعلي، لأن جودة الدواء قد تكون مرتفعة، لكن السعر وزمن الوصول عنصران حاسمان في بيئة إنسانية مثل السودان.

وتضيف أن الأزمة لم تعد تتعلق بسعر الدواء وحده، بل أيضًا بتكلفة الشحن والتأمين. فالسودان، بحسب وصفها، يُنظر إليه حاليًا على أنه منطقة عالية المخاطر، وهو ما يرفع كلفة التأمين بشكل كبير على أي شحنة دواء تصل إلى البلاد، سواء عبر شركات الشحن البحري أو الجوي. كما أن الإمارات نفسها باتت تُعامل، في ظل التوترات الحالية، باعتبارها جزءًا من منطقة مرتفعة المخاطر، بما يضيف مزيدًا من الأعباء التأمينية واللوجستية.

ويقول الإدريسي إن ما حدث خلال أشهر التصعيد لم يكن مجرد تعطّل مؤقت في حركة التجارة، بل إعادة تسعير كاملة للمخاطر. فمع ارتفاع أسعار النفط وتضاعف أقساط التأمين البحري وارتفاع كلفة النقل، أصبحت رحلة الشحنة الواحدة أكثر تكلفة في كل مراحلها، من الميناء إلى المستودع. وفي قارة تعتمد بدرجات كبيرة على استيراد الأدوية والمساعدات والسلع الأساسية، لا تبقى هذه الزيادات داخل دفاتر شركات النقل، بل تنتقل في النهاية إلى الحكومات والمنظمات الإنسانية، ثم إلى المرضى الذين ينتظرون العلاج.


وبهذا المعنى، فإن الخيارات كلها باتت مكلفة: الاستيراد من أوروبا باهظ أصلًا، والاستيراد من الشرق الأوسط لم يعد أقل كلفة كما كان بسبب الحرب والتوترات الإقليمية. لكن ما تكشفه هذه المعادلة يتجاوز أزمة الشحن نفسها؛ فالأزمة الحالية، بحسب أبو العز، أبرزت حجم اعتماد العديد من الدول الأفريقية على الخارج في تأمين احتياجات أساسية من الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، وهو اعتماد يجعل آثار الصدمات الدولية تصل إلى العيادات ومخازن الإغاثة بسرعة تفوق أحيانًا سرعة وصول المساعدات نفسها.

أمراض لا تنتظر.. حين يصبح التأخير حكمًا بالموت


لكن الطريق الأطول لا يختبر الجميع بالطريقة نفسها، فثمة أمراض لا تمنح المريض رفاهية الانتظار حتى تلتف السفينة حول رأس الرجاء الصالح، ولا تُمهل الشاحنة وقتًا حتى تعبر طريقًا بديلًا، ولا تتأني حتى يتم طبخ إتفاق سياسي طويل الأجل، بل تفتك أولًا، ثم تترك المنظمات تحصي الخسائر لاحقًا. وفي قارة يعتمد جزء كبير من أمنها الصحي على سلاسل إمداد عابرة للحدود، قد يتحول أي اضطراب في النقل أو التمويل أو التوريد إلى عامل إضافي يسرّع مسار المرض أكثر مما يسرّع وصول العلاج.


الكوليرا، مثلًا - وفقًا لتحديثات منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض في أفريقيا – ضربت القارة الإفريقية فى الفترة من يناير حتى مايو 2026 بموجة جديدة وعنيفة، وتجاوز معدل الوفاة بين المصابين فيها عتبة 1% التي تُعد مؤشرًا على ضعف الاستجابة أو تأخر العلاج.

وأظهرت بيانات عن عدد من الدول في أفريقيا معدلات وفاة تفوق ذلك بكثير، لتتجاوز في بعض البؤر 2%. ويعكس هذا الارتفاع، الذي تزامن مع اضطراب سلاسل الإمداد، مدى هشاشة الوصول إلى العلاج المنقذ للحياة عندما تتعرض شبكات التوريد العالمية للضغط. وبينما برزت دول مثل جنوب السودان والكونغو ونيجيريا وموزمبيق ضمن بؤر التفشي الرئيسية في التحديثات الوبائية، ظل السودان حاضرًا في قلب المشهد بوصفه إحدى أكثر الساحات هشاشة.


وفي موازاة الأوبئة السريعة مثل الكوليرا، تتمدد في أفريقيا أزمة أخرى أشد بطئًا لكنها لا تقل فتكًا، إنها "سوء التغذية الحاد". وتشير بيانات اليونيسف الخاصة بشرق وجنوب أفريقيا إلى أن نحو 13 مليون طفل في المنطقة يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم قرابة 4 ملايين طفل يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM)، وهو الطور الأخطر والأقرب إلى حافة الموت إذا لم يتلق الطفل التدخل العلاجي السريع.

293295-بورصة
بورصة الموت


وحذرت المنظمة من أن المنطقة تواجه ضغوطًا متزامنة في 19 من أصل 22 دولة بسبب تفشي الكوليرا وأمراض أخرى يمكن الوقاية منها، بما يضاعف هشاشة الأطفال الذين يعانون أصلًا من ضعف المناعة ونقص الغذاء.


الأزمة الحالية تكشف الترابط الوثيق بين الأمن الصحي والأمن الغذائي في القارة، وهذا ما أوضحته الدكتورة نهلة أبو العز، حيث أن ارتفاع تكاليف النقل والوقود والأسمدة لا ينعكس فقط على الدواء، بل يمتد أيضًا إلى الغذاء والإنتاج الزراعي، في وقت يعاني فيه أكثر من 170 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يجعل أي اضطراب جديد في الإمدادات العالمية أكثر قسوة على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال.


وكانت اليونيسف قد حذرت خلال 2025 من أن مخزونات علاج سوء التغذية الحاد مرشحة للنفاد في بلدان مثل إثيوبيا والصومال وجنوب السودان إذا لم تُعزز الإمدادات بسرعة. وفي عام 2026، ومع تصاعد اضطرابات الشحن وتباطؤ وصول الإمدادات وارتفاع تكاليفها، يصبح هذا التحذير أكثر قسوة، فهذا لا يعني فقط تأخر شحنة، بل يعني عمليًا تقليص فرص تعافي أطفال يعتمدون عليها كخط دفاع أخير ضد الموت.


الحرب لم تضغط على الدواء وحده، حيث يرى الدكتور علي الإدريسي، أنها أصابت أيضًا الغذاء والأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، وهو ما يجعل آثارها تمتد إلى البيئة المعيشية التي تحدد قدرة المجتمعات على مقاومة المرض من الأساس. فحين ترتفع كلفة الغذاء وتتراجع القدرة الشرائية للأسر، يصبح الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية، وتصبح المنظومة الصحية بأكملها أكثر هشاشة أمام أي تفشٍ وبائي جديد.


أما الملاريا، فهي لا تزال القاتل الأكثر رسوخًا في القارة. ووفق منظمة الصحة العالمية، استحوذت أفريقيا في أحدث المؤشرات العالمية على نحو 94% من حالات الملاريا و95% من الوفيات المرتبطة بها عالميًا، بينما شكّل الأطفال دون سن الخامسة نحو 75% من وفيات الملاريا في الإقليم الأفريقي. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن المرض، خصوصًا الملاريا المنجلية، قد يتطور إلى حالة شديدة أو وفاة خلال 24 ساعة فقط إذا لم يُعالج سريعًا. أي أن أي تأخير في وصول الأدوية أو أدوات الوقاية الموسمية لا يُترجم إلى "ضغط إضافي" فحسب، بل قد يتحول مباشرة إلى وفيات كان يمكن تفاديها.


وإذا كانت الأرقام تكشف حجم الانفجار على مستوى القارة تزامناً مع أزمة نقص الإمدادات، فإن ما تقوله الدكتورة نهلة باصالح، مديرة البرامج الصحية العليا في منظمة رعاية الطفولة، يوضح كيف يبدو هذا الانفجار من داخل العيادة نفسها، حيث تشرح كيف ينعكس اضطراب سلاسل الإمداد على الأمراض الأكثر شراسة في البلاد، قائلة إن الملاريا تبقى في مقدمة الأمراض التي يتضاعف خطرها مع تأخر الإمدادات، لأنها مرض متوطن في السودان وموجود على مدار العام، مع استهلاك مرتفع جدًا لأدويته، بما يجعل انقطاعها أو تأخرها سببًا مباشرًا لمشكلات صحية كبيرة لدى المرضى.


وتضيف أن الكوليرا كانت من أكثر الأوبئة التي كشفت هشاشة الوضع الصحي وسرعة انهيار المخزون. فمع الحرب، وانهيار أجزاء من النظام الصحي، وتعطل شبكات المياه في مناطق كثيرة، ظهرت مشكلات واسعة في مياه الشرب، ما أدى إلى انتشار الكوليرا بسرعة كبيرة. وتوضح باصالح أن هذا الانتشار رفع الحاجة بصورة هائلة إلى الأدوية المنقذة للحياة، وعلى رأسها المحاليل الوريدية المستخدمة لتعويض السوائل التي يفقدها المريض.

وتقول إن الاحتياج إلى هذه المحاليل لم يكن كبيرًا على مستوى المنظمة وحدها، بل على مستوى الدولة ووزارة الصحة أيضًا، لدرجة أن المخزون الوطني نفسه لم يعد قادرًا على تغطية الطلب. وبحسب وصفها، فإن الكوليرا من الأمراض التي تحتاج إلى استجابة شديدة السرعة، ولا تحتمل أي تأخير في سلاسل الإمداد.


ولا يتوقف أثر الأزمة عند الأوبئة السريعة فقط، بل يمتد أيضًا إلى الأطفال الذين يواجهون سوء التغذية. وتشير باصالح إلى أن من بين أكثر الملفات تأثرًا الأغذية العلاجية والتكميلية المخصصة للأطفال، موضحة أن هناك نوعًا يُستخدم لعلاج حالات سوء التغذية الحاد الوخيم، ونوعًا آخر يُستخدم للحالات المتوسطة. وتقول إن هذا النوع الأخير شهد ندرة وشحًا كبيرين، بينما يعتمد السودان فيه أساسًا على برنامج الأغذية العالمي، الذي تأثر بدوره بتوقف الدعم الأمريكي عبر USAID، ما أدى إلى تعطل هذا المسار بالكامل. ونتيجة لذلك، تؤكد أن الغذاء التكميلي غير متوفر منذ أكثر من سنة، وهو ما أدى إلى تدهور حالات أطفال من سوء تغذية متوسط إلى سوء تغذية حاد وخيم، وتصف ذلك بأنه أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال دون سن الخامسة.


وتعزز هذه الصورة ما تحذر منه أبو العز من أن آثار الأزمة لا تتوقف عند الشحنات التي تأخرت بالفعل، بل تمتد إلى تآكل المخزونات وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على توفير الغذاء والعلاج للفئات الأكثر احتياجًا، وهي آثار قد تستمر لأشهر طويلة حتى لو توقفت العمليات العسكرية نفسها.


وتلفت باصالح أيضًا إلى أن قائمة المتضررين من أزمة الإمداد لا تقتصر على الأطفال أو المصابين بالأوبئة، بل تشمل كذلك أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج مستمر ورعاية دورية لا تحتمل الانقطاع. وتذكر من بينهم مرضى السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الكلى، والفشل الكلوي، وأمراض القلب، مؤكدة أن تأخر وصول الأدوية أو انعدامها أدى إلى ارتفاع كبير جدًا في الوفيات بين هذه الفئات. كما تشير إلى أن مرضى الغسيل الكلوي تأثروا بوجه خاص بسبب مشكلات وتأخر المحاليل التي يحتاجونها على نحو دائم.


وفي السياق نفسه، تحذر من أن مرضى السل الرئوي يواجهون خطرًا مزدوجًا إذا انقطعت سلسلة العلاج، لأن المريض يحتاج إلى الاستمرار على الدواء طوال فترة العلاج من دون توقف، وأي انقطاع لا يؤدي فقط إلى تدهور حالته الصحية، بل قد يسمح للبكتيريا باكتساب مقاومة للعلاج، بحيث لا يعود الدواء فعالًا لاحقًا. وبهذا المعنى، لا يصبح تأخر الشحنة في السودان مجرد مسألة توريد، بل أزمة تتراكم فيها الأخطار من وفاة يمكن تفاديها، إلى وباء يتسع، إلى علاج يفقد فعاليته بسبب انقطاعه.


وتختصر باصالح جوهر هذه المعضلة في أن الأزمة لم تعد تعني فقط أن الدواء أغلى أو أبطأ، بل أن بعض الأمراض في السودان تعرف طريق التدهور أسرع من طريق الإمداد. ففي بلد يرزح أصلًا تحت الحرب والنزوح وتآكل الخدمات، يصبح كل تأخير إضافي في وصول الدواء أو الغذاء العلاجي أو المحاليل الوريدية خصمًا مباشرًا من فرصة المريض في النجاة.

 

 

فاتورة الطريق تُخصم من حصة المريض


لكن حين تصبح الشحنة أغلى وأبطأ، لا تتوقف الأزمة عند دفاتر النقل، بل تدخل مباشرة إلى غرف القرار داخل المنظمات: كم جرعة يمكن شراؤها؟ وأي مركز يحصل على الإمدادات أولًا؟ وأين يمكن أن يصمد المخزون أيامًا إضافية، وأين لا يحتمل الانتظار؟


فهنا تتوقف الأزمة عن كونها مشكلة لوجستية، وتتحول إلى معادلة إنسانية قاسية تُقاس بما يمكن توفيره من علاج وغذاء، لا بما يمكن نقله فقط. وكل زيادة في تكلفة الطريق تعني بالضرورة تراجعًا في قدرة المنظمات على الوصول إلى المحتاجين بالحجم نفسه الذي كانت تستهدفه قبل الأزمة.


ولا تترجم هذه الاختناقات إلى تأخير فحسب، بل إلى قفزات حادة في التكلفة. فبحسب بيانات يونيسف، ارتفعت تكاليف الشحن الجوي للقاحات من الهند إلى إثيوبيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بنسبة تراوحت بين 50 و70%. كما زادت تكاليف النقل بالشاحنات للأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام من المصنّعين في كينيا إلى الصومال وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية بنسبة 30%.


ويرى الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن هذه الزيادات ليست مجرد انعكاس مباشر للحرب، بل نتيجة إعادة تسعير واسعة للمخاطر في أسواق الطاقة والشحن والتأمين. فمع ارتفاع أسعار النفط وتضاعف أقساط التأمين البحري، أصبحت رحلة الإمدادات الإنسانية أكثر كلفة في كل مراحلها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار الدواء والغذاء والمساعدات الأساسية.


وفي نيجيريا، أدت إعادة توجيه المحاقن الخاصة بحملة تطعيم ضد شلل الأطفال تستهدف 12 مليون طفل إلى تكلفة إضافية بلغت 200 ألف دولار، مع زيادة في تكاليف النقل بنسبة 56%. أما في مالي، فقد ارتفعت ميزانية الشحن الدولي بنسبة 36% خلال الربع الأول من العام، بما وضع مكتب المنظمة أمام معادلة مُرّة، إما تقليص عدد عبوات الغذاء العلاجي المطلوبة، وبالتالي تقليص عدد الأطفال الذين يمكن علاجهم، أو امتصاص هذه الكلفة على حساب برامج أخرى حيوية، من الصحة إلى التعليم والمياه والصرف الصحي وحماية الطفل.


هذه هي اللحظة التي يتوقف فيها النقل عن كونه تفصيلًا لوجستيًا، فكل دولار إضافي تدفعه المنظمة في الطريق هو، كما تقول يونيسف، دولار واحد أقل تنفقه على الإمدادات المنقذة للحياة التي يحتاجها الأطفال. ومن هنا، لا تعود الشحنة الأغلى مجرد رقم في ميزانية، بل تتحول إلى عدد أقل من صناديق الغذاء العلاجي، أو عدد أقل من اللقاحات.


وتقول الدكتورة نهلة أحمد أبو العز إن هذه المعادلة تكشف بصورة واضحة حجم اعتماد العديد من الدول الأفريقية على الخارج في توفير الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية. فكلما ارتفعت كلفة الشحن أو تعطلت سلاسل الإمداد، انتقلت الصدمة مباشرة إلى قدرة هذه الدول والمنظمات العاملة فيها على تأمين الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة.


