من الثانوية العامة إلى الكرسى المرقسى.. حكايات بطاركة الكنيسة القبطية مع النجاح.. ظهور العذراء بالزيتون غيّر مسار البابا تواضروس ونصائح البابا شنودة صالحة لكل طالب.. البابا كيرلس السادس حضور روحي بذاكرة الأجيال

الثلاثاء، 28 يوليو 2026 08:00 ص
من الثانوية العامة إلى الكرسى المرقسى.. حكايات بطاركة الكنيسة القبطية مع النجاح.. ظهور العذراء بالزيتون غيّر مسار البابا تواضروس ونصائح البابا شنودة صالحة لكل طالب.. البابا كيرلس السادس حضور روحي بذاكرة الأجيال البابا تواضروس الثاني

كتب: محمد الأحمدى

كل عام، ومع اقتراب إعلان نتائج تنسيق الثانوية العامة، تعود إلى البيوت المصرية حالة من الترقب الممزوجة بالأمل والقلق. فهذه المرحلة لا تُعد مجرد امتحانات أو أرقام تُضاف إلى شهادة دراسية، وإنما تمثل نقطة تحول قد تغير مسار حياة الإنسان بالكامل. وبينما ينشغل الطلاب وأولياء الأمور اليوم بحساب الدرجات ورغبات التنسيق، تكشف صفحات التاريخ أن كثيرًا من الشخصيات الكبرى مرت بالتجربة نفسها، وواجهت الضغوط ذاتها، قبل أن تكتب أقدارها مسارات مختلفة تمامًا.

ولعل من أكثر النماذج إلهامًا داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، رحلتا قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وقداسة البابا شنودة الثالث، اللذين جلسا يومًا على مقاعد الدراسة، وخاضا امتحانات الثانوية العامة مثل ملايين الطلاب، قبل أن يصبح كل منهما قائدًا روحيًا لملايين الأقباط داخل مصر وخارجها.

ورغم اختلاف الزمن بين التجربتين، فإن القاسم المشترك بينهما كان الإيمان العميق، والاجتهاد، والثقة بأن النجاح لا يصنعه التفوق الدراسي وحده، وإنما تصنعه أيضًا الصلاة، والعمل، وحسن استثمار الفرص.

البابا تواضروس.. الثانوية العامة في عام ظهور العذراء بالزيتون
 

تحمل ذاكرة قداسة البابا تواضروس الثاني واحدة من أكثر القصص ارتباطًا بين الدراسة والإيمان، فقد جاءت امتحانات الثانوية العامة التي أداها عام 1969 متزامنة مع حدث استثنائي في تاريخ الكنيسة القبطية، وهو ظهور السيدة العذراء مريم فوق كنيسة الزيتون، وهو الحدث الذي جذب آنذاك آلاف المصريين من مختلف الديانات.

وفي تسجيل صوتي نادر نشره المركز الإعلامي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، استعاد البابا تفاصيل تلك الأيام، مؤكدًا أن والدته كانت تشعر بقلق شديد على مستقبله الدراسي، وكانت تتمنى أن يلتحق بكلية الصيدلة، وهو الحلم الذي كان يشغل الأسرة بأكملها.

وفي ظل هذا القلق، جاءت نصيحة من "أبلة شفيقة"، شقيقة القديس البابا كيرلس السادس، بأن تتوجه الأسرة إلى الكنيسة التي شهدت ظهور العذراء، وأن تطلب صلاة البابا كيرلس من أجل نجاح ابنها وتحقيق أمنيته.

ويحكي البابا تواضروس أن والدته بالفعل ذهبت إلى البابا كيرلس السادس وطلبت منه الصلاة من أجله، وكانت تلك الزيارة سببًا في حالة سلام وطمأنينة عاشت بها الأسرة قبل الامتحانات، وهو السلام الذي بقي راسخًا في ذاكرته حتى اليوم.

ويؤكد البابا أنه لم يشاهد ظهور السيدة العذراء بعينيه، لكنه رأى أثر هذا الحدث في نفوس من حوله، وخاصة والدته التي امتلأت بالرجاء والسكينة، معتبرًا أن صلوات العذراء والبابا كيرلس السادس كانت من الأسباب التي مهدت طريقه للالتحاق بكلية الصيدلة، والتي شكلت لاحقًا جزءًا مهمًا من شخصيته العلمية قبل دخوله الحياة الرهبانية.

رحلة من كلية الصيدلة إلى الكرسي المرقسي
 

لم يكن دخول البابا تواضروس كلية الصيدلة مجرد نجاح دراسي، بل كان محطة أساسية في تكوين شخصيته. فقد مارس العمل في مجال الصيدلة لسنوات، وهو ما أكسبه دقة التفكير والنظام والاهتمام بالتفاصيل، وهي صفات ظهرت لاحقًا في أسلوبه الإداري بعد رهبنته ثم خدمته كأسقف، وصولًا إلى انتخابه بابا للإسكندرية عام 2012.

وتكشف هذه الرحلة أن الأحلام التي تبدأ داخل لجان الثانوية العامة قد تقود أصحابها إلى مسارات لم يتوقعوها، وأن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند حدود الكلية أو الوظيفة، بل يمتد إلى الرسالة التي يؤديها الإنسان طوال حياته.

البابا شنودة الثالث.. التفوق يبدأ من داخل لجنة الامتحان
 

أما البابا شنودة الثالث، فقد كانت له تجربة مختلفة مع الثانوية العامة، التي كانت تُعرف آنذاك باسم "التوجيهية"، إذ اجتازها عام 1942، في فترة كانت الدراسة فيها تعتمد بصورة كبيرة على الحفظ والفهم والانضباط.

وفي إحدى عظاته خلال تسعينيات القرن الماضي، عاد البابا شنودة بذاكرته إلى تلك المرحلة، مقدمًا للطلاب خلاصة خبرته الشخصية في التعامل مع الامتحانات، مؤكدًا أنه اعتاد أن يكون الأول على مدرسته، لكنه لم يكن يعتبر التفوق نتيجة للذكاء وحده، بل ثمرة لتنظيم الوقت وحسن إدارة الامتحان.

وكان ينصح الطلاب بعدم التسرع في الإجابة، والبدء بالأسئلة السهلة أولًا، ثم العودة إلى الأسئلة الأكثر صعوبة، مع ضرورة قراءة السؤال أكثر من مرة لفهم المطلوب بدقة قبل كتابة أي إجابة.

كما كان يؤكد أن الطالب لا ينبغي أن يغادر اللجنة سريعًا لمجرد الانتهاء من الحل، بل عليه مراجعة كل ما كتبه، لأن دقائق المراجعة قد تنقذ درجات كثيرة، وهي نصائح لا تزال حتى اليوم من أهم قواعد النجاح التي يوصي بها خبراء التربية والتعليم.

عندما تلتقي الصلاة مع الاجتهاد
 

رغم ما عُرف عن البابا شنودة من اهتمام بالعلم والثقافة والقراءة، فإنه كان دائم التأكيد على أن النجاح لا يتحقق بالمجهود الإنساني وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى الاتكال على الله.

ولهذا اعتاد أن يقدم للطلاب صلاة قصيرة يطلب فيها الإنسان من الله أن يمنحه الفهم والاستيعاب، وأن يكون حاضرًا معه أثناء المذاكرة والامتحان، مؤكدًا أن الهدف من النجاح ليس التفاخر، وإنما تمجيد الله من خلال حياة الإنسان وأمانته في أداء واجباته.

وهذه النظرة المتوازنة بين الاجتهاد والإيمان ظلت واحدة من أبرز الرسائل التي حرص البابا شنودة على غرسها في نفوس الشباب على مدار سنوات خدمته.

البابا كيرلس السادس.. حضور روحي في ذاكرة الأجيال
 

وعلى امتداد عقود طويلة، احتفظ القديس البابا كيرلس السادس بمكانة خاصة داخل وجدان الأسر القبطية، خاصة في مواسم الامتحانات، إذ ارتبط اسمه لدى كثيرين بالصلوات والتضرعات التي تمنح الطمأنينة وتزرع الرجاء في النفوس.

ولا تزال صلاة ما قبل المذاكرة والامتحان، المنسوبة إليه، تتردد داخل البيوت القبطية حتى اليوم، حيث يبدأ كثير من الطلاب يومهم بها طلبًا للحكمة وصفاء الذهن وقوة التركيز، قبل الانطلاق إلى لجان الامتحانات.

ولا تنظر الأسر إلى هذه الصلوات باعتبارها بديلًا عن المذاكرة، وإنما باعتبارها سندًا روحيًا يمنح الطالب سلامًا نفسيًا يساعده على تقديم أفضل ما لديه.

رسائل لا تنتهي بانتهاء الامتحانات
 

إن التأمل في رحلتي البابا تواضروس الثاني والبابا شنودة الثالث يكشف أن الثانوية العامة لم تكن سوى محطة ضمن رحلة أطول بكثير، وأن التفوق الحقيقي لم يتوقف عند مجموع الدرجات أو اسم الكلية، وإنما ظهر فيما قدماه لاحقًا من خدمة ومسؤولية وقيادة روحية.

فالطالب الذي كان يحلم بدخول كلية الصيدلة أصبح فيما بعد راعيًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والطالب المتفوق الذي كان يراجع إجاباته حتى اللحظة الأخيرة تحول إلى واحد من أبرز المفكرين والوعاظ في تاريخ الكنيسة الحديثة.

وهكذا تؤكد هذه القصص أن النجاح يبدأ بالاجتهاد، ويكتمل بالإيمان، ويستمر بالعطاء، وأن كل مرحلة من مراحل العمر قد تكون تمهيدًا لرسالة أكبر لا يدركها الإنسان إلا بعد سنوات طويلة.

ومع استمرار ترقب نتائج التنسيق كل عام، تبقى هذه النماذج مصدر إلهام حقيقي للأجيال الجديدة، لأنها تذكرهم بأن الطريق إلى المستقبل لا يُبنى فقط على الدرجات، بل على الإرادة، والانضباط، والثقة بالله، وحسن استثمار كل فرصة يمنحها الله للإنسان، وهي قيم تبقى ثابتة مهما تغيرت المناهج أو تعاقبت الأجيال.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة