حين ولد البطل أحمد عبدالعزيز فى الخرطوم بالسودان يوم 29 يوليو، مثل هذا اليوم، 1907، كانت فرحة العائلة مزدوجة، فبالإضافة إلى المولود الجديد انتهت ضائقة مالية كان يعيشها والده ووالدته، حسبما يذكر هو فى تاريخ حياته الذى كتبه بشكل مختصر لا يزيد على ثلاث ورقات، وأهداه قبل استشهاده فى فلسطين يوم 22 أغسطس 1948، إلى صديقه البكباشى عبدالرحمن زكى، ونشرته مجلة «آخر ساعة» بعد فقده فى عدد 724، الصادر فى 8 سبتمبر 1948.
ومن الميلاد فى الخرطوم إلى الحياة فى مصر ثم الاستشهاد فى فلسطين، وهو قائدا للمتطوعين للقتال ضد العصابات الصهيونية، عاش أحمد عبدالعزيز حياته فى قلب القضية الوطنية متفاعلا معها ومنغمسا فيها فى كل مراحل حياته، ويساعده على ذلك بيئته الأسرية التى غرست فيه معنى الوطنية وقيمتها، يذكر «أبوالحجاج حافظ» فى كتابه «البطل أحمد عبدالعزيز»: «كان والده ضابطا فى الجيش المصرى، وخدم فى السودان، وكان جده لوالده يوزباشى يونس شريف الذى استشهد فى حملة «هكس باشا» رئيس أركان حرب الجيش فى السوادان، وكانت هذه الحملة سنة 1883 ضد المهديين وهزم فيها.
عاد الوالد من السودان، وألحق ابنه أحمد بالمدرسة، ويتذكر أحمد هذه الأيام، قائلا: «دخلت مدرسة الفرير، وكانوا معجبين بصوتى وتمثيلى حتى إننى كنت أفكر فى يوم من الأيام أن أكون ممثلا، ودخلت مدرسة الحكومة وعمرى 9 سنوات، فكنت أنجح بتفوق عظيم»، حصل أحمد على الشهادة الابتدائية، وشارك فى مظاهرات ثورة 1919 وعمره 12 عاما فقط، ويذكر أبوالحجاج حفاظ، أن الوالد فى أثناء الثورة أحيل إلى المعاش لأنه رفض تنفيذ أمرا له، بقيادة كتيبة لاقتحام الجامع الأزهر، وكان المعاش تخفيفا لقرار نفيه إلى مالطة.
لم يتوقف أثر ثورة 1919 على أحمد عند إحالة والده إلى المعاش، وإنما امتد إلى شىء آخر يتذكره بألم، قائلا فى «آخر ساعة»: إن أخيه الأصغر منه واسمه عمر عبدالعزيز استشهد بأثر ضربة فى مظاهرة كان يشارك فيها بعد نفى سعد زغلول بيوم واحد «23 ديسمبر 1921»، ويصفه: «كان عمر جميلا وملائكيا فى أخلاقه»، ويتذكر، أنه فى يوم من الأيام صمم مع عمر على السفر إلى تركيا للتطوع للقتال معها، وقطع الطريق إلى مصر الجديدة كخطوة نحو الطريق إليها، ثم رجعا وعاقبهما الوالد بعلقة ساخنة.
يذكر أنه من كثرة مشاركته فى المظاهرات فى سنة أولى وثانية ثانوى، وانصرافه عن المذاكرة، اضطر والده ووالدته إلى حجزه فى المنزل، لكنه يؤكد: «تعلمت من والدى ووالدتى معنى الوطنية»، ويضيف: «فى سنة 1921 اتهمت فى حوادث الاغتيال، واعتقلت، وقدمت للمحاكمة وبرئت بعد ثلاثة شهور سجن، ولحقت امتحان الملحق فى الثانوية العامة ونجحت، ثم انتقلت إلى المنصورة لإتمام الدراسة الثانوية، وأخذت البكالوريا وكان ترتيبى الـ90 على القطر المصرى».
يؤكد: «قررت الالتحاق بالمدرسة الحربية رغم معارضة أبى وعائلتى، وكانوا يستعدون لتسفيرى إلى الخارج لولا إصرارى، ودخلتها ومكثت فيها ثلاث سنوات، وأتممت دراستى وكنت الأول على دفعتى، وأخذت جوائز فى معظم العلوم التى درستها، وحصلت على جائزة كرة السلة، ولما أصبحت جاويشا فى المدرسة لم أهن أى تلميذ من تلاميذى، ولما كنت الأول فى ترتيب آخر سنة خيرونى فى السلاح الذى أحب الالتحاق به، فاخترت السوارى لأن أحد المنجمين قال لى: ستكون فارسا، وستهواك امرأة جميلة، ستعجبك أخلاقها وصوتها، وستحبك لشهامتك وشكلك، فأضحك لأنى سمعت كلام المنجمين».
فى 20 أبريل سنة 1948 وبعد مماطلات، تمت الموافقة على طلبه بإحالته للاستيداع لمدة ستة شهور للتطوع للقتال ضد العصابات الصهيونية فى فلسطين، وتقرر أن يكون هو قائدا للمتطوعين من الجيش المصرى، وعندما دخل فلسطين أذاع على أهالى المنطقة الجنوبية نداء مطبوع بتاريخ 15 مايو 1948، قال فيه: «إن الجهاد طويل الأمد، وفى سبيل الحصول على النصر الأخير لا يهتم القائد بالمدن ومظاهر النصر، بل يهتم بالطرق التى تخدع العدو وتؤدى إلى إفنائه فلا يثبط همكم سقوط أى بلد أو مدينة».
كان الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل يقوم بتغطيات الحرب ميدانيا فى فلسطين، وكان قريبا منه، وأجرى معه حوارا نشرته أخبار اليوم فى عددها يوم 29 مايو 1948، قال فيه: «كان لى فى حياتى ثلاثة آمال.. أن أكون بطل العالم فى الفروسية، وكنت قريبا من تحقيقه، ولكن الظروف لم تشأ، والثانى، أن أحقق مجدا عسكريا فى حرب من الحروب، والثالث، أن أؤلف كتابا عسكريا يعيش إلى الأبد وبدأت فى فصوله واخترت له اسم «المفاجأة».
أحدث خبر استشهاده فى فلسطين يوم 22 أغسطس 1948 زلزالا، وفى ذكراه الأولى يذكر «هيكل» فى «آخر ساعة» عدد 24 أغسطس 1949: «كانت أمنية أحمد عبدالعزيز أن يموت فى الميدان، وتحققت أمنيته، كان كالشهاب، وكالشهاب لمع فى حياة بلده ومر مرورا خاطفا».