ذهب السودان.. ثروة بـ26 مليار دولار سنويًا تتحول إلى وقود للحرب.. 111 طنا تتبخر خارج القنوات الرسمية بقيمة 18 مليار دولار..حجم الصادرات الرسمية يمثل 22% فقط من حجم الإنتاج.. والتهريب يحرم الدولة من أهم مواردها

الخميس، 30 يوليو 2026 04:00 ص
ذهب السودان.. ثروة بـ26 مليار دولار سنويًا تتحول إلى وقود للحرب.. 111 طنا تتبخر خارج القنوات الرسمية بقيمة 18 مليار دولار..حجم الصادرات الرسمية يمثل 22% فقط من حجم الإنتاج.. والتهريب يحرم الدولة من أهم مواردها الذهب

كتبت ريهام عبد الله

في الوقت الذي يمتلك فيه السودان أحد أكبر احتياطيات الذهب في أفريقيا، ويحتل موقعًا متقدمًا بين كبار المنتجين في القارة، تعيش البلاد مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبينما تشير التقديرات الرسمية إلى إنتاج مئات الأطنان من الذهب سنويًا، إلا أنه لا يصل إلى خزينة الدولة سوى جزء محدود من قيمته، فيما تختفي كميات ضخمة عبر شبكات التهريب التي توسعت بصورة غير مسبوقة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.

 

وبات الذهب، الذي كان يُنظر إليه باعتباره طوق نجاة للاقتصاد السوداني في ظل فقدان عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان، أحد أبرز الملفات المرتبطة باستمرار الصراع، بعدما تحول إلى مصدر تمويل رئيسي للأطراف المتحاربة وشبكات التهريب العابرة للحدود، وسط تحذيرات أممية ودولية من أن استمرار فقدان السيطرة على هذا القطاع سيحرم السودان من مليارات الدولارات اللازمة لإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

 

إنتاج ضخم.. وعائدات محدودة

كشف وزير المالية السوداني، الدكتور جبريل إبراهيم، خلال ملتقى التعدين بالخرطوم، أن إنتاج الذهب في السودان يقدر بنحو 199 طنًا سنويًا، بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار، إلا أن العائد الذي يدخل إلى الخزانة العامة لا يزال أقل بكثير من الإمكانات الحقيقية للقطاع.

 

وأوضح الوزير أن الحكومة تعمل مع وزارة المعادن لإعادة تنظيم القطاع والتوسع في التعدين المنظم، مع تقليص التعدين الأهلي تدريجيًا، مشيرًا إلى أن التعدين التقليدي تسبب في فقدان كميات كبيرة من المعادن النفيسة، إلى جانب إهدار خامات مصاحبة قد تفوق قيمتها قيمة الذهب نفسه، وفقا لوسائل إعلام سودانية.

 

18 مليار دولار خارج الاقتصاد الرسمي

تكشف الأرقام الرسمية حجم الفجوة بين الإنتاج الحقيقي والصادرات الرسمية، إذ أشار وزير المالية إلى أن نحو 111 طنًا من الذهب لا تدخل القنوات الرسمية، وتقدر قيمتها بأكثر من 18 مليار دولار.

 

وفي المقابل، لم تتجاوز الإيرادات التي دخلت خزينة الدولة من الذهب خلال عام 2025 نحو 1.8 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تحقق خلال خمس سنوات، بحسب بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية.

 

كما تظهر بيانات وزارة المعادن وبنك السودان المركزي تراجع قيمة الصادرات الرسمية إلى نحو 909.5 ملايين دولار حتى سبتمبر 2025، مقارنة بأكثر من ملياري دولار خلال عام 2021، وهو ما يعكس اتساع نشاط السوق الموازية.

 

من السيطرة الكاملة إلى فقدان الرقابة

شهد قطاع الذهب تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2020 كانت الدولة تسيطر على نحو 99% من الإنتاج، بعدما صدّرت 25.02 طنًا من أصل إنتاج بلغ 25.2 طن.

 

لكن بحلول سبتمبر 2025، لم تتجاوز الصادرات الرسمية 11.7 طن من أصل إنتاج بلغ 53.5 طن، أي ما يعادل نحو 22% فقط من الإنتاج، بينما خرجت النسبة الأكبر بعيدًا عن القنوات الرسمية.

 

الحرب تعيد رسم خريطة الذهب

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت مناطق إنتاج الذهب جزءًا من المشهد العسكري والاقتصادي في البلاد.

 

وتشير تقارير صادرة عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان إلى أن السيطرة على مناجم الذهب ومسارات نقله أصبحت عنصرًا مهمًا في تمويل أطراف النزاع، في ظل ضعف مؤسسات الدولة وتعدد الجهات المسيطرة على مناطق التعدين.

 

كما سبق أن أشارت تقارير صادرة عن منظمة "سويس إيد" (Swissaid) إلى أن معظم الذهب السوداني يغادر البلاد عبر قنوات غير رسمية، وأن الكميات المصدرة رسميًا لا تعكس حجم الإنتاج الحقيقي، ما يحرم الاقتصاد السوداني من مليارات الدولارات سنويًا.

 

التعدين الأهلي... ثروة وفرصة ضائعة

يعتمد السودان بصورة كبيرة على التعدين الأهلي، الذي يوفر مصدر دخل لمئات الآلاف من الأسر، لكنه في الوقت نفسه يواجه انتقادات بسبب ضعف الرقابة، وانتشار استخدام الزئبق والسيانيد بطرق غير آمنة، فضلًا عن صعوبة حصر الإنتاج الفعلي.

 

وتؤكد الشركة السودانية للموارد المعدنية أن تطوير التعدين المنظم يعد أحد أهم الحلول لزيادة الإيرادات وتقليل التهريب، من خلال إنشاء مراكز شراء رسمية، وتحسين الرقابة على الإنتاج، وإدخال التقنيات الحديثة في عمليات الاستخراج.

 

عقوبات أوروبية على تجارة الذهب

وفي تطور يعكس البعد الدولي للأزمة، فرض الاتحاد الأوروبي خلال يوليو 2026 عقوبات جديدة تستهدف تجارة الذهب المرتبطة بالسودان.

 

وشملت الإجراءات حظر شراء واستيراد ونقل الذهب السوداني، إضافة إلى منع تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، باعتبار أن تجارة الذهب أصبحت أحد مصادر تمويل الصراع، وفق بيان صادر عن مجلس الاتحاد الأوروبي.

 

وجاءت هذه الخطوة بعد مبادرة تقدمت بها هولندا وفرنسا، في إطار تشديد الضغوط على شبكات التمويل المرتبطة بالحرب.

 

محاولات حكومية لاحتواء الأزمة

رغم اتساع التهريب، تؤكد الشركة السودانية للموارد المعدنية أنها حققت تقدمًا خلال النصف الأول من عام 2026، إذ تجاوزت عائدات صادرات الذهب مليار دولار، مع تعزيز الرقابة على المناجم ومنافذ التصدير، والعمل على الحد من التجارة غير المشروعة.

 

كما طالبت شعبة مصدري الذهب بإجراء تحقيق شفاف حول أسباب الفجوة بين الإنتاج والصادرات الرسمية، مع مراجعة السياسات المنظمة للقطاع، وتسهيل إجراءات التصدير عبر القنوات القانونية.

 

هل يستعيد السودان ثروته؟

يرى خبراء الاقتصاد أن استعادة السيطرة على الذهب لن تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يبدأ بحصر الإنتاج الحقيقي، وتنظيم التعدين الأهلي، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، ورفع كفاءة عمليات التتبع والتصدير، إلى جانب استعادة الاستقرار الأمني الذي يمثل الشرط الأساسي لإنهاء الاقتصاد الموازي، باعتبار أن الذهب سيظل أحد أهم مفاتيح تعافي الاقتصاد السوداني.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة