امتلكت جماعة الإخوان الإرهابية منذ تأسيسها وحتى الأن، مشروع عابر للحدود، يقوم على أولوية التنظيم والولاء العقائدي على مفهوم الدولة الوطنية، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من طبيعة الصدام الممتد بينها وبين الدولة المصرية ومؤسساتها، فالجماعة لا تتعامل مع «الوطن» باعتباره الإطار النهائي للانتماء والولاء، وإنما قدمت تصورًا أمميًا يتجاوز الحدود الجغرافية، وصولًا إلى مشروع «أستاذية العالم» وإعادة بناء المجتمع وفق المرجعية التي تطرحها الجماعة.
ومن هنا، فإن إشكالية «خيانة الوطن» في حالة الإخوان لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد انحراف فردي أو موقف سياسي عابر، وإنما باعتبارها نتيجة محتملة لبنية فكرية وتنظيمية تجعل الولاء للجماعة وتنفيذ توجيهاتها عنصرًا محوريًا في تكوين العضو.
حسن البنا.. الوطن عند حدود العقيدة والتنظيم
منذ تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان عام 1928، ارتبط المشروع الإخواني بفكرة تتجاوز حدود الدولة الوطنية إلى وحدة أوسع للمسلمين وصولًا إلى الخلافة، وفي أدبيات البنا، جرى التمييز بين الوطنية التي يمكن قبولها في إطار خدمة المجتمع، وبين «الوطنية السياسية» أو الإقليمية التي تجعل حدود الدولة القومية هي الإطار النهائي للانتماء.
وهنا تكمن واحدة من أهم نقاط الخلاف بين المشروع الإخواني والدولة الحديثة، فالدولة الوطنية تقوم على المواطنة وسيادة الدستور والقانون، بينما يقوم التنظيم العقائدي على رابطة تنظيمية تتجاوز الحدود.
وتكشف أدبيات الجماعة عن مفهوم «أستاذية العالم»، باعتباره مرحلة متقدمة من المشروع، بما يجعل الدولة الوطنية في التصور التنظيمي وسيلة أو مرحلة ضمن مشروع أوسع، وليس بالضرورة الغاية النهائية، وبذلك يبرز السؤال الأخطر إذا تعارضت مصلحة التنظيم مع مصلحة الدولة، لمن تكون الأولوية؟
سيد قطب.. من الخلاف السياسي إلى «المفاصلة»
ومع سيد قطب، اتخذت بعض المفاهيم الفكرية داخل التيار الإخواني منحى أكثر راديكالية، خصوصًا مفاهيم «الجاهلية» و«المفاصلة» و«العزلة الشعورية»، ففي كتاباته جرى تقديم المجتمعات القائمة باعتبارها واقعة في «الجاهلية»، وهو تصور أدى لدى تيارات متشددة لاحقة إلى إعادة تعريف العلاقة بين العضو ومجتمعه.
وتكمن الخطورة هنا في أن المجتمع لم يعد بالضرورة «وطنًا» يشترك العضو في بنائه وإصلاحه، وإنما يمكن أن يتحول في الوعي المتطرف إلى مجتمع جاهلي ينبغي تغييره بالقوة، ومن هذه المنطقة الفكرية خرجت لاحقًا تيارات وتنظيمات إرهابية أكثر تطرفًا، استندت إلى بعض كتابات قطب لتبرير العنف والمفاصلة مع المجتمع.
وبالتالي فإن مفهوم «خيانة الوطن» في هذه الحالة يرتبط بإعادة تعريف الوطن نفسه، هل الدولة والمجتمع والقانون أم الجماعة العقائدية التي ترى نفسها صاحبة الحق في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع؟
«البيعة».. عندما يصبح التنظيم مرجعية فوق الدولة
ولا يمكن فهم القوة الداخلية للجماعة من دون التوقف أمام مفهوم «البيعة» والسمع والطاعة، فالتنظيم الإخواني لم يعتمد على العضوية المفتوحة وحدها، وإنما أقام بناء هرميا مغلقا، يمر فيه العضو بمراحل تنظيمية وتربوية متدرجة، وصولا إلى مستويات أعلى من الالتزام.
