لا تزال الجرائم التي ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية بحق مؤسسات الدولة والمواطنين حاضرة في الذاكرة الوطنية، باعتبارها واحدة من أخطر محطات العنف التي شهدتها مصر عقب ثورة 30 يونيو، حين لجأت الجماعة إلى التصعيد المسلح واستهداف المنشآت العامة ورجال الشرطة والقوات المسلحة، في محاولة لإرباك الدولة وإثارة الفوضى.
ويعد الهجوم على قسم شرطة الأربعين بمحافظة السويس أحد أبرز تلك الوقائع، بعدما تحول القسم إلى هدف مباشر لعناصر الجماعة وأنصارها خلال موجة الاعتداءات التي أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، حيث شهد محيط القسم أعمال عنف واسعة استخدمت خلالها الأسلحة النارية وزجاجات المولوتوف، في محاولة لاقتحامه وإحراقه وإسقاطه بالقوة.
وتشير الوقائع التي وثقتها التحقيقات والأحكام القضائية إلى أن الهجوم لم يكن عملا عشوائيا، بل جاء ضمن مخطط استهدف أقسام الشرطة والمنشآت الأمنية في عدد من المحافظات بالتزامن، بهدف إنهاك مؤسسات الدولة وإظهارها عاجزة عن فرض الأمن، وهو ما أسفر عن سقوط ضحايا وإصابة عدد من رجال الشرطة، إلى جانب وقوع خسائر مادية كبيرة في المباني والممتلكات العامة.
وخلال تلك الأحداث، تعرض قسم شرطة الأربعين لاعتداءات متكررة، حيث أضرمت النيران في أجزاء من المبنى، وأطلقت الأعيرة النارية بصورة كثيفة تجاه القوات المكلفة بتأمينه، بينما حاولت مجموعات من مثيري الشغب اقتحام القسم وإتلاف محتوياته، في مشهد عكس حجم التحريض الذي مارسته قيادات الجماعة عبر المنصات الإعلامية والاعتصامات آنذاك.
وأكدت التحقيقات أن التحريض على استهداف أقسام الشرطة كان جزءا من خطاب ممنهج تبنته الجماعة عقب عزلها عن الحكم، إذ سعت إلى نقل المواجهة إلى الشارع من خلال إثارة الفوضى وتعطيل مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس في الاعتداءات التي طالت عشرات المقار الشرطية والمنشآت الحكومية في مختلف المحافظات.
ولم تقتصر تداعيات الهجوم على الخسائر المادية، بل امتدت إلى بث الرعب بين المواطنين وتعطيل المصالح العامة، في وقت كانت فيه أجهزة الدولة تعمل على استعادة الاستقرار وفرض الأمن، وسط تحديات أمنية غير مسبوقة فرضتها العمليات الإرهابية التي استهدفت رجال الجيش والشرطة والقضاء.
ومع مرور السنوات، أصدرت المحاكم المصرية العديد من الأحكام بحق المتورطين في تلك الوقائع، بعدما أثبتت التحقيقات تورط عناصر مرتبطة بالجماعة في أعمال عنف وتخريب واستهداف متعمد للمنشآت الشرطية، استنادا إلى أدلة وشهادات وتحريات عرضت أمام القضاء، في إطار تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.
ويرى مراقبون أن استدعاء هذه الوقائع لا يرتبط فقط بتوثيق مرحلة من تاريخ المواجهة مع الإرهاب، وإنما يمثل تذكيرا بحجم التحديات التي واجهتها الدولة المصرية خلال تلك الفترة، وبالثمن الذي دفعه رجال الشرطة والقوات المسلحة والمدنيون للحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها.
كما تؤكد هذه الأحداث أن مواجهة الفكر المتطرف لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية، إذ تعتمد التنظيمات الإرهابية على التحريض ونشر الشائعات واستغلال الأزمات لاستقطاب عناصر جديدة، وهو ما يستدعي استمرار جهود التوعية وكشف الحقائق، خاصة للأجيال التي لم تعاصر تلك المرحلة.
وتبقى واقعة قسم شرطة الأربعين واحدة من الشواهد التي تستحضرها الذاكرة الوطنية كلما جرى الحديث عن الإرهاب الذي استهدف الدولة المصرية، باعتبارها نموذجا لمحاولات إسقاط مؤسسات الدولة عبر العنف والتخريب، قبل أن تنجح مؤسسات الدولة في استعادة الأمن وإحباط تلك المخططات، لتظل هذه الجرائم شاهدا على مرحلة فارقة تؤكد أن حماية الوطن تتطلب الحفاظ على الوعي الوطني وعدم السماح بتكرار مثل تلك التجارب.