لا يملك كثير من الوجوه الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية مساحة حقيقية للتصرف أو إبداء الرأي، وفق ما تداوله منشقون وشهادات وتقارير تناولت آليات إدارة المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية في الخارج. فخلف الشاشات، لا تترك الرسائل للاجتهاد الشخصي، وإنما تدار عبر منظومة من التعليمات والضوابط التي تحدد ما يقال وما يحذف، ومن يتحدث ومن يصمت.
من مفهوم قانوني إلى أداة للسيطرة
تعرف "عقود الإذعان" في القانون بأنها عقود يفرض فيها الطرف الأقوى شروطه كاملة، ولا يجد الطرف الآخر سوى القبول بها أو الانسحاب. وهذا المفهوم بات حاضرًا داخل بعض المنصات الإعلامية المحسوبة على الجماعة الإرهابية حيث تتحول العلاقة بين الممول والإعلامي إلى علاقة تقوم على الالتزام الكامل بالتوجيهات مقابل استمرار الدعم المالي أو الظهور الإعلامي، وتصبح مساحة الحركة محدودة، بينما تخضع الرسائل الإعلامية لمراجعة دقيقة، بما يشمل اختيار المفردات، وزوايا الطرح، وأولويات القضايا المطروحة على الشاشات والمنصات الرقمية.
إدارة مركزية للمحتوى
وبحسب ما يتداوله منشقون عن الجماعة الإرهابية، تعتمد تلك المنصات على غرف إدارة تتولى إعداد رسائل يومية موحدة، تتضمن أبرز المحاور المطلوب التركيز عليها، إلى جانب مفردات بعينها يطلب تكرارها بصورة مكثفة، وقضايا أخرى يفضل تجاهلها أو عدم الاقتراب منها.
كما تتضمن هذه التوجيهات تحديد طريقة تناول الأحداث، واختيار الضيوف، وترتيب أولويات الملفات، بما يضمن خروج الخطاب الإعلامي بصورة متقاربة عبر مختلف المنصات، وكأنه صادر من مصدر واحد.
الالتزام مقابل الاستمرار
مخالفة هذه التعليمات قد تؤدي إلى استبعاد بعض الوجوه الإعلامية أو تقليص أدوارها، وهو ما يجعل الالتزام بالتوجيهات شرطا أساسيا للاستمرار داخل تلك المنظومة، ويحد من أي مساحة لاجتهاد شخصي أو طرح مغاير.
وبالتالي فإن تكرار الرسائل ذاتها، واستخدام العبارات نفسها في توقيتات متقاربة، يعكس وجود إدارة مركزية للمحتوى، وهو ما يفسر التشابه اللافت بين الخطابات الصادرة عن المنصات المختلفة.
بين الشعار والواقع
وتكشف طبيعة الخطاب الصادر عن هذه المنصات، إلى جانب التشابه اللافت في الرسائل والمفردات وتوقيتات الطرح، عن وجود إدارة مركزية للمحتوى، حيث تبدو الرسائل وكأنها صادرة من غرفة واحدة تتولى تحديد الأولويات وصياغة العبارات وتوزيع الأدوار. ويؤدي هذا النمط إلى غياب أي مساحة للاجتهاد الشخصي، ليصبح الإعلامي ملتزما بما يطلب منه حرفيا، بينما يقابل أي خروج عن الخط المرسوم بالاستبعاد أو تقليص الظهور أو وقف الدعم، بما يجعل الالتزام بالتوجيهات شرطا للاستمرار داخل المنظومة.