تتجاوز أزمة جماعة الإخوان الإرهابية حدود الصراع بين القيادات، لتنعكس بشكل مباشر على قواعد التنظيم وشبابه، بعدما فرضت الانقسامات المتتالية واقعًا اتسم بالإقصاء والتخوين وتهميش دور الأعضاء فى صنع القرار.
ومع اتساع رقعة الخلافات، خرج عدد من المنشقين والقيادات السابقة ليكشفوا جانبًا من كواليس إدارة التنظيم وطبيعة العلاقة بين القيادات والقواعد، والأسباب التى دفعت كثيرًا من الشباب إلى الابتعاد عن الجماعة أو تجميد نشاطهم التنظيمى، فى وقت خرجت فيه الخلافات من الأطر الداخلية إلى العلن، بعدما باتت تُدار عبر البيانات ومنصات التواصل الاجتماعى، لتجد قواعد التنظيم نفسها عالقة بين جبهات متصارعة، لكل منها قيادتها ومنصاتها الإعلامية وروايتها الخاصة.
وتؤكد شهادات المنشقين، أن هذه الصراعات لم تقتصر على التنافس بين القيادات، بل امتدت إلى أسلوب إدارة التنظيم وآليات اتخاذ القرار والتعامل مع الشباب، الأمر الذى أسهم فى اتساع دائرة الانشقاقات، وتراجع ثقة قطاع من القواعد فى القيادات التى أدارت المرحلة.
الطرد من السكن بسبب الخلافات التنظيمية
وفي ظل هذه الصراعات المحتدمة على السلطة والمال، دخل قطاع واسع من شباب الإخوان في الخارج في حالة من الإحباط والغضب، بعدما اكتشفوا أن المعارك الدائرة بين القيادات لا تتعلق بالمبادئ أو الأهداف التي رفعتها الجماعة لسنوات، بقدر ما ترتبط بالصراع على الأموال والنفوذ ومواقع السيطرة داخل التنظيم، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بين القواعد والقيادات وتزايد حالة التذمر والانشقاق داخل صفوف الجماعة.
ومن أبرز الشهادات التى كشفت حجم الأزمة، ما أعلنه حسن العشرى، أحد قيادات شباب جماعة الإخوان، الذى أكد أن عددا من شباب التنظيم تعرضوا لضغوط وإجراءات تنظيمية بسبب انحيازهم إلى "المكتب العام"، مشيرًا إلى أن بعضهم تعرض للطرد من أماكن إقامته فى الخارج بسبب مواقفه التنظيمية، كما جرى استخدام ملفات إنسانية حساسة كوسائل ضغط فى الصراع بين الجبهات المتناحرة.
وأوضح العشرى أن الانقسامات التى شهدتها الجماعة لم تكن مجرد اختلافات فى الرؤى، وإنما سبقتها موجات من التخوين والتكذيب والوشايات والتبليغ عن أعضاء داخل التنظيم، مؤكدًا أن هذه الأجواء جعلت فرص المصالحة بين الجبهات المختلفة شبه معدومة.
"هموم إخوانى".. صفحة لفضح الجبهات
وكشف العشرى أيضًا عن أن حجم الصراع وصل إلى حد إنشاء مجموعة حملت اسم "هموم إخوانى"، استخدمت لفضح ممارسات الجبهات المختلفة وكشف ما يدور داخل التنظيم من خلافات وصراعات، فى واقعة عكست انتقال الأزمة من الاجتماعات الداخلية إلى منصات التواصل الاجتماعى، بعدما أصبح كل طرف يسعى إلى تشويه الآخر أمام قواعد الجماعة.
وأشار إلى أن الأسرة التنظيمية الواحدة انقسمت بين مؤيد لجبهة محمود حسين وآخرين معارضين لها، وهو ما تسبب فى تفكك الروابط التنظيمية التى طالما تغنت بها الجماعة.
وأضاف أن هذه الانقسامات لم تكن مجرد خلافات تنظيمية كما يحاول البعض تصويرها، بل سبقتها موجات من التخوين والتكذيب والوشايات والتبليغ عن بعضهم البعض، فضلًا عن ممارسات وصفها بأنها "سيئة للغاية"، مؤكدًا أن هناك وقائع وأحداثًا لا تصلح حتى للحديث عنها في العلن بسبب خطورتها وحساسيتها.
السمع والطاعة والإقصاء
كما سبق أن تحدث عدد من المنشقين عن جماعة الإخوان، من بينهم ثروت الخرباوى وإسلام الكتاتنى وطارق البشبيشى وغيرهم، عن طبيعة العلاقة داخل التنظيم، مؤكدين أن الجماعة قامت على مبدأ السمع والطاعة، وأن القيادات كانت تميل إلى إقصاء كل من يبدى رأيًا مخالفًا أو يعترض على قراراتها، وهو ما ساهم، فى تعميق الأزمات الداخلية.
وأكد المنشقون أن غياب آليات المراجعة الداخلية، وسيطرة مجموعة محدودة من القيادات على القرار، خلقا حالة من الاحتقان داخل صفوف التنظيم، خاصة بعد سقوط حكم الجماعة وتصاعد الخلافات بين قيادات الخارج.
قرارات فصل وتجميد متبادلة
وشهدت سنوات الانقسام بين جبهات التنظيم بالخارج تبادلًا لقرارات الفصل والتجميد والإقصاء بحق عدد من القيادات والأعضاء، فى محاولة من كل جبهة لإثبات شرعيتها وإضعاف الطرف الآخر، الأمر الذى عمق الانقسام داخل الجماعة، وأدى إلى ظهور كيانات موازية، لكل منها هيكل تنظيمى وإعلامى مستقل.
ولم تقتصر تداعيات هذه القرارات على القيادات، بل امتدت إلى القواعد، حيث وجد كثير من أعضاء الجماعة أنفسهم أمام خيار الانحياز لإحدى الجبهتين أو التعرض للعزل التنظيمى، وهو ما زاد من حالة الارتباك والانقسام داخل التنظيم.
باحثون: الأزمة تجاوزت الخلاف التنظيمى
ويرى باحثون فى شؤون الحركات الإسلامية أن ما شهدته جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد خلاف على المناصب، وإنما أزمة عميقة مست بنية التنظيم نفسها، بعدما تحولت الخلافات إلى تخوين متبادل، ووشايات، وقرارات فصل، وصراعات على النفوذ والتمويل، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على القواعد والشباب، ودفع أعدادًا منهم إلى تجميد نشاطهم أو مغادرة الجماعة بشكل نهائى.
وقال طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب، إن آلية اتخاذ القرار داخل جماعة الإخوان تقوم على مركزية شديدة تبدأ من مكتب الإرشاد وتمر عبر المستويات التنظيمية المختلفة حتى تصل إلى قواعد التنظيم، دون أن يكون للشباب دور حقيقى فى صناعة القرار، موضحًا أن المستويات الأدنى تكون مطالبة بتنفيذ التعليمات حتى وإن كانت غير مقتنعة بها، قائلا "فالكل مظلوم ..والكل ظالم باعتبار ان القرارات يتم تنفيذها تباعا من الأعلى إلى الأسفل دون اقتناع به..ويتم ذلك تحت إدعاء أنه قرار رباني وهي ما كانت مخدرات فكرية لها أثر قبل 2011 بينما بعد ذلك بطل السحر ولكن ما زالت السلطة موجودة وأصبح للشباب رؤية مختلفة".
وأضاف أن الجماعة كانت تعتمد لسنوات على إقناع أعضائها بأن قرارات القيادة تمثل "الشورى" وأن الالتزام بها واجب تنظيمى، إلا أن هذه القناعة تراجعت لدى قطاع من الشباب بعد عام 2011، بينما ظلت القيادات تتعامل مع آرائهم باستخفاف واستهانة، وهو ما ولّد شعورًا بالإهانة والتهميش لدى كثير من العناصر، خاصة مع استمرار استبعادهم من المشاركة فى اتخاذ القرارات التنظيمية.
وأوضح أن اختيار مسؤولى اللجان المختلفة لم يكن نابعًا من القواعد التنظيمية، وإنما يُفرض من أعلى إلى أسفل، الأمر الذى عزز شعور الشباب بأن دورهم يقتصر على التنفيذ فقط، دون المشاركة فى رسم السياسات أو اختيار القيادات.
وأشار أبو السعد إلى أن رد فعل الشباب اختلف من حالة إلى أخرى، فبعضهم غادر التنظيم إداريًا بسبب الخلاف مع القيادات، بينما فضّل آخرون الابتعاد عن العمل التنظيمى مع استمرار اقتناعهم بأفكار الجماعة، فى حين انحاز فريق إلى إحدى الجبهات المتصارعة داخل الإخوان، بينما اختار آخرون البقاء خارج الصراع انتظارًا لما ستسفر عنه الأزمة الداخلية.
وأكد أن غالبية هذه الخلافات كانت مرتبطة بطريقة إدارة التنظيم وآليات اتخاذ القرار أكثر من ارتباطها بمراجعات فكرية، إذ ظل كثير من المنشقين يعتبرون أن الأزمة تكمن فى أداء القيادات وأساليب إدارتها، وليس فى البنية الفكرية التى تأسست عليها الجماعة.
قيادات الإخوان تحتكر القرار ولا تسمح بالمراجعة أو تداول القيادة
وقال إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والقيادي المنشق عن جماعة الإخوان، إن التنظيم اعتمد لسنوات على هرمية صارمة فى إدارة أعضائه، حيث كانت القرارات تصدر من القيادات إلى القواعد دون إتاحة مساحة حقيقية للنقاش أو المراجعة، مشيرًا إلى أن الشباب كانوا يتحملون أعباء تنفيذ التكليفات، بينما ظل دورهم فى صناعة القرار شبه غائب ولا مجال لتداول القيادة والسماح لوجوه جديدة تتواجد في مناصب صناعة القرار.
وأضاف أن القيادات كانت تتعامل مع العناصر الشابة باعتبارها أدوات للتنفيذ فقط، وليس شركاء فى إدارة التنظيم، وهو ما خلق حالة من الإحباط والتهميش داخل صفوف الشباب، خاصة مع تجاهل آرائهم والاستمرار فى الاعتماد على الوجوه والقيادات نفسها رغم الأزمات والانقسامات التى ضربت الجماعة.
وأوضح ربيع، أن أسلوب الإقصاء وغياب تداول المسؤوليات دفع كثيرًا من الشباب إلى الابتعاد عن التنظيم أو تجميد نشاطهم، بعدما أدركوا أن الخلافات داخل الجماعة كانت تُحسم وفق موازين النفوذ بين القيادات، وليس وفق اللوائح أو إرادة القواعد، مؤكدًا أن هذا النهج أسهم فى تعميق الانقسامات وفقدان الثقة بين الشباب وقيادات الجماعة.