من تحت ركام القصف إلى خيمة النزوح.. أسرة فلسطينية تُبتر أطرافها في لحظة واحدة.. أب وأم وابن بين كراس متحركة وأجساد منهكة.. الأب وائل شريف: أبسط الأمور أصبحت عبئا ثقيلا علينا وكل نريده العيش مثل باقي البشر

الجمعة، 03 يوليو 2026 07:00 م
من تحت ركام القصف إلى خيمة النزوح.. أسرة فلسطينية تُبتر أطرافها في لحظة واحدة.. أب وأم وابن بين كراس متحركة وأجساد منهكة.. الأب وائل شريف: أبسط الأمور أصبحت عبئا ثقيلا علينا وكل نريده العيش مثل باقي البشر عائلة وائل الفرشيف مبتورة الأطراف

كتب أحمد عرفة

 

<< الأب: فقدت ساقي والأصعب أن أرى زوجتي وابني يعيشون نفس الألم أمام عيني

<< غياب العلاج وعدم توافر الأطراف الصناعية يزيد المعاناة

<< مدير الصحة بغزة: القطاع الصحي ينهار وما تبقى من المستشفيات يعمل بقدرات شبه معدومة

<< 6000 حالة بتر بجاجة الى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد

<< غزة تسجل أعلى معدلات بتر في العالم

<< مسئول بالقطاع الصحى الفلسطيني: هناك فجوة إنسانية هائلة بين أعداد المرضى وإمكانيات العلاج المتاحة

 

في أحد أكثر المشاهد الإنسانية قسوة داخل غزة، حيث تختلط أصوات القصف مع أنين الجرحى وصمت الخيام التي لا تقوى على حماية أحد، تتكشف حكاية أسرة لم يعد الألم فيها حالة فردية، بل أصبح مصيرا جماعيا يعيشه الأب والأم والابن معا، بعد أن فقدوا أطرافهم في لحظة واحدة غيرت مجرى حياتهم إلى الأبد، ودفعتهم إلى واقع جديد لا يشبه أي حياة عرفوها من قبل.

داخل خيمة متواضعة في أحد مخيمات النزوح، يجلس وائل شريف النملة محاولا التكيف مع جسد لم يعد كما كان، بعد أن فقد ساقه اليمنى من فوق الركبة إثر استهداف مباشر بصاروخين خلال قصف جوي، لم يترك له سوى إصابات متفرقة في جسده، وألم لا يفارقه في كل لحظة من يومه.

 

استهداف إسرائيلي يبتر أطراف أسرة

يقول وائل في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، وهو يسترجع تفاصيل اللحظة التي قلبت حياته: أنا أب لستة أطفال، أكبرهم شريف 14 سنة وأصغرهم جودي ست سنوات، استهدفتنا طائرة بصاروخين استطلاع، وعلى إثر هذا الاستهداف فقدت ساقي اليمنى من فوق الركبة مع إصابات في البطن وباقي الجسم".

عائلة وائل شريف
عائلة وائل شريف


المأساة، كما يرويها، لم تتوقف عنده، فزوجته إسراء، التي كانت تشاركه تفاصيل الحياة اليومية بكل بساطتها، أصيبت هي الأخرى ببتر في الأطراف السفلية من فوق الركبة، لتصبح مقعدة على كرسي متحرك، تعتمد عليه وعلى من حولها في أبسط تفاصيل الحركة والحياة، أما الابن الأكبر شريف، الذي لم يتجاوز سنوات مراهقته الأولى، فقد وجد نفسه يواجه مصيرا أكثر قسوة، بعد أن فقد قدمه اليسرى، وتعرض لإصابة أفقدته عينه اليمنى، ليصبح هو الآخر جسدا مثقلا بالإعاقة قبل أن تتشكل ملامح شبابه بالكامل.

واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب

 

غزة تسجل أعلى معدل لبتر الأطراف

وأعلنت وزارة الصحة في غزة، أن القطاع سجل أعلى معدل لبتر الأطراف لدى الأطفال نسبة لعدد السكان عالميا، حيث واجه آلاف الأشخاص عمليات بتر للأطراف، خلال عدوان الاحتلال على القطاع.

 

وذكرت الوزارة خلال بيان لها في 3 ديسمبر الماضي، أن هناك أوضاع صادمة تعصف بالجرحى مبتوري الأطراف في غزة، وهناك 6000 حالة بتر بجاجة الى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، و25 % من اجمالي عدد حالات البتر هم من الأطفال الذين يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة.

حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان
حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان

 

ولفتت الوزارة إلى أن المعاناة الإنسانية عميقة يعيشها آلاف الجرحى وعائلاتهم تبرز الحاجة الملحة الى خدمات التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، داعية المنظمات الدولية المعنية الى توجيه دائرة الاهتمام العاجل للجرحى مبتوري الأطراف في غزة، وتعزيز فرص الرعاية التخصصية والتأهيلية.

