لم يقتصر دور مجلس النواب خلال دور الانعقاد العادى الأول من الفصل التشريعى الثالث على مناقشة مشروعات القوانين وإقرار التشريعات، بل امتد ليؤدى أحد أهم أدواره الدستورية، وهو الدور الرقابى، الذى تجسد فى متابعة القضايا اليومية للمواطنين، ومساءلة الوزراء والمسؤولين التنفيذيين، ودفع الحكومة نحو اتخاذ إجراءات عملية لمعالجة العديد من الملفات الخدمية التى تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
وشهد الدور الأول نشاطا رقابيا مكثفا عبر استخدام مختلف الأدوات البرلمانية، وفى مقدمتها طلبات الإحاطة، التى ناقشتها اللجان النوعية بحضور الوزراء ورؤساء الهيئات، وانتهت إلى توصيات واضحة وتعهدات حكومية بتنفيذ حلول عاجلة ومستدامة، بما يعكس حرص المجلس على أن تتحول المناقشات البرلمانية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع.
وكان ملف المعاشات من أبرز الملفات التى حظيت باهتمام البرلمان، بعد الشكاوى التى وردت بشأن توقف صرف المعاشات نتيجة تطبيق النظام الرقمى الجديد بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعى.
وسرعان ما تحرك المجلس لمناقشة طلبات الإحاطة المقدمة من النواب داخل اللجنة المختصة، حيث استعرضت أسباب الأزمة والآثار التى ترتبت عليها بالنسبة لأصحاب المعاشات والمؤمن عليهم وانتهت المناقشات إلى التزام الهيئة بإنهاء جميع المشكلات المرتبطة بالنظام الرقمى الجديد اعتبارا من الأول من أغسطس 2026، إلى جانب اتخاذ إجراءات انتقالية لتخفيف الأعباء عن المواطنين لحين استكمال الحلول النهائية، بما ساهم فى احتواء الأزمة والاستجابة لمطالب المتضررين.
كما أولى مجلس النواب اهتماما كبيرا بملف التموين، باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بالحماية الاجتماعية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وشهدت اللجنة المختصة مناقشات موسعة لطلبات الإحاطة المتعلقة بحذف بعض المواطنين من بطاقات التموين، وما ترتب على ذلك من شكاوى ومطالب بإعادة النظر فى معايير الاستحقاق، وأسفرت المناقشات عن مجموعة من التوصيات التى التزمت الحكومة بتنفيذها، بهدف معالجة المشكلات التى تواجه المواطنين وضمان عدالة منظومة الدعم وتحقيق أكبر قدر من الشفافية فى إجراءاتها.
وفى القطاع الصحى، واصل المجلس ممارسة دوره الرقابى من خلال مناقشة عدد من الملفات الحيوية التى تمس ملايين المواطنين، وفى مقدمتها منظومة التأمين الصحى، والعلاج على نفقة الدولة، وتطوير خدمات هيئة الإسعاف، وشهدت اجتماعات اللجنة المختصة نقاشات موسعة مع مسؤولى وزارة الصحة، انتهت إلى تعهد وزير الصحة بتعديل القرارات المنظمة لصرف الألبان المدعمة للأطفال، بما يزيل أى غموض فى تطبيقها ويضمن إتاحتها للمستحقين فى جميع المحافظات، وهو ما يمثل استجابة مباشرة لمطالب النواب وانعكاسا للدور الرقابى فى حماية الفئات الأولى بالرعاية.
ولم يغب ملف التعليم عن أجندة الرقابة البرلمانية، حيث ناقش المجلس عددا من طلبات الإحاطة المتعلقة بتحسين أوضاع المعلمين، وخاصة معلمى الحصة، إلى جانب مشكلات المدارس المستأجرة وارتفاع كثافات الفصول، وتأثير ذلك على جودة العملية التعليمية ولم تقتصر المناقشات على معالجة المشكلات الراهنة، بل امتدت إلى طرح رؤى لتطوير التعليم الفنى وربطه باحتياجات سوق العمل، بما يحقق الاستفادة القصوى من مخرجات العملية التعليمية ويدعم خطط الدولة فى إعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل.
وفى قطاع الاتصالات، استجاب مجلس النواب لشكاوى المواطنين بشأن تراجع جودة خدمات الإنترنت الأرضى وضعف شبكات المحمول فى عدد من المناطق، فضلا عن الاعتراضات المتعلقة بزيادة أسعار بعض الباقات وناقشت اللجنة المختصة طلبات الإحاطة المقدمة فى هذا الشأن، مع التركيز على أوضاع القرى والمناطق النائية، واستعرض مسؤولو القطاع أسباب المشكلات القائمة وخطط التطوير، فيما خرجت اللجنة بعدد من التوصيات التى تستهدف تحسين مستوى الخدمة وضمان تحقيق التوازن بين جودة الخدمة والأسعار، بما يضع الجهات التنفيذية أمام مسؤولياتها فى تطوير هذا القطاع الحيوى.
وامتدت الرقابة البرلمانية أيضا إلى القطاع الزراعى، انطلاقا من أهمية دعم الفلاح المصرى وتعزيز الأمن الغذائى وناقشت اللجنة المختصة طلبات الإحاطة الخاصة بتحديد أسعار المحاصيل الزراعية، وضمان استمرار توفير الأسمدة المدعمة للمزارعين فى مختلف المحافظات، وسط مطالبات بضرورة تحقيق التوازن بين تكلفة الإنتاج والعائد الذى يحصل عليه المزارع وانتهت المناقشات إلى توصيات موجهة للحكومة لضمان استقرار أسعار المحاصيل واستمرار توفير مستلزمات الإنتاج، بما يسهم فى دعم القطاع الزراعى والحفاظ على استدامة الإنتاج.
وتؤكد حصيلة الدور الرقابى خلال دور الانعقاد الأول أن مجلس النواب لم يكتفِ بممارسة الرقابة فى صورتها التقليدية، وإنما حرص على متابعة نتائج المناقشات والتأكد من وجود التزامات تنفيذية واضحة من جانب الحكومة، سواء من خلال تحديد جداول زمنية لتنفيذ الحلول أو إعلان إجراءات عملية لمعالجة المشكلات المثارة، وبهذا الأداء، عزز مجلس النواب من دوره كحلقة وصل بين المواطن والسلطة التنفيذية، حيث تحولت طلبات الإحاطة والمناقشات البرلمانية إلى وسيلة فعالة لنقل شكاوى المواطنين إلى المسؤولين، وإلزام الجهات التنفيذية بالاستجابة لها وهو ما يؤكد أن الرقابة البرلمانية خلال هذا الدور لم تكن مجرد ممارسة إجرائية، بل أداة حقيقية لدعم حقوق المواطنين وتحسين مستوى الخدمات العامة، وترسيخ مبدأ المساءلة والمتابعة المستمرة فى مختلف القطاعات الخدمية.