وتكمن خطورة هذه البنية عندما تتحول الطاعة التنظيمية إلى التزام مطلق، بحيث يصبح قرار القيادة التنظيمية أكثر تأثيرًا من الحكم الفردي المستقل، ومن ثم يظهر التناقض البنيوي بين قسم المواطن للدولة والدستور والقانون وبين الولاء التنظيمي والبيعة، فالمواطن في الدولة الحديثة تحكم علاقته بالدولة قواعد الدستور والقانون، أما العضو التنظيمي فيُطلب منه الالتزام بتوجيهات قيادة الجماعة، وبذلك يظهر مفهوم «الطابور الخامس» في توصيف العناصر التي يمكن أن تتحول إلى أداة داخل الدولة تعمل لمصلحة تنظيم يتجاوزها.
لماذا تفتقر أذرع الجماعة إلى أخلاق الخصومة؟
الخصومة السياسية الطبيعية تفترض وجود أرضية مشتركة هي الوطن، لكن عندما يتحول الصراع إلى حرب وجودية صفرية، يصبح انتصار الخصم هزيمة للجماعة، وتتحول المنافسة من من الأفضل في إدارة الدولة؟ إلى من يملك الدولة والمجتمع؟، ومن هنا يمكن تفسير أحد أبرز ملامح خطاب الأذرع الإخوانية: الفجور في الخصومة.
فالخصم لا يقدم بوصفه منافسًا سياسيًا يخطئ ويصيب، وإنما باعتباره "عدوًا للدين"، أو "عميلًا "، أو "خائنًا"، أو جزءًا من مؤامرة، وهذا النوع من الإسقاط العقدي والسياسي ينزع عن الخصم صفته الوطنية، ويجعل استهدافه معنويًا وسياسيًا أمرًا مبررًا في الوعي التنظيمي.
الغاية تبرر الوسيلة.. البراغماتية التنظيمية
ومن أخطر سمات العمل التنظيمي عندما يتحول إلى صراع صفري أن الهدف يصبح أهم من الوسيلة، فتظهر ممارسات مثل الكذب والتضليل والتشويه والفبركة ونشر الشائعات باعتبارها أدوات مشروعة في الحرب ضد الخصم، وبدل أن تكون الحقيقة معيارًا للعمل السياسي، يصبح السؤال هل تخدم المعلومة التنظيم أم تضر به؟
وهنا تتراجع أخلاق الخصومة لحساب البراجماتية التنظيمية، فكل ما يضعف الخصم يصبح قابلًا للاستخدام، حتى لو كان الثمن إضعاف ثقة المواطن في الدولة أو ضرب الاقتصاد أو الإساءة إلى مؤسساتها.
الأذرع الإعلامية والإلكترونية.. صناعة الفوضى النفسية
وبعد سقوط حكم الجماعة في 2013، اتسعت مساحة المواجهة الإعلامية والإلكترونية، وظهرت شبكات من القنوات والمنصات والحسابات التي تبنت خطابًا معاديًا للدولة المصرية، وتقوم هذه الآلة على عدد من الأدوات، أبرزها صناعة الشائعات، وإعادة تدوير الأخبار الكاذبة، وتضخيم الأزمات، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
والهدف الأخطر من الشائعة ليس فقط نشر معلومة خاطئة، وإنما صناعة حالة نفسية من فقدان الثقة، فحين تتكرر الرسائل التي تصور الجيش باعتباره خصمًا، والقضاء باعتباره أداة، والاقتصاد باعتباره على وشك الانهيار، والدولة باعتبارها عاجزة، فإن النتيجة المستهدفة لا تكون إصلاحًا سياسيًا، وإنما تفكيك الثقة العامة في الدولة.
«اغتيال الشخصية».. عندما تصبح حياة الخصم ساحة للمعركة
ولكن عندما يظهر شخص سياسي أو إعلامي أو فكري يواجه خطاب الجماعة ويفضح آلياتها، تنتقل المعركة في كثير من الأحيان من الأفكار إلى الأشخاص، تظهر هنا آليات اغتيال الشخصية المعنوية من خلال البحث في الحياة الخاصة، وتداول الصور المجتزأة أو المفبركة، وإطلاق الشائعات، واستهداف الأسرة والمحيط الاجتماعي، وهذه لا يمكن اعتبارها خصومة سياسية، وإنما محاولة لترهيب الخصم وإرسال رسالة إلى الآخرين: من يقترب من ملفات التنظيم سيدفع الثمن.
«المظلومية الاستعراضية».. سلاح سياسي عابر للحدود
ومن الأدوات التي اعتمدت عليها الجماعة وأذرعها الخارجية ما يمكن وصفه بـ المظلومية الاستعراضية، ويتمثل ذلك في نقل الصراع من الداخل إلى المنظمات الدولية، وتقديم الجماعة باعتبارها الضحية المطلقة، مع تضخيم الوقائع وتقديم رواية أحادية للأحداث.
ولا تكمن المشكلة في اللجوء إلى المنظمات الحقوقية في حد ذاته، فهذا حق مشروع، وإنما في توظيف الملف الحقوقي كأداة سياسية منظمة للضغط على الدولة وإحراجها دوليًا، وفي المقابل يصبح معيار حقوق الإنسان انتقائيًا إذا جرى استخدامه في قضية وتجاهله في قضية أخرى وفقًا للمصلحة التنظيمية.
محطات تاريخية.. عندما تصادمت مصلحة الجماعة مع الأمن القومي
1948.. «النظام الخاص» والدولة داخل الدولة
شكل عام 1948 إحدى أخطر المحطات في تاريخ الجماعة، مع وجود «النظام الخاص» أو الجهاز السري المسلح، ومع انتقال بعض عناصر التنظيم إلى العمل المسلح والاغتيالات، ظهرت مبكرًا فكرة «الدولة داخل الدولة»، حيث تمتلك الجماعة أدوات تنظيمية وأمنية وعسكرية لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة.
وكان اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر 1948 محطة فاصلة كشفت خطورة انتقال الصراع من المجال السياسي إلى العنف.
1954.. محاولة اغتيال جمال عبدالناصر
في أكتوبر 1954، وقعت محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في حادث المنشية، وهي الواقعة التي أعقبها صدام واسع بين الدولة والجماعة، وبذلك تحولت الخصومة من خلاف سياسي إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة ومؤسساتها.
العلاقة مع الاستعمار البريطاني
يُعد ملف العلاقة بين الإخوان والوجود البريطاني في مصر من أكثر الملفات التي تحتاج إلى قراءة وثائقية دقيقة، وتشير دراسات تاريخية إلى حصول الجماعة في بدايتها على دعم مالي بريطاني، وهو ما يكشف وجود تقاطعات مبكرة بين مصالح الجماعة وبعض القوى الأجنبية، لكن الأهم سياسيًا هو أن الجماعة كانت تتحرك في بيئة دولية معقدة، وكانت القوى الأجنبية تسعى إلى استثمار التناقضات الداخلية المصرية، بينما كانت الجماعة تبحث بدورها عن مساحة للحركة والتمكين.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في قراءة تاريخ التنظيم وهى أن التقاطعات مع الخارج لا تعني بالضرورة تطابق الأهداف، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تتقدم مصلحة التنظيم على المصلحة الوطنية.
التنظيم الدولي.. «الوطن» أمام شبكة عابرة للحدود
ولم تتوقف الجماعة عند حدود مصر، بل أسست شبكة تنظيمية امتدت إلى دول مختلفة، وأصبح التنظيم الدولي أحد أهم مكونات مشروعها، وهذه الطبيعة العابرة للحدود تطرح إشكالية الأمن القومي بصورة مباشرة، فالتنظيم الذي يتحرك عبر عدة دول ويملك شبكات إعلامية وحقوقية وسياسية ومالية خارج الحدود يستطيع نقل المعركة من الداخل إلى الخارج، وتدويل الصراع، واستخدام الضغوط الدولية لخدمة أهدافه التنظيمية، وهنا تصبح الدولة أمام خصم لا يعمل من داخل حدودها فقط، وإنما يمتلك امتدادات وشبكات خارجية.
ما بعد 2013.. من «التمكين» إلى محاولة إسقاط الدولة
بعد سقوط حكم الجماعة، انتقلت المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فقد ظهرت أذرع إعلامية وسياسية وحقوقية في الخارج، بالتزامن مع ظهور جماعات إرهابية مسلحة مثل «حسم» و«لواء الثورة»، التي تبنت عمليات استهدفت قوات الأمن والقضاء ومنشآت الدولة، وهنا سقط القناع السياسي بصورة أكثر وضوحًا: عندما تفشل أدوات السياسة، تظهر أدوات الإرهاب.
ولذلك فإن الحديث عن أذرع الجماعة لا يقتصر على الإعلام أو النشاط السياسي، وإنما يمتد إلى شبكات مختلفة، تتدرج من المنصات الإعلامية إلى النشاط الحقوقي والسياسي وصولًا إلى الأذرع الإرهابية المسلحة.
«حسم» و«لواء الثورة».. عندما يتحول التنظيم إلى الإرهاب
تمثل «حسم» و«لواء الثورة» نموذجًا واضحًا للانتقال من الخطاب السياسي إلى العمل الإرهابي، فقد ارتبطت الجماعتان بعمليات اغتيال واستهداف مسؤولين أمنيين وقضائيين، وهجمات مسلحة على مؤسسات الدولة.
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بحق المعارضة أو حرية التعبير، وإنما يتحول إلى إرهاب يستهدف الدولة والمجتمع ويهدد حياة المواطنين ورجال الأمن والقضاء، وهذه النقطة مهمة لأنها تفصل بوضوح بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الجماعات الإرهابية التي تستخدم العنف المسلح لتحقيق أهداف سياسية.
لذلك فإن افتقاد الإخوان لأخلاق الخصومة واستسهال الإضرار بالدولة لا يمكن تفسيره فقط بالغضب السياسي أو الخلاف على السلطة، فالأزمة أعمق من ذلك خاصة عندما ترتبط ببنية فكرية وتنظيمية تجعل التنظيم كيانًا شديد المركزية في حياة العضو، وتضع مشروع الجماعة فوق الحدود الوطنية، وعندما يصبح التنظيم هو المقدس البديل، ويتحول الوطن إلى مجرد مساحة جغرافية تخضع لمعادلة التمكين، تسقط بالتبعية كثير من القواعد الأخلاقية التي تحكم الخصومة السياسية الطبيعية.
هنا تتحول المعارضة إلى معركة إسقاط، والخلاف إلى تخوين، والخصومة إلى اغتيال معنوي، والشائعة إلى سلاح، والضغط الدولي إلى أداة، وعندما تفشل كل هذه الوسائل تظهر الأذرع الإرهابية.
ولذلك فإن مواجهة الجماعة الإرهابية لا يجب أن تقتصر على تفكيك أذرعها الأمنية، وإنما يجب أن تمتد إلى تفكيك بنيتها الفكرية والتنظيمية، وكشف مصادر تمويلها، وتعقب شبكاتها الخارجية، وفضح أدواتها الإعلامية، وتحصين المجتمع ضد خطابها، وترسيخ مفهوم المواطنة باعتباره الولاء الأول والأعلى للدولة، لأن المعارضة الوطنية يمكن أن تختلف مع الحكومة، وتنتقد الرئيس، وتعارض السياسات، وتطالب بتغييرها أما التنظيم الذي يضع نفسه فوق الدولة، ويجعل الولاء له سابقًا على الولاء للوطن، ويستخدم العنف أو الإرهاب لتحقيق أهدافه، فإنه لا يمارس معارضة سياسية، وإنما يخوض حربًا على الدولة والمجتمع.