وتقول Save the Children إن المعادلة لم تعد نظرية. ففي تقديراتها خلال الشهور الثلاثة الأولى للأزمة، حذرت من أن كل زيادة قدرها 5 دولارات في سعر برميل النفط نتيجة الحرب يمكن أن تمحو ما يعادل شهرًا كاملًا من المساعدات المنقذة للحياة لنحو 40 ألف طفل. وتُقدّر المنظمة أن هذه الزيادة تضيف نحو 340 ألف دولار شهريًا إلى تكاليف الشحن والوقود والغذاء والإمدادات الطبية.


ولا تبدو هذه الأرقام مفاجئة في نظر الإدريسي، الذي يشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لا ينعكس على الوقود فقط، بل يمتد إلى كامل سلسلة الإمداد، من النقل والتخزين إلى الغذاء والأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي. ولذلك فإن تكلفة الحرب لا تُدفع مرة واحدة، بل تتوزع على مراحل متلاحقة تصل في النهاية إلى المستهلك الأخير أو إلى المريض الذي ينتظر العلاج.

ماذا لو تجدد الصراع :

فى حين تسير المفاوضات بين واشنطن وطهران على حقل ألغام يتحسس الجميع انعكاسات ذلك بتجدد الصراع، والذي قد يٌعيد أسعار النفط مرة أخرى إلى حاجز الـ100 دولار للبرميل لبقية عام 2026، وتقول مؤسسة إنقاذ الطفولة أن هذا السيناريو سيرفع  كلفة مساعداتها الإنسانية بنسبة 10%، بما يزيد فاتورة الإيصال بأكثر من 27 مليون دولار خلال العام. وباللغة التي يفهمها العاملون في الميدان جيدًا، لا يعني ذلك أن الأزمة أصبحت أغلى فقط، بل أن المال الذي كان يجب أن يتحول إلى غذاء أو دواء أو محاليل، بدأ يذوب في الطريق قبل أن يصل إلى محتاجيه.


وشرحت المؤسسة أنه خلال توقف الامدادات عبر دبي المسار المعتاد لها، اضطرت إلى استخدام خيار جدة عبر النقل بالشاحنات، رغم أنه "ليس سريعًا". النتيجة أن الفترة الزمنية لوصول الأدوية من المورد عبر دبي أصبحت تدور حول 60 يومًا، بعدما كانت في حدود 15 يومًا فقط. وفي الوقت نفسه، قفزت كلفة الشحن من نحو 17 ألف دولار إلى أكثر من 25 ألف دولار للشحنة الواحدة.

وتحذر أبو العز من أن مثل هذه الاضطرابات لا تنتهي بمجرد تراجع العمليات العسكرية، إذ تظل آثارها قائمة عبر الشحنات المؤجلة، والمخزونات المستنزفة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. لذلك قد تستمر الضغوط على الإمدادات الإنسانية والغذائية والطبية لأشهر طويلة حتى بعد هدوء التوترات العسكرية نفسها.

وصفت منظمة "يونيسف" ما يجري بأنه لم يعد اضطرابًا محصورًا داخل المنطقة، بل صدمة ممتدة تضرب سلاسل الإمداد الإنسانية على مستوى العالم. وفي توضيح لـ"اليوم السابع" حول الأزمة، أكدت المنظمة الأممية أن ما يبدأ كتعطل في ممرات الشحن قد ينقلب سريعًا إلى أزمة إنسانية، لأن كل تأخير إضافي، وكل دولار إضافي يُدفع على النقل، يُسحب مباشرة من رصيد الإمدادات التي كان يفترض أن تصل إلى الأطفال.

النجاة بالتقسيط.. كيف تدير المنظمات الندرة قبل نفاد المخزون؟

في السودان، لا تُختبر المنظمات الإنسانية فقط بقدرتها على شراء الدواء أو شحنه، بل بقدرتها على تأجيل لحظة الانهيار يومًا إضافيًا، وأسبوعًا آخر، وشحنةً بعد أخرى. فحين يصبح الطريق أطول، والدواء أغلى، والمرض أسرع، لا يعود السؤال فقط: كيف تصل الإمدادات؟ بل: كيف تُبقي العيادات مفتوحة أصلًا حتى تصل؟


وفي واقع كهذا، لا تصبح إدارة الإمدادات مسألة تشغيلية فحسب، بل محاولة مستمرة لشراء الوقت في مواجهة أزمة يتسع نطاقها أسرع من قدرة المساعدات على اللحاق بها.


تشرح الدكتورة نهلة باصالح، مديرة البرامج الصحية العليا في منظمة رعاية الطفولة، أن منظمتها تعمل حاليًا في 13 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية، وتدعم 143 مركزًا صحيًا في دارفور ومناطق النزاعات وكردفان. في مثل هذا الانتشار الواسع، لا يعود تعطل شحنة واحدة أزمة محصورة في المخزن، بل ضغطًا مباشرًا على شبكة كاملة من المرافق التي يعتمد عليها مرضى لا يملكون بديلًا آخر.

ولهذا، لم تنتظر المنظمة وقوع الانقطاع الكامل حتى تتحرك، بل لجأت منذ بداية الحرب إلى بناء مخزون استراتيجي داخل البلاد، تموّله من مواردها الخاصة، لا من إيقاع التمويل التقليدي وحده.


هذا المخزون، المحفوظ في بورتسودان، لا يعمل كاحتياطي ساكن، بل كصمام طوارئ يومي. فبحسب باصالح، تستخدمه المنظمة لبدء المشاريع الجديدة قبل وصول شحناتها الأصلية، عبر ما تسميه الفرق نفسها "الاستلاف" من المخزون الاستراتيجي، ثم تعويض الكميات لاحقًا عندما تصل أدويتها الخاصة. كما يُستخدم هذا المخزون في لحظات الانفجار الوبائي، حين لا يكون أمام الفرق ترف الانتظار أصلًا. فالكوليرا، مثلًا، تحتاج إلى استجابة خلال 48 ساعة فقط، ولا يمكن لمنظمة تعمل في مناطق نزاع أن تنتظر أسابيع أو شهورًا حتى تستكمل دورة الشراء التقليدية. في هذه اللحظة، لا تُستخدم الشحنة حين تصل، بل يُستخدم ما تم إنقاذه مسبقًا من زمن الوصول.


لكن حتى هذا الحل ليس حلًا كاملًا، بل شكل من أشكال إدارة الندرة، وترى أبو العز أن هذه الصورة تعكس مشكلة أعمق من مجرد تأخر الشحنات، إذ تكشف حجم اعتماد العديد من الدول الأفريقية على سلاسل إمداد خارجية لتوفير احتياجات أساسية من الغذاء والدواء. ومع كل أزمة عالمية جديدة، تتحول إدارة التنمية إلى إدارة للنقص، وتتحول خطط التوسع وتحسين الخدمات إلى محاولات متكررة لتجاوز آثار الصدمات وتأجيل لحظة الانهيار.

أفريقيا لم تبدأ من الصفر.. بل من حافة الانهيار

وفي هذا كله، يصبح من الخطأ تفسير الأزمة الحالية باعتبارها نتاج الحرب وحدها. فالحرب ليست السبب الوحيد، لكنها تعمل بوضوح كعامل تسريع ومضاعفة لأزمة قائمة أصلًا. فالقارة تواجه منذ سنوات مزيجًا ثقيلًا من النزاعات الداخلية، والنزوح، وضعف المخزون، وتراجع التمويل، والاعتماد العالي على الخارج. لكن ما فعلته الحرب الأخيرة هو أنها دفعت كل هذه الاختلالات إلى الواجهة دفعة واحدة، وعرّت حقيقة أن كثيرًا من الأنظمة الصحية في أفريقيا لم تكن بعيدة أصلًا عن نقطة الانكسار.


فبحسب تقرير لمؤسسة الأبحاث العالمية McKinsey، كانت أفريقيا تستورد ما بين 70% و90% من الأدوية المستخدمة فيها حتى عام 2019. وفي ظل هذه الدرجة العالية من الاعتماد على الخارج، لا تبدو أزمة النقل مجرد مشكلة تجارية عابرة، بل تهديدًا بنيويًا للأمن الصحي نفسه.


