- على الغمراوى: مستهدفات التصدير تقترب من 3 مليارات دولار 2368 خط إنتاج تقود طفرة الاكتفاء الذاتى.. تنفيذ 249 ألف حملة تفتيشية تسقط 17 ألف منشأة مخالفة و456 وكراً غير مرخص.. ولن نسمح للجامعات بتصنيع الدواء
- نظام التتبع الرقمى يلغى صلاحية الكود فور البيع لمنع إعادة التدوير.. وتوطين 30 مادة خام يوفر 100 مليون دولار للدولة
استضافت «اليوم السابع» الأستاذ الدكتور على الغمراوى، رئيس هيئة الدواء المصرية، فى ندوة حول واحد من أهم الملفات التى تهم حياة المصريين كافة، ألا وهو قطاع الدواء، للاستماع إلى رؤيته الشاملة ومخططات الدولة حول هذا الملف.
فى البداية، رحّب الكاتب الصحفى عبدالفتاح عبدالمنعم، رئيس تحرير «اليوم السابع»، بالدكتور على الغمراوى.
وقال عبد المنعم: «نشكركم على حضوركم اليوم للإجابة عن العديد من الأسئلة التى تشغل بال المواطن فى الشارع المصرى، والكشف عن تفاصيل وآليات ضبط سوق الدواء، ومكافحة الغش الدوائى، ودور الهيئة التنظيمى والرقابى وانعكاساته على المواطن والدولة فى الوقت نفسه، إلى جانب ملفات توطين الصناعة، والتتبع الدوائى الرقمي، والتحول التنظيمى، وسياسات التسعير العادل وتوفير النواقص، فضلاً عن خطط الهيئة خلال الفترة المقبلة فى مراقبة مستوى الخدمات وآليات النهوض بها».
من جانبه، أعرب الدكتور على الغمراوى عن سعادته البالغة بالتواجد فى مؤسسة «اليوم السابع»، واصفاً إياها بأنها «ولدت كبيرة ولا تقل قيمة وقامة عن الجرائد القومية الكبرى»، مؤكداً أن ملف الدواء ليس مجرد تجارة أو صناعة عابرة، بل هو مسألة «أمن قومى» تحكمه معايير عالمية صارمة.
وأشار الغمراوى إلى أن الريادة المصرية فى هذا المجال تمتد جذورها لآلاف السنين؛ مستشهداً ببردية «إيبرس» الطبية الفرعونية المحفوظة بجامعة لايبزيغ بألمانيا، والتى يبلغ طولها 20 متراً وتحتوى على أكثر من 800 وصفة طبية لمختلف الأمراض، ما يبرهن على أن المصرى القديم كان أول من عرف علم الصيدلة وتركيب العقاقير، وهى الريادة التى تستمر الدولة فى ترسيخها حديثاً عبر سياسات التوطين الشاملة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى. وجاء دمج محاور الندوة مابين الرؤية الاستراتيجية لرئيس الهيئة والمؤشرات الرقمية والخطط التنفيذية على النحو التالى:
ضبط سوق الدواء
أكد الدكتور على الغمراوى أن هيئة الدواء المصرية تفرض رقابة صارمة وقبضة حديدية على كل حلقات سلسلة الإمداد الدوائى (من المصانع والمخازن إلى شركات التوزيع والصيدليات)، مستعينة بآليات حديثة على رأسها «المتسوق الخفى» (Mystery Shopper) لتصوير ورصد المخالفات ميدانياً دون كشف هوية المفتشين.
وشدد رئيس الهيئة على التعامل بمنتهى الحسم والحدة مع أية محاولات للتلاعب بالأسعار قائلاً: «أى تلاعب فى سعر علبة الدواء يواجه كقضية تموين تؤدى فوراً إلى غلق المنشأة وتحويل المخالفين للنيابة العامة.. وممنوع تماماً الشطب على السعر الجبرى، أو طمسه، أو وضع ملصقات (استيكرات) لتعديله؛ فالمصانع لا تفعل ذلك، والعلبة التى يتغير سعرها رسمياً تُعدم فى المصنع وتُطبع لها علب جديدة بالكامل».
وتعقيباً على الجهد الميدانى، كشفت المؤشرات الرقمية للهيئة عن تنفيذ 249 ألف زيارة تفتيشية خلال عام 2025، أسفرت عن ضبط 17,818 مؤسسة مخالفة، وإغلاق 456 منشأة دوانية غير مرخصة.
ولم تتوقف الرقابة عند ذلك، بل امتدت لمكافحة الغش الإلكترونى، حيث نجحت الهيئة بالتنسيق مع الجهات الأمنية والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى رصد 504 صفحات وتطبيقات إلكترونية لبيع الأدوية مخالفة، وتنفيذ 193 ضبطية إلكترونية رادعة لمنع تداول أدوية مجهولة المصدر عبر الإنترنت.
التتبع الدوائى الرقمى
وفى إطار رقمنة الرقابة، قال الدكتور على الغمراوى أن مشروع «التتبع الدوائى الرقمي» يمثل الركيزة الأساسية لحماية المستهلك؛ حيث يعتمد على «بصمة رقمية» (كود فريد لكل علبة) يستحيل تزويره، ويتم إيقاف صلاحية الكود رقمياً بمجرد بيع العبوة للمريض لمنع مافيا الغش من إعادة تعبئة العبوات الفارغة الأصلية بمواد مغشوشة، كما يتيح للمفتشين كشف التقليد فوراً، ويمنح الهيئة القدرة على السحب الفورى لأى تشغيلة (Batch) من الأسواق جغرافياً عند الحاجة.
وأشار رئيس الهيئة إلى تفعيل الخط الساخن (15301) المرتبط بقاعدة بيانات ذكية؛ فعند اتصال المواطن للإبلاغ عن نقص دواء، يتم تتبع مساره وتحديد موقعه الجغرافى وتوجيهه فوراً إلى أقرب 3 صيدليات يتوفر بها المستحضر.
وأوضح الغمراوى أن الأدوية المخدرة (الخاضعة للرقابة) تخضع لحوكمة صارمة ويقتصر تداولها على صيدليات الشركة المصرية (صيدليات الإسعاف) البالغ عددها 29 صيدلية على مستوى الجمهورية، والعمل جارٍ لتوسيع فروعها لتخفيف الزحام.
وعلى الصعيد التنفيذى للمشروع، انطلقت المرحلة الأولى للتتبع الرقمى فى أبريل 2025، وتبعتها المرحلة الثانية مطلع عام 2026 لاستهداف الأدوية المستوردة والمجموعات عالية الحساسية؛ حيث تم بنهاية مايو 2026 إدراج 155 مستحضراً مستورداً (من إجمالى 1,364 مستهدفاً)، كما قامت الهيئة بتزويد نحو 4,500 صيدلية بأجهزة التتبع الرقمى مجاناً دون تحميل الصيدليات أية أعباء مالية، وجرى بالفعل بيع 6,764 عبوة موثقة رقمياً عبر المنظومة.
وبالتوازى مع ذلك، تفاعلت الهيئة عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة مع أكثر من 15 ألف شكوى واستفسار حتى نهاية مارس 2026 بنسبة إنجاز قاربت 100%، بجانب فحص 700 بلاغ إضافى خلال الربع الأول من 2026 وسرعة تحليل عينات الشكاوى معمليا لاتخاذ التدابير الحمائية فورا.
توطين الصناعة
فجّر رئيس هيئة الدواء مفاجأة سارة حول حجم توطين صناعة الدواء، قائلاً: «وصلنا اليوم إلى نسبة 91% اكتفاءً ذاتياً من الدواء داخل السوق المصري؛ أى أن من بين كل 100 علبة تباع فى الصيدليات، هناك 91 علبة صُنعت محلياً بالكامل بناءً على رصد مؤسسات دولية، بينما أقرب دولة محيطة بنا فى المنطقة سجلت 47% فقط».
وعن بنية الصناعة، كشف أن مصر تمتلك حالياً 180 إلى 183 مصنعاً للدواء البشري، تمثل وحدها 30% من إجمالى خطوط إنتاج القارة الأفريقية بأكملها، بجانب 138 مصنعاً لمستحضرات التجميل والمطهرات، و214 مصنعاً للمستلزمات الطبية، ليصل إجمالى خطوط الإنتاج المرخصة إلى 2,368 خط إنتاج.
وحول أزمة الدواء مطلع عام 2024، لفت الغمراوى إلى أنها كانت أزمة عابرة ناتجة عن نقص تدفقات النقد الأجنبى لاستيراد الخامات نهاية 2023، وبحدوث الانفراجة المالية استعاد السوق استقراره سريعاً.
وأوضح الغمراوى أن الرؤية المستقبلية الممتدة لعام 2030 تركز على توجيهات رئيس الجمهورية لعمق التصنيع عبر مفهوم «التكامل الخلفي» (Backward Integration)؛ والمتمثل فى تفتيت علبة الدواء لتصنيع مكوناتها محلياً (المواد الفعالة، والمواد غير الفعالة، ومواد التغليف كالألومنيوم والبلاستيك والكرتون).
وفى هذا الصدد، تدعم الهيئة 155 مادة فعالة بإجمالى 234 مستحضراً بحجم 691 مليون دولار (متوسط الفاتورة الاستيرادية من 2023 إلى 2025).
كما أطلقت الهيئة مبادرة مشتركة مع هيئة الشراء الموحد لتوطين 280 مادة خام غير فعالة، ركزت مرحلتها الأولى على 30 مادة تمثل وحدها 60% من فاتورة الاستيراد بقيمة 100 مليون دولار، فضلاً عن التخطيط لتوطين أكبر 50 مادة خام فعالة عبر «لجنة التوطين» الثلاثية المعايير (حجم الاستثمار، عمق التوطين، حاجة السوق)، ودعم الأدوية عالية التكنولوجيا كأدوية الأورام والمثائل الحيوية والأنسولين واللقاحات، وهو ما رفع عدد المستحضرات المتداولة بالسوق من 8,500 إلى أكثر من 10,000 مستحضر حالياً.
وأشاد رئيس الهيئة بالمشروع القومى العملاق لتصنيع مشتقات البلازما بالشراكة مع شركة «جريفولز» العالمية، مؤكداً أن المستقبل يتجه صوب الأدوية البيولوجية والمستحضرات الحيوية المستخلصة من الهندسة الوراثية بدلاً من المركبات الكيميائية التقليدية.
التصدير
أظهرت وثائق الهيئة ونقاشات الندوة نمواً متسارعاً للسوق الدوائى المصري؛ حيث بلغ حجم السوق عام 2025 نحو 4 مليارات عبوة بقيمة 422 مليار جنيه مصرى (حوالى 8.5 مليار دولار)، بمعدل نمو سنوى مركب يبلغ 15% (وهو ضعف معدل النمو العالمى تقريباً). وتأكيداً على هذا الازدهار، قفزت مبيعات الربع الأول من عام 2026 لتسجل 109.9 مليار جنيه.
أما فى ملف التصدير، فقد بلغت الصادرات الدوائية المصرية 1.3 مليار دولار بنهاية عام 2025، بينما حقق الربع الأول من عام 2026 حوالى 280 مليون دولار (بنسبة نمو 7% عن نفس الفترة من 2025).
وتستهدف الهيئة المضى قدماً لرفع الصادرات إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2030، مع توجيه 1.34 مليار دولار من هذا المستهدف خصيصاً لاختراق الأسواق الأفريقية.
الأدوية اليتيمة
واستعرض رئيس هيئة الدواء منهجية الهيئة فى إقرار «التسعير العادل» التى ترتكز على الدراسات الفنية للجان المتخصصة، والاستجابة لمتغيرات أسعار الصرف لضمان استدامة الإنتاج، مع إقرار نظام «الدول المرجعية» لضمان الشفافية والعدالة ومنع الاحتكار. ولتأمين السوق من النواقص، تفرض الهيئة استراتيجية استباقية تلزم المصانع بتوفير مخزون استراتيجى من الأدوية تامة الصنع يكفى لـ 3 إلى 6 أشهر، ومخزون من المواد الخام يكفى للإنتاج لمدة 6 أشهر إضافية، مع تفعيل آليات الرصد والتنبؤ المبكر لـ 18 مجموعة علاجية أساسية.
ودعا الدكتور على الغمراوى المواطنين إلى أهمية تبنى «ثقافة البديل والمثيل»، موضحاً أن الهيئة تسجل 12 مثيلاً لكل دواء (تحتوى على نفس المادة الفعالة والتركيز والجودة وبأسعار متفاوتة تناسب الجميع)، وبالتالى فإن غياب علبة بلون أو اسم تجارى معين لا يعنى بتاتاً نقص الدواء.
ورداً على التكلفة الفلكية لعلاجات بعض الأمراض الوراثية كـ «ضمور العضلات» والتى قد تبلغ الحقنة الواحدة منها مليونى دولار، أوضح الغمراوي: «هذه تسمى عالمياً بالأمراض النادرة وعلاجاتها تسمى(الأدوية اليتيمة Orphan Drugs)؛ حيث لا يتعدى حجم المصابين بها 300 مليون شخص عالمياً يعانون من نحو 7,000 مرض وراثى.
والشركات العالمية تنفق مليارات الدولارات فى الأبحاث لإنتاج دواء يستهدف بضعة آلاف فقط من المرضى حول العالم، ما يرفع كلفة الدواء بشكل فلكى لتغطية نفقات البحث والتطوير»، مشدداً على أن القطاع الحكومى لا يمكنه تحمل هذا العبء منفرداً، ما يستوجب تضافر جهود منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الخيرية مع الدولة لتوفير هذه العلاجات الحيوية.
تصنيع الجامعات
وحسم الدكتور على الغمراوى الجدل المثار حول إمكانية فتح خطوط إنتاج دوائية داخل كليات الصيدلة والمراكز البحثية لسد النواقص، قائلاً بحسم: «لن نسمح لأى جامعة أو مركز بحثى بتصنيع الدواء خارج المصانع المعتمدة، قولاً واحداً.. قواعد التصنيع الدوائى الجيد (GMP) صارمة للغاية عالمياً والدواء لا يصنع إلا فى بيئة صناعية خاضعة لرقابتنا وتفتيشنا لضمان أمان المريض.
ومصر مصنفة حالياً فى (مستوى النضج الثالث) من منظمة الصحة العالمية ضمن 15 دولة فقط عالمياً تمتلك هذا الاعتراف الرقابى الدولى رفيع المستوى». ورحب الغمراوى برأس المال البحثى الأكاديمي، مشيراً إلى أن دورهم يكمن فى الأبحاث والتجارب التى تمر بمراحل تمتد لسنوات (بدءاً بالتجارب الحيوانية ثم السريرية بمراحلها الثلاث التى تبدأ بـ 20 مريضاً وتصل إلى 3,000 مريض) قبل إجازتها للتصنيع التجارى للمستحضرات الجنيسة (Generics) داخل المصانع.
وفى سياق متصل، استعرض رئيس هيئة الدواء الدكتور على الغمراوى المخطط الزمنى للتحول الرقمى بالهيئة؛ حيث بدأت المرحلة الإلزامية للشركات لتقديم ملفاتها الفنية للتسجيل عبر نظام الملف الإلكترونى الموحد (e-CTD) فى يناير 2026، وتليها المرحلة الثانية وتشغيل منظومة إدارة الإجراءات التنظيمية (RPM) بحلول فبراير 2027، وصولاً للتطبيق والالتزام الكامل بحلول الربع الأول من عام 2028.
كما جرى إطلاق أداة (EDA Naming Checker) لتقييم الأسماء التجارية وتجنب تشابهها، ومميكنة تراخيص الصيدليات إلكترونياً بالكامل، ما قلص زمن الإجراءات الإدارية بنسبة 30% إلى 40%.
الصناعات الخضراء
وأكد الغمراوى أن رؤية مصر تتجه بقوة نحو تحفيز الصناعات الدوائية الخضراء والصديقة للبيئة بالتوسع فى المستحضرات الحيوية والعشبية.
أما عن إدارة المخلفات الدوائية، فشدد على تطبيق قواعد صارمة بالتنسيق مع وزارتى البيئة والتنمية المحلية للتخلص الآمن من نفايات التصنيع عبر محارق مرخصة، بجانب المراقبة الصارمة لاتفاقيات مرتجعات الأدوية منتهية الصلاحية (الـ واش) فى الصيدليات وضمان إعدامها علمياً لمنع إعادة تدويرها أو تسريبها حرصاً على صحة المواطن.
وتوجت الندوة باستعراض الطفرة التدريبية والريادة الإقليمية لمصر؛ حيث تم اعتماد مركز التطوير المهنى المستمر (CPD) التابع للهيئة رسمياً من قِبل منظمة الصحة العالمية كـ «مركز تدريب إقليمى لشرق المتوسط» لتأهيل الكوادر فى التصنيع الحيوى.
ونجح المركز منذ إنشائه فى تقديم 630 برنامجاً تدريبياً لقطاع الصناعة والرعاية الصحية استفاد منها 24,340 متدرباً، بالإضافة لتقديم 20 برنامجاً تدريبياً دولياً مخصصاً للهيئات الرقابية النظيرة فى الدول المحيطة، أسهمت فى تدريب وتأهيل 101 كادراً رقابياً عربياً وإفريقياً، ليرسخ مكانة مصر كمرجعية رقابية ودولية أولى فى المنطقة الدوائية.



