في عالم السينما، قد يبدأ الممثل من آخر الصفوف، لكنه يشق طريقه إلى البطولة بموهبة حقيقية واجتهاد يفرض اسمه على الجمهور. أما في عالم التنظيمات والجماعات الإرهابية، فالقواعد تختلف تماما فهناك لا تمنح البطولة للأكثر كفاءة، وإنما للأكثر استعدادا لأداء الدور المطلوب دون نقاش. لا قيمة لسبق صحفي، ولا لمعلومة حصرية، ولا لتحليل مهني، بل يصبح الالتزام بالنص المكتوب، ورفع الصوت في التوقيت المحدد، وتنفيذ التعليمات بحذافيرها، أسرع الطرق إلى الأضواء.
ومن هنا تبدأ حكاية الإرهابي الهارب محمد ناصر، وهي حكاية تبدو أقرب إلى فيلم من أفلام الكوميديا السوداء، انتقل فيها من شخصية لم تنجح في صناعة حضور مؤثر داخل المشهد الإعلامي إلى أحد الوجوه التي تبنت خطابا تحريضيا عبر منصات الجماعة الإرهابية، حتى تحولت الرحلة بأكملها إلى عرض طويل يقوم على الأداء المتكرر، بينما بقي السيناريو ثابتا لا يتغير.
المشهد الأول.. كومبارس يبحث عن دور البطولة
لكل ممثل حلم بأن يصبح بطلًا، لكن البطولة لا تأتي بالأمنيات وحدها وقبل أن يظهر الإرهابي الهارب محمد ناصر عبر المنصات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية، لم يتمكن من تحقيق حضور استثنائي يضعه بين الأسماء المؤثرة، وظلت محاولاته محدودة التأثير، ليبقى بعيدا عن دائرة النجومية التي كان يسعى إليها.
وعندما لم تمنحه الساحة الإعلامية التقليدية المكانة التي كان يبحث عنها، وجد فرصة مختلفة تمامًا، لا تعتمد على النجاح المهني بقدر اعتمادها على أداء وظيفة محددة داخل منظومة إعلامية تبحث عن وجوه قادرة على تنفيذ خطابها اليومي. وهنا تبدأ المفارقة الأولى فالكومبارس الذي لم يجد مساحة داخل المشهد الطبيعي، وجد نفسه فجأة يؤدي دور البطولة على مسرح من نوع آخر.
المشهد الثاني.. عندما اكتشف أن الصراخ يفتح أبواب الشهرة
في تلك اللحظة تغيرت قواعد اللعبة، لم يعد مطلوبا من الإرهابي الهارب محمد ناصر أن يقدم تحقيقا صحفيا أو قراءة سياسية متوازنة، ولم يعد معيار النجاح مرتبطا بقدرة الإعلامي على الإقناع أو تقديم المعلومة، وإنما أصبح المطلوب هو رفع سقف الانفعال، وتكرار الرسائل نفسها، وتحويل كل قضية إلى معركة مفتوحة، حتى لو كانت الوقائع لا تحتمل كل هذا القدر من التصعيد.
ومع مرور الوقت، تحولت حلقاته إلى ما يشبه المسرحية اليومية التي يعرف المشاهد تفاصيلها مسبقا. تبدأ الحلقة بنبرة غاضبة، ثم تتصاعد الاتهامات، ويعلو الصوت، وتنتهي الحلقة، لتبدأ الحلقة التالية بالسيناريو ذاته مع تغيير أسماء الأشخاص أو القضايا فقط. حتى بدا وكأن البطولة لا تقوم على التجديد، وإنما على إعادة إنتاج المشهد نفسه بصورة متكررة.
المشهد الثالث.. البطل الذي يؤدي شخصيتين
أكثر ما يميز أفلام الكوميديا السوداء أنها تقوم على المفارقات، وربما كانت المفارقة الأبرز في هذه الحكاية هي التناقض بين الشخصية التي تظهر أمام الكاميرا، وتلك التي تعيش بعيدا عنها.
فعلى الشاشة، يقدم الإرهابي الهارب محمد ناصر نفسه باعتباره المدافع الأول عن البسطاء، ويخصص ساعات طويلة للحديث عن الأزمات الاقتصادية وأحوال المواطنين، مستخدما خطابا عاطفيا يركز على استثارة المشاعر وإظهار التعاطف مع معاناة الناس.
لكن بمجرد انتهاء البث، يسقط الدور، وتنتهي شخصية "المدافع عن الغلابة"، لتبقى الحقيقة أن معاناة المواطنين تتحول إلى مادة إعلامية تستغل لإطالة عمر البرنامج، وتحقيق أكبر قدر من التفاعل، أكثر من كونها قضية يبحث لها عن حلول.
المشهد الرابع.. عندما بدأ المخرج يراجع اختياراته
في صناعة السينما، لا يتردد المنتج في استبدال بطل الفيلم إذا شعر بأن الجمهور لم يعد يتفاعل معه كما كان من قبل. ويبدو أن هذه القاعدة لا تختلف كثيرا داخل إعلام الجماعة الإرهابية الذي يقوم على فكرة تحقيق التأثير قبل أي اعتبار آخر.
وخلال السنوات الأخيرة، كرر الإرهابي الهارب محمد ناصر الأسلوب نفسه في تقديم برامجه، معتمدا على الصراخ، والمبالغة، وإثارة الجدل، حتى أصبح خطابه يدور في دائرة واحدة، وهو ما أفقده تدريجيا عنصر المفاجأة، ودفع كثيرين إلى اعتبار ما يقدمه تكرارا للمحتوى ذاته بصياغات مختلفة.
وفي المقابل، بدأت تظهر أسماء جديدة يجري الدفع بها تدريجيا إلى المشهد، في محاولة لإعادة تقديم الخطاب نفسه بوجوه مختلفة، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مستقبل الوجوه القديمة، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بمكانتها داخل تلك المنظومة.
المشهد الخامس.. عندما يطارد البطل شبح النهاية
كل ممثل يظن أن دوره سيستمر إلى الأبد، لكن الواقع يقول إن لكل بطل نهاية، خاصة إذا كان وجوده مرتبطا بتحقيق وظيفة محددة.
ومع تراكم الأحكام القضائية الصادرة بحق محمد ناصر في أكثر من قضية، ووجود ملفات قانونية تلاحقه، إلى جانب التحولات التي يشهدها الإقليم في التعامل مع العناصر الهاربة، أصبح المشهد أكثر تعقيدا مما كان عليه في السابق. فالأوراق التي كانت تستخدم في مرحلة معينة قد تفقد قيمتها مع تغير الظروف، والوجوه التي تصدرت المشهد لسنوات قد تجد نفسها خارج الحسابات إذا تراجع تأثيرها أو تغيرت أولويات الداعمين لها.
ولهذا، تبدو محاولات تصعيد الخطاب واستمرار الظهور الإعلامي وكأنها محاولة لإثبات أن الدور لم ينته بعد، وأن البطل ما زال قادرا على البقاء فوق خشبة المسرح، رغم أن كواليس العرض تشير إلى أن عملية البحث عن وجوه جديدة لم تعد سرا.
قد تبدو حكاية الإرهابي الهارب محمد ناصر للوهلة الأولى قصة صعود إعلامي، لكنها عند التدقيق تبدو أقرب إلى فيلم من أفلام الكوميديا السوداء، يبدأ بكومبارس يبحث عن فرصة، ثم يتحول إلى بطل يؤدي دورا كتب له مسبقا، قبل أن يكتشف أن البطولة في هذا النوع من العروض مؤقتة، وأن المخرج لا يتردد في تغيير الممثل بمجرد أن يرى أن دوره استهلك.
وهكذا تبقى الحكاية نموذجا لمسار يعتمد على تبديل الوجوه أكثر من صناعة النجوم، وعلى أداء الأدوار أكثر من صناعة المواقف، بينما يظل الستار جاهزا للهبوط في اللحظة التي يقرر فيها أصحاب المسرح أن العرض يحتاج إلى بطل جديد.