البناء يتم على كل المستويات.. توجيهات بإعادة ترتيب الأولويات والتغلب على تحديات التنفيذ.. التكليفات الجديدة ترسم ملامح مميزة لإدارة الدولة برؤية متكاملة.. وتعزيز كفاءة المؤسسات واكتشاف المواهب أبرز الملامح

الإثنين، 06 يوليو 2026 04:00 م
البناء يتم على كل المستويات.. توجيهات بإعادة ترتيب الأولويات والتغلب على تحديات التنفيذ.. التكليفات الجديدة ترسم ملامح مميزة لإدارة الدولة برؤية متكاملة.. وتعزيز كفاءة المؤسسات واكتشاف المواهب أبرز الملامح العاصمة الإدارية الجديدة

كتب محمد عبد الرحمن

جاءت التوجيهات التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاجون" بالعاصمة الإدارية الجديدة، لتطرح تصورًا أوسع لمرحلة جديدة لا تقتصر على استكمال مشروعات البنية التحتية، وإنما تمتد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وأدواتها السياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية، فالملاحظ أن الرسائل الرئاسية توزعت على ملفات ترتبط مباشرة ببنية المجتمع والدولة معًا.

اللافت في هذه التوجيهات أنها تتحرك في اتجاهين متوازيين، الأول يبدأ من قمة مؤسسات الدولة عبر إعادة هيكلة السياسات العامة ووضع برامج وطنية، والثاني يتجه إلى المجتمع مباشرة من خلال الإعلام، والأحزاب، والتعليم، ورعاية الموهوبين، بما يعكس إدراكًا بأن عملية التنمية لم تعد تقاس بحجم المشروعات فقط، وإنما بقدرة الدولة على بناء الإنسان والمؤسسات في آن واحد.

الإعلام.. الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الوعي

التوجيه الخاص بعقد اجتماع سنوي برعاية رئيس الجمهورية لمراجعة أوضاع الإعلام يمثل إقرارًا بأن هذا القطاع يواجه تحديات تتجاوز المنافسة التقليدية، في ظل التحولات الرقمية واتساع تأثير المنصات الإلكترونية.

لكن نجاح هذه الخطوة لن يرتبط بعقد اجتماع دوري فقط، وإنما بقدرة المؤسسات الإعلامية على إجراء مراجعة حقيقية لأدواتها المهنية والاقتصادية، وإعادة النظر في منظومة التدريب، وآليات صناعة المحتوى، وطرق الوصول إلى الجمهور، خاصة مع تغير أنماط استهلاك الأخبار والمعلومات.

المعادلة هنا لا تتعلق بزيادة الإنتاج الإعلامي، وإنما بزيادة تأثيره ومصداقيته، فالإعلام الذي يكتفي برد الفعل لن يستطيع منافسة منصات أصبحت تصنع الرأي العام في دقائق، بينما يحتاج الإعلام الوطني إلى استعادة دوره بوصفه مصدرًا موثوقًا للمعلومة، ومنصة للنقاش الرصين، وأداة لبناء الوعي العام.

الحياة الحزبية.. من المشاركة الشكلية إلى الفاعلية السياسية

الإسراع بانتخابات المجالس المحلية وتنشيط الحياة الحزبية يعيدان ملف المشاركة السياسية إلى الواجهة بعد سنوات من التركيز على الإصلاح الاقتصادي والتنمية العمرانية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، وإنما في إنتاج مجالس محلية قادرة على ممارسة دورها الرقابي والخدمي، وإفراز كوادر سياسية تمتلك خبرة ميدانية تؤهلها للانتقال إلى مستويات أعلى من العمل العام.

كما أن تنشيط الأحزاب يحتاج إلى بيئة تسمح بتجديد الخطاب السياسي، وفتح المجال أمام القيادات الشابة، وتحويل الأحزاب إلى مؤسسات تمتلك برامج واقعية مرتبطة باحتياجات المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بالحضور الموسمي خلال الاستحقاقات الانتخابية.

الاقتصاد.. البحث عن مرحلة ما بعد صندوق النقد

ربما يحمل التكليف بإعداد برنامج اقتصادي وطني يبدأ بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي إحدى أهم الرسائل الاستراتيجية في هذه التوجيهات.

فبعد سنوات ارتبط فيها الإصلاح الاقتصادي ببرامج التمويل الدولية، تبرز الحاجة إلى صياغة نموذج مصري يعتمد بصورة أكبر على الإنتاج والصناعة والتصدير والاستثمار المحلي، ويحقق توازنًا بين استقرار المؤشرات الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.

البرنامج المنتظر لن يقاس فقط بحجم المشروعات الجديدة، وإنما بقدرته على معالجة قضايا مثل جذب الاستثمار، ودعم القطاع الخاص، وزيادة تنافسية الصناعة، وتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق فرص عمل مستدامة.

مكافحة الفساد.. من التشريع إلى التطبيق

الرسائل المتعلقة بمواجهة الفساد حملت قدرًا واضحًا من الحسم، خاصة فيما يتعلق بمنع استغلال اسم مؤسسة الرئاسة أو أي جهة تابعة لها في إنهاء المصالح أو الحصول على استثناءات.

هذه التوجيهات تؤكد أن مكافحة الفساد لا تعتمد فقط على القوانين، بل على ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وإغلاق المنافذ التي تسمح باستغلال النفوذ أو العلاقات الشخصية، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذا التوجه يتطلب استمرار تطوير منظومة الرقابة والحوكمة والشفافية داخل الأجهزة التنفيذية، بحيث تصبح الوقاية من الفساد أكثر فاعلية من مجرد ملاحقته بعد وقوعه.

التعليم والموهبة.. الاستثمار في القوة الناعمة

حملت التوجيهات المتعلقة بالتعليم واكتشاف الموهوبين بعدًا يتجاوز تطوير المناهج أو تحسين الخدمات التعليمية، إذ تعكس توجهًا نحو الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره العنصر الأكثر استدامة في عملية التنمية.

كما أن الإعلان عن مبادرة لاكتشاف المواهب الفنية يربط بين الثقافة والتنمية، ويعيد الاعتبار لفكرة القوة الناعمة باعتبارها أحد عناصر التأثير المصري إقليميًا ودوليًا.

غير أن اكتشاف المواهب يمثل البداية فقط؛ فالمسار الأكثر أهمية يبدأ بعد ذلك من خلال توفير منظومة متكاملة للتدريب والرعاية والإنتاج والتسويق، حتى تتحول المبادرات إلى صناعة مستمرة قادرة على إنتاج أجيال جديدة من المبدعين.

رؤية شاملة... والاختبار الحقيقي في التنفيذ

عند قراءة التوجيهات مجتمعة، يتضح أنها لا تعالج ملفًا منفصلًا أو أزمة بعينها، وإنما ترسم ملامح مرحلة تسعى إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة على المستويات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.

ويبقى العامل الحاسم هو قدرة الأجهزة التنفيذية على ترجمة هذه التوجيهات إلى سياسات قابلة للقياس، ببرامج زمنية واضحة، ومؤشرات أداء معلنة، ومتابعة مستمرة لنتائج التنفيذ.

فالخبرة التي اكتسبتها الدولة في تنفيذ المشروعات الكبرى يمكن أن تمنح هذه الملفات دفعة قوية، إذا جرى التعامل معها بالمنهج نفسه القائم على التخطيط والمتابعة والتقييم، لأن بناء المؤسسات والإنسان يحتاج إلى استدامة لا تقل أهمية عن بناء الطرق والمدن، وهو ما يجعل هذه التوجيهات أقرب إلى رؤية متكاملة لإدارة المرحلة المقبلة، أكثر من كونها مجموعة قرارات منفصلة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة