في الوقت الذي تواصل فيه أسعار العقارات تسجيل مستويات قياسية، أصبح الحصول على تمويل لشراء وحدة سكنية أكثر صعوبة، ليس بسبب تراجع السيولة أو إحجام شركات التمويل العقاري عن الإقراض، وإنما لأن قيمة الوحدة نفسها باتت تتجاوز في كثير من الحالات الحدود التمويلية التي تستطيع شركة واحدة تحملها وفقًا للضوابط الرقابية.
هذا الواقع دفع الهيئة العامة للرقابة المالية إلى الموافقة على تطبيق نظام "التمويل التشاركي"، الذي يسمح لأكثر من شركة تمويل عقاري بالاشتراك في تمويل العميل نفسه، مع استمرار التزام كل شركة منفردة بجميع قواعد الملاءة المالية ونسب التركز والضوابط المنظمة للنشاط.
ويأتي القرار في توقيت يواجه فيه القطاع تحديات متزايدة، بعد موجات الارتفاع المتلاحقة في أسعار العقارات، والتي انعكست على حجم التمويل المطلوب لشراء الوحدة، في الوقت الذي لا تزال فيه شركات التمويل العقاري مقيدة بحدود رأسمالية وضوابط رقابية تحدد الحد الأقصى للمخاطر التي يمكن لكل شركة تحملها.
وتوضح بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية حجم هذه التغيرات؛ فخلال الربع الأول من عام 2026 ارتفعت قيمة التمويلات العقارية الممنوحة إلى نحو 13.1 مليار جنيه، بزيادة تجاوزت 17.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما انخفض عدد العملاء الجدد بأكثر من 21% ليسجل نحو 3800 عميل فقط، بما يعكس اتساع الفجوة بين أسعار الوحدات والقدرة الشرائية لشريحة كبيرة من العملاء.
وفي المقابل، واصل سوق التطوير العقاري تحقيق نتائج قياسية، إذ تجاوزت المبيعات التعاقدية لأكبر شركات التطوير العقاري في مصر 1.56 تريليون جنيه خلال عام 2025، وفقًا لتقرير The Board Consulting، وهو ما يؤكد أن الطلب على العقارات لا يزال قويًا، لكنه يعتمد بصورة متزايدة على أنظمة السداد المباشر التي يقدمها المطورون، بينما يواجه التمويل العقاري تحديات أكبر مع ارتفاع قيمة الوحدات.
عندما تصبح الوحدة أكبر من قدرة شركة واحدة
قبل القرار، كانت شركة التمويل العقاري تتحمل كامل قيمة التمويل الممنوح للعميل، وهو ما كان يمثل تحديًا عند تمويل الوحدات مرتفعة القيمة، خاصة مع الالتزام بالحدود القصوى للتمويل ونسب التركز المرتبطة بالقاعدة الرأسمالية لكل شركة.
أما بعد تطبيق نظام التمويل التشاركي، فيصبح بإمكان أكثر من شركة الاشتراك في تمويل العميل نفسه، بحيث تتحمل كل شركة جزءًا من التمويل، مع بقاء كل ممول مسؤولًا بصورة مستقلة عن الالتزام بجميع الضوابط الرقابية المنظمة للنشاط.
ويستهدف النظام الجديد زيادة الطاقة التمويلية للشركات دون المساس بالقواعد الأساسية التي تحكم نشاط التمويل العقاري، بما يسمح بتمويل وحدات كانت تمثل عبئًا على شركة واحدة نتيجة ارتفاع قيمتها.
الضوابط كما هي.. وآلية التمويل فقط هي التي تغيرت
لم يتضمن قرار الهيئة تعديلًا في قانون التمويل العقاري أو نسب التمويل أو قواعد منح الائتمان، وإنما اقتصر على تنظيم آلية اشتراك أكثر من ممول في الصفقة الواحدة، وألزمت الهيئة كل شركة ممولة بالالتزام بشكل مستقل بمعايير الملاءة المالية المنصوص عليها في قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 158 لسنة 2020، مع استمرار العمل بنماذج عقود التمويل العقاري المعتمدة، وإمكانية إضافة بيانات جميع الممولين المشاركين داخل العقد.
كما شددت على التزام كل شركة بمفردها بنسب التركز المقررة، سواء بالنسبة للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، وللأغراض السكنية أو غير السكنية، وتظل الحدود القصوى للتمويل كما هي، إذ لا يجوز أن يزيد التمويل على 90% من قيمة العقار للأغراض السكنية، بينما يصل إلى 100% في حالة التمويل بنظام الإجارة، مع عدم تجاوز القسط الشهري 50% من دخل العميل.
أما بالنسبة للعقارات غير السكنية، فلا يجوز أن يتجاوز التمويل 80% من قيمة العقار، كما تستمر الحدود القصوى الخاصة بتمويل المستثمر الواحد وفقًا للقاعدة الرأسمالية لكل شركة.
لماذا وافقت الهيئة على النظام الجديد؟
قال الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، إن الهيئة تحرص على التواصل المستمر مع اتحادات الشركات العاملة بالأنشطة المالية غير المصرفية لمتابعة التطورات التي تشهدها الأسواق، والعمل على تطوير الأطر التنظيمية بما يحقق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسواق وحماية حقوق المتعاملين.
وأضاف أن الموافقة على التمويل التشاركي جاءت استجابة للتحديات التي فرضتها الزيادات الكبيرة في أسعار العقارات، وما ترتب عليها من ارتفاع قيمة التمويلات المطلوبة، وهو ما حد من قدرة بعض الشركات على تمويل الوحدات مرتفعة القيمة داخل الحدود الرقابية المقررة.
وأكد أن النظام الجديد لا يخرج عن الإطار التشريعي الحالي، وإنما يضيف آلية جديدة تتيح مشاركة أكثر من شركة في التمويل، مع استمرار تطبيق جميع الضوابط الرقابية والتنظيمية القائمة.
هل ينعش القرار سوق التمويل العقاري؟
يمنح القرار، شركات التمويل العقاري مرونة أكبر في تمويل الوحدات مرتفعة القيمة، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة، كما يوسع الخيارات المتاحة أمام العملاء الراغبين في شراء وحدات يصعب تمويلها من خلال شركة واحدة.
ورغم ذلك، فإن تأثير القرار سيظل مرتبطًا باتجاهات أسعار العقارات خلال الفترة المقبلة، إذ إن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخول قد يدفع السوق إلى الحاجة لمزيد من الأدوات التمويلية، إلى جانب التمويل التشاركي، للحفاظ على قدرة المشترين على دخول السوق.
أهمية القرار لسوق العقارات
تمثل الموافقة على تطبيق نظام التمويل التشاركي خطوة قد تسهم في معالجة إحدى أبرز العقبات التي واجهت سوق التمويل العقاري خلال الفترة الأخيرة، وهي اتساع الفجوة بين الارتفاعات المتتالية في أسعار الوحدات والقدرة التمويلية لشركات التمويل العقاري.
فمع زيادة قيمة الوحدات السكنية، أصبحت بعض الشركات غير قادرة على تمويل عدد من الصفقات منفردة رغم توافر الملاءة الائتمانية لدى العملاء، وهو ما كان يحرم السوق من إتمام عمليات بيع وشراء كان يمكن تنفيذها حال توافر آلية أكثر مرونة، ومن المتوقع أن يساهم النظام الجديد في توسيع قاعدة التمويلات، وزيادة عدد الصفقات القابلة للتنفيذ، بما يدعم نشاط السوق العقارية دون الإخلال بالضوابط الرقابية المنظمة للقطاع.
ماذا يستفيد المستهلك؟
بالنسبة للمستهلك، يفتح القرار الباب أمام فرص أكبر للحصول على تمويل للوحدات مرتفعة القيمة، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة، فبدلاً من رفض طلب التمويل بسبب تجاوز قيمته الحدود التي تستطيع شركة واحدة تحملها، أصبح من الممكن توزيع التمويل بين أكثر من شركة، وهو ما يزيد فرص العميل في استكمال إجراءات الشراء، كما يعزز القرار المنافسة بين شركات التمويل العقاري لتقديم حلول تمويلية أكثر مرونة، وهو ما قد ينعكس على سرعة الحصول على التمويل وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المشترين، خصوصًا في المشروعات السكنية التي ارتفعت أسعارها بصورة ملحوظة.