هنا يؤكد الدكتور منير البرش مدير عام وزارة الصحة في غزة، أن الهدنة خففت شدة الحرب لكنها لم توقفها بل غيرت شكلها، حيث إن هناك نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود مع انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، وهناك فقط نحو 16 مستشفى من أصل 38 تعمل بقدرات محدودة، كما نفد أكثر من 50% من الأدوية الأساسية و57% من المستلزمات الطبية.

ويضيف، أن ملف العلاج بالخارج متوقف ولا يُسمح إلا بسفر نحو 47 شخصا يوميا، والمريض في غزة لا يُحرم من العلاج فقط بل يُترك لمواجهة المرض بلا أدوات ولا حلول، حيث إن الاحتلال يسمح بدخول أشياء تكميلية مثل الشوكولاتة والمشروبات الغازية بينما يمنع الوقود والأدوية.

انهيار المنظومة الصحية في غزة
انهيار المنظومة الصحية في غزة

 

أجساد منهكة لا تقوى على الحركة

ثلاثة من أفراد الأسرة ذاتها يجمعهم الآن مشهد واحد متكرر يوميا، حيث أجساد منهكة لا تقوى على الحركة دون مساعدة، وواقع يفرض عليهم حياة داخل خيام لا تعترف بوجود الإعاقة، ولا توفر الحد الأدنى من شروط العيش الإنساني، وبين الرمال التي تعيق الكراسي المتحركة، وحر الصيف الذي يلهب الأجساد، وبرد الشتاء الذي يتسلل إلى الخيام المهترئة، تتضاعف المعاناة في كل لحظة.

النزوح في غزة
النزوح في غزة


يصف وائل تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات بمرارة واضحة، قائلا إن أبسط الأمور أصبحت عبئا ثقيلا: "نجد صعوبة كبيرة للغاية في التنقل والحركة والحياة في الخيام، فلا شيء مهيأ لنا، لا الخيام ولا الحمامات ولا الطرق بين الخيام، وكل شيء أصعب مما يمكن أن يتخيله أي إنسان"، وبين هذه التفاصيل، يصبح الانتقال من مكان لآخر مهمة تحتاج إلى مساعدة دائمة، بينما يتحول الاعتماد على الآخرين إلى جزء قاس من الروتين اليومي للأسرة.

 

حملة لتأهيل مبتوري الأطراف

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في نوفمبر الماضي، العمل على إطلاق حملة تعبئة وتبرعات دولية لدعم صندوق مخصص لتأهيل مبتوري الأطراف وإعادة بناء نظام التأهيل في غزة نحو تعاف مستدام، وذلك بعد الانهيار غير المسبوق في خدمات التأهيل بالقطاع، في ظل ما خلفه العدوان من دمار واسع للبنية الصحية، وارتفاع غير مستوعب في أعداد المصابين.

وأشارت الوزارة حينها، إلى تجاوز عدد الجرحى 170 ألف جريح حتى سبتمبر 2025، ويقدر أن ما لا يقل عن ربعهم سيحتاجون إلى رعاية تأهيلية متوسطة وطويلة الأمد، وقال وزير الصحة الفلسطيني الدكتور ماجد أبو رمضان إن الحكومة ملتزمة بقيادة الجهود الوطنية لإعادة بناء منظومة تأهيل قادرة على الاستجابة لاحتياجات المصابين، وضمان حقهم في الوصول إلى خدمات علاجية وتأهيلية مستدامة، داعيا كل المؤسسات العاملة في القطاع الصحي، محليا ودوليا، إلى توحيد الجهود ضمن إطار وطني جامع يتقدم بخطة واضحة وشراكات فاعلة".

صرخات المصابين في غزة
صرخات المصابين في غزة

 

غياب الأطراف الصناعية

لا تقف المعاناة عند حدود الإعاقة الجسدية، بل تمتد إلى الجانب النفسي والإنساني، حيث يعيش أفراد الأسرة صراعا داخليا بين ما فقدوه وما تبقى لهم، فالأب الذي كان يتحمل مسؤولية أطفاله، أصبح اليوم بحاجة إلى من يعينه، والأم التي كانت سندا للأسرة، أصبحت هي الأخرى تحتاج إلى رعاية، والابن الذي كان يُنتظر منه أن يبدأ حياته، أصبح يعيش في دائرة علاج وإصابات وألم لا ينتهي.

ورغم كل ذلك، تبقى المشكلة الأكبر في غياب الأطراف الصناعية والعلاج التأهيلي المناسب، في ظل نقص الإمكانيات الطبية وصعوبة الوصول إلى الخدمات المتخصصة داخل غزة، هذا الغياب لا يعني فقط استمرار الإعاقة، بل يعني تثبيت واقع جديد لا يمنحهم فرصة حقيقية للعودة إلى حياة طبيعية، أو حتى الاقتراب منها.