الضعف لا يتوقف عند حد الاستيراد، بل يمتد إلى التمويل الذي يُبقي هذه المنظومة قائمة بالكاد. فالمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية حذرت في عام 2025 من أن القطاع الصحي في القارة يواجه "أزمة تمويل غير مسبوقة"، مدفوعة بانخفاض حاد في المساعدة الإنمائية الرسمية بنسبة 70% بين 2021 و2025، إلى جانب اختلالات هيكلية عميقة.


وتقول الدكتورة نهلة أحمد أبو العز، أستاذ الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، إن ما كشفته الأزمة يتجاوز حدود التأثير المباشر للحرب أو اضطراب الممرات البحرية. فالقضية، في جوهرها، ترتبط بدرجة اندماج الاقتصادات الأفريقية واعتمادها على الخارج في تأمين الغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الإنتاج. ولذلك فإن أي توتر جيوسياسي في العالم لا يبقى بعيدًا عن القارة، بل ينتقل إليها سريعًا عبر الأسعار وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل. وترى أن الأحداث الأخيرة أعادت طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى تستطيع أفريقيا حماية أمنها الغذائي والصحي وهي ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على الأسواق الخارجية لتلبية احتياجات أساسية؟


ويعزز هذا الطرح ما يراه الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي، الذي يعتبر أن أخطر ما خلفته الأزمة ليس فقط ما حدث أثناء شهور التصعيد، بل ما قد يستمر بعدها. فحتى مع تراجع حدة التوترات وانخفاض أسعار النفط نسبيًا، تبقى آثارها حاضرة في عقود الشحن الأعلى كلفة، والتأمينات المرتفعة، والمخزونات التي استُنزفت، وسلاسل التوريد التي فقدت انتظامها. ولهذا فإن الندبة الاقتصادية، بحسب وصفه، تعيش عادة أطول من الحدث العسكري نفسه، وقد تستمر في التأثير على الدواء والغذاء والمساعدات الإنسانية حتى بعد عودة الهدوء إلى الممرات البحرية.


وبالنسبة للقارة الأفريقية، لا يبدو الدرس اقتصاديًا فحسب، بل وجوديًا أيضًا. فالأزمة، كما يرى الإدريسي، أثبتت أن الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء لم يعد ترفًا تنمويًا أو هدفًا بعيد المدى، بل ضرورة استراتيجية لتقليل التعرض للصدمات العالمية. ويضيف أن بناء قدرة أكبر على الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، بات جزءًا من الأمن القومي للدول الأفريقية، وليس مجرد خيار اقتصادي.


لكن المسؤولية، وفقًا للإدريسي، لا تقع على الحكومات الأفريقية وحدها. فالعالم الذي يتأثر بأزمات مترابطة لا يستطيع أن يطلب من الدول الأكثر هشاشة أن تتحمل وحدها تكلفة اضطرابات لم تكن طرفًا فيها. ومن ثم، فإن أي حديث جاد عن التعافي لا بد أن يشمل دورًا أكبر للمؤسسات الدولية والدول الصناعية في دعم الأمن الغذائي والصحي للدول الفقيرة، وتخفيف أثر الصدمات العالمية على المجتمعات الأقل قدرة على الاحتمال.


وهكذا، بينما قد تتوقف الحروب باتفاق سياسي أو تهدئة عسكرية، تبقى آثارها تتردد في أماكن أبعد بكثير من ساحات القتال. ففي عيادة ريفية بالسودان، أو مركز تغذية في الصومال، أو مستودع أدوية في جنوب السودان، لا تُقاس تداعيات الصراع بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأيام التي استغرقتها المعارك، بل بعدد الجرعات التي تأخرت، والأطفال الذين انتظروا غذاءهم العلاجي، والمرضى الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مرض لا ينتظر. وربما كانت هذه هي الحقيقة الأكثر قسوة التي كشفتها الأزمة: أن أفريقيا لم تدفع ثمن حرب لم تخضها فحسب، بل دفعت أيضًا ثمن هشاشة تراكمت لسنوات طويلة، ولم يكن ينقصها سوى صدمة جديدة كي تظهر إلى السطح.

p.4-5
شظايا حرب إيران تُصيب أفريقيا
 



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة