تمر اليوم ذكرى ميلاد وحش الشاشة وملك الترسو الفنان الكبير فريد شوقى، الذى ولد في مثل هذا اليوم الموافق 30 يوليو من عام 1920، ليكون أحد أهم نجوم الفن ويعيش إلى الأبد في ذاكرة وجدان الجمهور، الذى يرى فيه صورة الفتوة الذى يهزم الجميع، والرجل الذى لا يعرف الخوف، و"وحش الشاشة" الذى فرض حضوره على السينما المصرية والعربية لعقود طويلة، حتى أصبح واحدًا من أهم نجومها وأكثرهم جماهيرية.
لكن خلف هذه الصورة التى صنعتها الشاشة، كان فريد شوقى إنساناً مختلفاً. رجلاً بقلب طفل، يحمل صفات تختلف عما جسده على الشاشة، تلك الصفات التي كشفت عنها العديد من المواقف في حياة ملك الترسو، وتحدثت عن بعضها زوجته الفنانة هدى سلطان، وحكاها فريد شوقى بنفسه فى مذكراته ومقالاته النادرة التى نشرت فى مجلة الكواكب خلال خمسينيات القرن الماضى.
الوحش ابن منطقة البغالة
ولد فريد شوقى عام 1920 فى منطقة البغالة بحى السيدة زينب، وهى البيئة الشعبية التى ظلت حاضرة فى معظم أفلامه وشخصياته، وفى مذكراته التى نشرها فى سلسلة "قصة حياتى" بمجلة الكواكب، أكد أن والده، رغم عمله موظفًا فى مصلحة الأملاك، كان عاشقًا للمسرح، وكان يصطحبه منذ طفولته لمشاهدة عروض فرقة رمسيس وفاطمة رشدى، ثم يعود ليختبره فيما فهمه من المسرحية، وهو ما زرع فيه حب الفن وأول بذور الفنان.
التحق الفنان الكبير بمدرسة الناصرية عام 1927، وقال إن دخوله إليها جاء "بالواسطة" لأنها كانت مخصصة لأبناء الطبقة الراقية، لكن المدرسة لم تكن تشجع التمثيل، فوجد ضالته فى شوارع البغالة وأزقتها، حيث صنع مسرحه الأول، وجمع أطفال الحى فى حديقة منزله، ووقف فوق دكة خشبية يؤدى المشاهد التى حفظها من المسرحيات، وكان يحفظ بعض مشاهد يوسف وهبى من المجلات ويقدمها مدعيًا أنها من تأليفه، حتى يثير إعجاب أصدقائه.
لجأ وهو طفل صغير إلى حيلة طريفة، فكان يوزع مصروفه اليومى، الذى لم يتجاوز قرشًا صاغ، على أطفال الحى حتى يضمن حضورهم لمشاهدة عروضه.
سرق فستان والدته ورهن بدلة العيد
ومن أغرب مواقف ملك الترسو أنه اضطر إلى سرقة فستان وحذاء والدته، لأن إحدى المسرحيات احتاجت إلى دور نسائى، ولم يجد فتاة تؤديه، فألبس أحد زملائه ملابس والدته، لكن الحذاء انكسر أثناء العرض، وعندما عاد إلى المنزل اكتشفت الأم ما حدث، وكانت العقوبة فى انتظاره، فى موقف ظل يرويه ضاحكًا بعد أن أصبح نجمًا كبيرًا.
ولم يكن هذا الموقف هو التضحية الوحيدة التى قدمها من أجل حلمه، ففى حوار نشرته مجلة الكواكب عن ذكرياته مع الأعياد، حكى أنه وهو فى السادسة عشرة استأجر مسرحًا فى شارع عماد الدين ليعرض مسرحية من تأليفه وإخراجه وبطولته فى أول أيام العيد، لكنه لم يستطع سداد باقى قيمة إيجار المسرح قبل رفع الستار، فوافق صاحب المسرح على أن يرهن لديه بدلة العيد الجديدة مقابل السماح بإقامة العرض، وبعد انتهاء المسرحية لم يتمكن من جمع بقية المبلغ، فعاد إلى منزله مرتديًا ملابس الشخصية التى مثلها على المسرح، بينما بقيت بدلة العيد رهينة حتى ذهب والده فى اليوم التالى وسدد المبلغ واستعادها.