وخلال بيان لمنظمة أطباء بلا حدود في 3 يونيو، أكد أن هناك نقص كبير في مستويات توفير المتطلبات الأساسية لأهالي غزة، وكذلك هناك عجز كامل عن تأمين وإدخال المعدات الطبية إلى القطاع.

 

وأضاف البيان، أن هناك ضرورة لتوفير كميات أكبر من الغذاء وتعافي الاقتصاد لتوفير الوظائف لأهالي غزة، حيث إن  عدد كبير من الأطفال الرضع والنساء الحوامل يعانون من سوء التغذية في القطاع .

الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

إجراءات العلاج خارج غزة

يحتاج وائل شريف وأسرته للعلاج خارج القطاع لتركيب أطراف صناعية في ظل عجز المنظومة الصحية في توفير هذه الأطراف، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من الخروج لتلقى العلاج هو وزوجته ونجله، وفي هذا السياق يكشف الدكتور ماهر شامية، وكيل وزارة الصحة الفلسطينية، أن هناك 17,757  تحويلة طبية موثقة حتى تاريخ 20 مايو 2026 لم يتمكن سوى 3,226 مسافرا من منهم 1,204 مرضى فقط والباقي مرافقون، موضحا أن هذا الفارق الشاسع يشير إلى فجوة إنسانية رهيبة بين الاحتياج الطبي والإتاحة الفعلية، مما يفاقم من أعداد الوفيات اليومية بين المرضى الذين ينتظرون طويلا للحصول على فرصة العلاج.

آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج
آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج


ويضيف، أن عملية اختيار كشوفات السفر وتصنيف التحويلات الطبية هي عملية فنية ومهنية بحتة، وتتم وفق لجان مختصة ، واللجنة الاستشارية وهي لجنة متخصصة من الأطباء الاختصاصيين تتولى تقييم الحالات الطبية وتصنيفها بناء على درجة الخطورة والحاجة الماسة للعلاج خارج القطاع، حيث يقوم طاقم مختص من دائرة خدمات المرضى في وزارة الصحة، وبالتنسيق والتعاون الوثيق مع منظمة الصحة العالمية، بترتيب الكشوفات ومتابعتها.

ويشير إلى أن كافة الأسماء والإجراءات تخضع لمراحل متعددة من المراجعة والتدقيق المهني، ولا يمكن لأي موظف التحكم في مسار الكشوفات أو التلاعب بالتصنيفات، والعمل محكوم ببروتوكولات مهنية صارمة تضمن العدالة وتمنع أي تدخل فردي، موضحا أن التدقيق الأمني المطول والتعقيدات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي هي السبب الرئيسي والمباشر لهذه الأزمة، حيث تراجع عدد المغادرين بشكل حاد نتيجة تقليص أيام السماح بالمغادرة لتصبح ثلاثة أيام فقط في الأسبوع في أحسن الأحوال، إضافة إلى تخصيص يوم واحد فقط للإجلاء الطبي عبر معبر كرم أبو سالم، وهو ما يعكس سياسة ممنهجة لعرقلة الوصول إلى الخدمات الصحية التخصصية خارج القطاع.

ويطالب بضرورة العمل على إعادة تفعيل دائرة العلاج في الخارج وعودة الإجراءات إلى ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر 2023، بجانب  تفعيل دور السفارات الفلسطينية لمتابعة أوضاع المرضى وتلبية احتياجاتهم بعد خروجهم من غزة، لافتا إلى أن جزءا كبيرا من المرضى يمكن علاجهم داخل غزة في حال إعادة تأهيل وتجهيز القطاع الصحي الذي تعرض للتدمير الممنهج.

انهيار المنظومة الصحية في غزة
انهيار المنظومة الصحية في غزة

 

داخل هذا المشهد، لا تبدو الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل تتحول إلى مساحة ضيقة تختصر حياة كاملة من الألم والانتظار، لا يستطيع وائل وزوجته وابنه أن يتحركوا بحرية، ولا أن يؤدوا أبسط تفاصيل حياتهم دون مساعدة، في وقت تتكدس فيه الأسئلة حول المستقبل، وتغيب فيه الإجابات.


وفي نهاية حديثه، لا يطلب وائل شريف أكثر من حق بسيط في الحياة، حيث يقول: "نريد أن نخرج من هذا الواقع، نريد أطرافا صناعية، نريد أن نعيش مثل باقي البشر"، جملة تختصر مأساة أسرة كاملة، لكنها في الوقت ذاته تعكس صورة أوسع لمئات العائلات التي وجدت نفسها في نفس المصير، بلا علاج كاف، ولا أدوات تعيد لهم القدرة على الوقوف من جديد، سوى انتظار طويل لا يعرف متى ينتهي.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة