لم تعد المتاحف في الصين تكتفي بعرض الوثائق والصور والمقتنيات التاريخية، بل اتجهت إلى توظيف أحدث التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتقديم تجربة تفاعلية غير مسبوقة، تتيح للزائر أن يصبح جزءًا من الحدث التاريخي نفسه.
وبدعوة من دائرة العلاقات الخارجية فى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى، زار "اليوم السابع"، متحف جويشو الرقمي الثقافي للمسيرة الكبرى أو ما يعرف باسم "الشريط الأحمر" بمدينة قوييانج، والذى يعد نموذجًا لهذا التوجه، إذ يمثل أول قاعة تجارب رقمية غامرة بالكامل في الصين مخصصة لتاريخ المسيرة، التي قطع خلالها جنود الجيش الأحمر التابع للحزب الشيوعي الصيني نحو 12 ألف كيلومتر من أكتوبر 1934 إلى أكتوبر 1936، في ملحمة تاريخية ساهمت فى تحويل الصين إلى ما هي عليه الآن.

التجربة التفاعلية فى المتحف
ورغم أن فكرة المتحف سياسية فى إطار خريطة "السياحة الحمراء" التي تستعرض تاريخ الحزب الشيوعى الصيني، إلا أن الاعتماد على عنصر الإبهار والإبداع باستخدام وسائل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى يحولها إلى تجربة ملحمية لا تنسى.
وبدأ التشغيل التجريبي للمتحف في 22 أكتوبر 2023، قبل افتتاحه رسميًا في 22 أكتوبر 2024.

الثلوج تتساقط
الجمهور هو بطل الملحمة
عند دخول الزوار إلى الموقع، يمرون عبر ممر ضيق يعزلهم عن ضوضاء البيئة المحيطة. ثم، في نهاية الممر، تظهر ساحة مدخل محاطة بجدران شاهقة. في وسط الساحة بركة لا حدود لها، حيث تُشعل شعلة على شكل نجمة بريقًا من اللهب.
ولا تقتصر زيارة المتحف على مشاهدة معروضات أو الاستماع إلى شرح تاريخي، بل يدخل الزائر في تجربة حسية متكاملة، يصبح خلالها وكأنه أحد جنود الجيش الأحمر المشاركين في المسيرة الكبرى، حيث يسير عبر تصميم يحاكي محطات مسار "المسيرة الكبرى"، وفى كل مرحلة، يستكشف ما واجهه الجنود عبر مشاهد متعددة تحاكي البيئات الطبيعية والظروف القاسية التي واجهها المقاتلون خلال رحلتهم، في محاولة لنقل الإحساس الحقيقي بما عاشوه خلال تلك الرحلة.
وخلال التجربة التفاعلية، يعيش الزائر تفاصيل الرحلة بكل حواسه، إذ تتساقط الثلوج داخل قاعات العرض لمحاكاة الأجواء التي واجهها الجنود أثناء عبور المناطق الجبلية، ويشاهد المقاتلين يتحركون حوله ويسردون الصعاب التي واجهوها، فيما تتكامل المؤثرات البصرية والسمعية مع التقنيات الرقمية لتمنح الجمهور شعورًا بأنه جزء من الأحداث وليس مجرد متفرج عليها.

متحف جويشو الرقمي
6 فصول ضمن العرض
ويتألف متحف "الشريط الأحمر" من مسرح تفاعلي ميكانيكي، وسينما بشاشة دائرية، وسينما طائرة، وغيرها من مساحات العرض الرقمية، ليُقدّم للجمهور بانوراما حية للمسيرة الطويلة.
وينقسم عرض "الحملة الكبرى" إلى ستة فصول هي: الأبطال المجهولون، ومعمودية الدم والنار، ونقطة التحول الكبرى، والمضي قدمًا في الرحلة، والنصب التذكاري للنصر، والمسيرة الطويلة الجديدة في العصر الجديد، لتقدم سردًا متكاملاً لمراحل المسيرة الطويلة وما شهدته من أحداث.

داخل المتحف فى الصين
تقنيات رقمية
واعتمد المتحف على أحدث التقنيات الرقمية لتقديم المحتوى، حيث يجمع عرض "الحملة الكبرى" بين التفاعل الافتراضي بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات التصوير الهولوجرافي، والحركة الميكانيكية متعددة الأبعاد، وتقنيات الواقع الافتراضي (VR)، وأنظمة الصوت ثلاثية الأبعاد، بما يخلق بيئة رقمية غامرة تجعل الجمهور يعيش الحدث التاريخي بكل تفاصيله.
أما عرض "الشريط الأحمر: التحليق الملون" فيقدم تجربة مختلفة داخل أول مسرح طائر بقبة كروية عملاقة مزودة بشاشة سينمائية LED بدقة 8K، بما يتيح عرضًا بصريًا يمنح الزائر إحساسًا بالتحليق لاستكشاف المقاطعة فى الوقت المعاصر وكيف تحولت بعد أحداث المسيرة الطويلة من مقاطعة فقيرة إلى إحدى أهم مقاطعات الصين السياحية.
وخلال التجربة التي تشبه التحليق فوق المقاطعة يركب الزائر لعبة تشبه قطار الملاهي أمام شاشة عملاقة تستعرض أبرز مقاصد المقاطعة، ويشعر وكأنه يطير فوق السحاب كطائر، وعندما تعرض الشاشة صورة لحدائق المقاطعة يمكن شم رائحة الورود، وعندما تظهر الطبيعة الخلابة يمكن استشعار نسيم الهواء العليل، وكأنك جزء من الواقع.

المتحف الرقمي جويشو
وعند الانتهاء من التجربة التفاعلية، يدخل الزائر إلى قاعة سينما دائرية كبيرة يستعرض خلالها تاريخ الصين الحديث منذ المسيرة الكبرى إلى الوقت المعاصر. وتنتهي بالأغاني الوطنية المؤثرة التي تعكس كيف نهضت الصين من القاع كواحدة من أفقر دول العالم، إلى ثاني أكبر اقتصاد فى العالم والتي تخلد ذكرى شهداء الصين الذين ساهمت تضحياتهم فى تحويل البلاد إلى ما هي عليه الآن.
وحضر العرض الكثير من الصينيين من مختلف الأعمار ورفعوا الأعلام وهم يبكون تأثرا بتاريخهم الحافل.

جزء من المتحف
إقبال كبير
وتعكس الأرقام حجم الإقبال على هذا النوع من السياحة؛ فحتى مايو 2026 قدم المتحف أكثر من 22 ألف عرض، واستقبل أكثر من 2.3 مليون زائر، فيما بلغ أعلى عدد للزوار في يوم واحد 20 ألف زائر.
كما حصد المتحف عددًا من الجوائز، من بينها اختياره ضمن أفضل عشر حالات نموذجية للابتكار الرقمي في الثقافة والسياحة من وزارة الثقافة والسياحة الصينية لعام 2024، وحصوله على الجائزة الأولى وجائزة التميز في فرع مقاطعة جويشو ضمن الدورة السادسة لمسابقة "كأس بلوم" لتطبيقات الجيل الخامس (5G)، إلى جانب اختياره حديقة نموذجية لتكنولوجيا السياحة على مستوى المقاطعة لعام 2023، وإدراجه ضمن القائمة السنوية للفنون التي تصدرها صحيفة الشعب اليومية لعام 2024.
وخلال عطلة اليوم الوطني وعيد منتصف الخريف عام 2025، نظم المتحف كرنفالًا خاصًا، وصُنف ضمن أكثر خمسة مواقع سياحية شعبية في مدينة قوييانج، ليؤكد نجاح التجربة الصينية في توظيف التكنولوجيا الحديثة والوسائط الرقمية الغامرة في تحويل التاريخ إلى تجربة معيشة، وجذب الزوار إلى مواقع السياحة الحمراء من خلال الدمج بين التوثيق التاريخي والتقنيات التفاعلية المتقدمة.

جانب من زيارة الوفد

داخل المتحف فى الصين

رمز الحزب الشيوعي الصيني