ملك الترسو فتح المندب فى حى الحلمية
ومن أكثر هذه الحكايات طرافة ما رواه مالك الترسو فى مقال بعنوان "أبين زين" نشرته مجلة الكواكب، عندما عاد بذاكرته إلى سنوات المراهقة فى الحلمية، حيث كان يسكن بجوار شيخ اشتهر بين الناس بأنه "مكشوف عنه الحجاب"، وله ابن فى مثل سنه أصبح صديقًا له، ومن باب الفضول استعار فريد بعض كتب الشيخ التى تتحدث عن قراءة الطالع و"فتح المندل"، وأخذ يقرأها ويحاول فهم ما فيها، دون أن يتصور أن الأمر سيقوده إلى موقف عجيب.
وفى تلك الأيام تعرضت منطقة الحلمية لسلسلة من سرقات الغسيل، وتحولت أسطح المنازل إلى ساحة شكاوى يومية، بينما لم تصل الشرطة السارق، هنا قرر الفتى الصغير أن يجرب ما قرأه فى الكتب، و طلب من أحد الجيران أن يحضر ابنه الصغير، ووضع أمامه فنجانًا به زيت، وأخذ يردد كلمات حفظها من الكتاب، وهو نفسه لا يفهم معناها.
وفجأة صاح الطفل باسم شخص بعينه، مؤكدًا أنه يرى سارق الغسيل، فأبلغ الأب الشرطة، وكانت المفاجأة أن المتهم اعترف بالفعل، وعُثر لديه على الملابس المسروقة، و انتشر الخبر فى الحى، وبدأ الناس ينظرون إلى فريد شوقى باعتباره صاحب كرامات، وتوافدوا عليه طالبين منه قراءة الطالع وكتابة الأحجبة وكشف المجهول، لكنه قال إنه رفض كل ذلك، واكتفى بأن يضحك على المصادفة التى منحته شهرة من نوع آخر، قبل شهرته فنياً.
موظف حكومى تحول إلى شرير غيَر قوانين
عمل فريد شوقى موظفًا بإحدى المصالح الحكومية، لكن الوظيفة لم تستطع أن تطفئ حلم الفن الذى عاش معه منذ الطفولة، وفى مقال كتبه بنفسه فى مجلة الكواكب عام 1954 بعنوان "أنا"، شرح كيف تحول من موظف حكومى إلى الرجل الذى يراه الناس على الشاشة لصًا وملاكمًا وبلطجيًا؟
وأجاب بأن السينما وقتها كانت تعانى نقصًا فى ممثلى أدوار الشر، بينما كانت أدوار البطولة الأولى محجوزة غالبًا للمنتجين أنفسهم، فاختار الطريق الأصعب، وقرر أن يثبت موهبته من خلال الشخصيات التى يكرهها الجمهور، واعترف بأن أداء الشر لم يكن سهلًا عليه، لأنه كان يضطر إلى قهر طبيعته الهادئة حتى يبدو مقنعًا فى أدوار العنف والقسوة، معتبرًا أن الصراع بين شخصيته الحقيقية والشخصيات التى يجسدها كان مرهقًا نفسيًا.
ورغم نجاحه فى تلك الأدوار لم يتوقف عندها، ومع مرور السنوات تحول إلى البطل الشعبى، ثم أصبح منتجًا وكاتبًا ، وقدم أفلامًا لم تحقق النجاح الجماهيرى فقط، وإنما تركت أثرًا اجتماعيًا واضحًا، حتى ارتبط اسمه بأعمال ناقشت قضايا مهمة وأسهمت فى إثارة نقاشات مجتمعية كان لها تأثيرها فيما بعد، فتناول مشكلات أطفال الشوارع، وساهمت أفلامه في تغيير بعض القوانين، ومنها فيلم "جعلونى مجرماً" الذى صدر بعده قانوناً لينص على الإعفاء من السابقة الأولى في الصحفة الجنائية، وفيلم "كلمة شرف" الذى ساهم في تغيير لائحة السجون لتسمح للسجين بالخروج في زيارات استنائية لأهله بضوابط معينة وفى حالات إنسانية طارئة.
وحش بقلب طفل
المفارقة الأكبر أن الرجل الذى ارتبط اسمه بالفتونة والقوة، كان فى الحقيقة شديد الرقة، لا يطيق رؤية مشهد ذبح دجاجة ويخاف من صرصار، وهو ما تحدثت عنه الفنانة هدى سلطان فى مقال نادر كتبته بمجلة الكواكب فى 15 فبراير 1955 تحت عنوان "وحش الشاشة بلا أنياب"، لتكشف للقراء الوجه الذى لا يعرفونه عن زوجها.
وحش الشاشة
وكتبت هدى سلطان أن فريد شوقى، الذى أتقن أدوار الشر كان فى حياته اليومية يملك قلبًا مفعمًا بالرحمة والإنسانية، وروت أنه كان يمنع ذبح أى دجاجة داخل المنزل إذا كان موجودًا، لأنه لا يحتمل رؤية مشهد الذبح، كما أنه فى أول رحلة جوية له إلى لبنان ظل يتلو القرآن قبل الإقلاع، ثم أصابه الذعر طوال الرحلة حتى لم يهدأ إلا بعد هبوط الطائرة.
وروت هدى سلطان موقفاً حدث لهما فى أحد فنادق بيروت، عندما استيقظ فريد فجأة وهو يصرخ، بعدما لمح صرصارًا يتحرك فوق السرير، وبعد أن أمسك أحد العاملين بالفندق، بالصرصار ليتخلص منه، فوجئ بفريد شوقى يوقفه قائلًا: "إوعى تقتله هنا، خده بره الأوضة واعمل اللى انت عاوزه، أنا مقدرش أشوف حد بيتقتل قدامى حتى لو كان صرصار."
وكشف مقال هدى سلطان عن موقف آخر أثناء وجودهما فى أحد الملاهى ببيروت، كان الجمهور يصفق بإعجاب لطفلين يؤديان فقرة أكروبات خطيرة، بينما كان فريد شوقى يجلس فى مقعده والدموع تملأ عينيه، فلم يكن يفكر فى مهارتهما، بل فى أنهما طفلان يخاطران بحياتهما كل ليلة من أجل لقمة العيش، وبعد انتهاء العرض استدعاهما، ومنح كلًا منهما مبلغًا من المال، فى محاولة لتخفيف ما شعر به من ألم.
ولم يكن وحش الشاشة يحتمل رؤية أى شخص يتألم، وتحكى هدى سلطان أنه عندما مرضت ابنتهما ناهد، وقرر الطبيب إعطاءها حقنة بنسلين، بدأت الطفلة تبكى، وفوجئت بأن والدها يبكى معها، وظلت هى تهدئ الطفلة بينما كان فريد عاجزًا عن تمالك دموعه، حتى اضطر إلى مغادرة الغرفة.
مشاهد أكشن هددت حياته
ورغم هذه الرقة في حياته الشخصية، فإن حياته المهنية كانت على النقيض تمامًا، فقد خاطر الفنان الكبير بحياته مرات عديدة وهو يصور مشاهد الأكشن، فى زمن لم تكن فيه الخدع السينمائية المتطورة أو وسائل الأمان المتاحة اليوم.
وفى حديث نشرته مجلة الكواكب عام 1954، استعاد فريد شوقى واحدة من أخطر الحوادث التى تعرض لها أثناء تصوير فيلم "أنا بنت ناس"، و كان المشهد عبارة عن معركة كبيرة بالعصى والسكاكين، وبعد عدة بروفات بدأ التصوير، لكن عصًا غليظة هوت فجأة على رأسه بكل قوة، ليسقط مغشيًا عليه وسط ذهول الجميع، فتوقفت الكاميرات، ونُقل إلى منزله لتلقى العلاج، بينما فتح المخرج تحقيقًا لمعرفة من الذى وجه إليه الضربة، لكن لم يستطع تحديد صاحب العصا ، وهو ما جعل فريد شوقى يرجح أن الضربة لم تكن مصادفة.
ولم تكن هذه المرة الوحيدة التى اقترب فيها من الموت، حيث روى فى عدد آخر من الكواكب صدر عام 1953 أنه أثناء تصوير أحد المشاهد أمام الفنان الكبير محمود المليجى، كان المطلوب أن يبدو وكأن المليجى يطعنه بسكين فى بطنه، واتفق المخرج نيازى مصطفى مع مدير التصوير على تنفيذ المشهد بخدعة سينمائية دقيقة.
لكن المليجى اندمج فى الأداء إلى درجة أن السكين كادت تنحرف إلى المكان الحقيقى، ولولا صراخ المخرج ومدير التصوير فى اللحظة الأخيرة، لتحولت اللقطة إلى مأساة حقيقية راح ضحيتها ملك الترسو.
وفى فيلم آخر، كان عليه أن يقفز من نافذة ويجرى هربًا من الشرطة، و نفذ المشهد كما هو مكتوب، وظل يجرى حتى أعلن المخرج انتهاء التصوير، ثم سقط على الأرض فاقدًا الوعى، وعندما فحصه الأطباء اكتشفوا أن قدمه كانت قد كُسرت منذ لحظة القفز، لكنه أكمل المشهد وهو لا يشعر إلا بواجب إتمام اللقطة.
هكذا كان التناقض الذى لازم فريد شوقى طوال حياته؛ رجل لا يحتمل رؤية صرصار يُقتل، لكنه لا يتردد فى تعريض نفسه للموت من أجل مشهد يقتنع به الجمهور.
تهديد بقلمين لوحش الشاشة
ولم تكن مفارقات حياة وحش الشاشة تتوقف عند حدود التصوير أو البيت، بل امتدت إلى مواقف غريبة ظل يرويها بنفسه سنوات طويلة، وكأنها جزء من الرحلة التى صنعت شخصيته.
ومن أطرف ما حكاه موقف تعرض له أثناء رحلة بالقطار إلى الإسكندرية. جلس فى إحدى العربات يستمع فى صمت إلى ثلاثة شباب يناقشون السينما، ثم بدأوا ينتقدون أداء فريد شوقى فى أحد أفلامه، واشتد حماس أحدهم حتى قال غاضبًا: "لو شفت فريد شوقى دلوقتى هديله قلمين!".
ابتسم فريد فى البداية، لكنه بعدما تأمل الشاب ولاحظ بنيانه القوى، قرر أن يغادر المقصورة بهدوء قبل أن يكتشف الشبان أن الفنان الذى يتحدثون عنه يجلس أمامهم، وظل يروى القصة بعد ذلك ضاحكًا، باعتبارها من أغرب المواقف التى مر بها.
وطوال حياته ظل وحش الشاشة فريد شوقى قريبًا من الناس، لم يكن يخجل من الاعتراف بخوفه، ولا من رواية مواقف أوقعته فى الحرج، ولا من الضحك على نفسه قبل أن يضحك الآخرون عليه، كان يدرك أن الفنان لا يصنعه فقط ما يقدمه أمام الكاميرا، بل أيضًا مواقف حياته وصدقه فيما يرويه عن نفسه.
وربما لهذا بقيت صورته حاضرة فى وجدان أجيال متعاقبة، فلم يكن مجرد "فتوة" ينتصر فى نهاية الفيلم، ولا مجرد نجم حمل لقب "ملك الترسو"لكنه كان ابن الحارة الذى عرف الناس أنفسهم فيه، واستطاع أن يجمع بين القوة التى صنعتها الشاشة، والرحمة التى عاش بها بعيدًا عنها.
ولهذا، بعد سنوات طويلة على رحيله، لا يزال اسم فريد شوقى حاضرًا كلما ذُكر تاريخ السينما المصرية، ليس لأنه كان "وحش الشاشة" فقط، وإنما لأنه كان، كما وصفته الفنانة الكبيرة هدى سلطان: "وحشًا بلا أنياب"