لم تكن شخصيات الرسوم المتحركة بالنسبة إلى جيل كامل مجرد أبطال يملأون ساعات الفراغ، بل كانت رفقاء الطفولة الذين ضحكنا معهم، وحفظنا عباراتهم، وانتظرنا ظهورهم كل يوم أمام شاشة التليفزيون، بعضنا أحب سبونج بوب لخفة ظله، وتعاطف مع تشارلى براون لأنه لم يكن بطلًا خارقًا، بل طفلًا يخطئ ويخسر ويحاول من جديد، بينما رأى فى سيمبا قصة شجاعة، وفى بيتر بان حلمًا بعدم كبر السن، دون أن يخطر ببال أحد أن هذه الشخصيات ستصبح بعد سنوات مادة للنقاش فى كتب علم النفس ومقالات الباحثين.
ومع اتساع الاهتمام بعلم النفس فى الثقافة الشعبية، بدأ باحثون ونقاد ينظرون إلى هذه الشخصيات بعين مختلفة، لم يعد السؤال: لماذا أحببناها؟ بل أصبح لماذا بدت لنا قريبة إلى هذا الحد؟ وكيف نجح كتابها فى رسم شخصيات تحمل مخاوف وتناقضات وانفعالات تشبه البشر الحقيقيين؟
هذه القراءات لا تعنى أن صناع الكارتون جلسوا ليبتكروا شخصيات مصابة باضطرابات نفسية، كما أنها لا تمثل تشخيصات طبية رسمية، لكنها تحاول فهم الشخصيات من خلال سماتها السلوكية، واستنادًا على قراءة تحليلية مستوحاة من دراسات نفسية نشرها West GA Wellness Center، حيث تغوص فى الجوانب الخفية لـ «مصنع خيال الطفل»، لنكتشف «الأمراض النفسية» التى أصابت أشهر الشخصيات الكارتونية العالمية.

سبونج بوب «متلازمة ويليام»
تصعب مشاهدة سبونج بوب من دون الابتسام، فهو الشخصية التى تستقبل كل يوم بحماس، وتتعامل مع الجميع كما لو كانوا أصدقاء قدامى، وتثق فى الغرباء بلا تردد، حتى عندما يستغلها الآخرون، هذه البراءة المفرطة دفعت بعض الباحثين إلى مقارنة سلوكه بسمات ترتبط بـمتلازمة ويليام، وهى اضطراب نمائى يجعل المصاب شديد الاجتماعية، سريع الثقة بالآخرين، ويملك قدرة كبيرة على التعبير عن مشاعره، إلى جانب سمات قد تتقاطع مع فرط الحركة وتشتت الانتباه.

مستر-سلطع
مستر سلطع.. «سيكوباتية الطمع»
إذا كان سبونج بوب يمثل البراءة المطلقة، فإن رئيسه مستر سلطع يقف على الطرف الآخر تمامًا، فالرجل الذى لا يتوقف عن عد أمواله، ويقيس كل شىء بمنطق الربح والخسارة، تحولت رغبته فى الثراء إلى واحدة من أبرز سماته الكوميدية.
لكن بعض التحليلات النفسية رأت أن هذا السلوك يقترب مما يعرف بـ«سيكوباتية الطمع»، وهى حالة لا تشير إلى حب المال فحسب، بل إلى الجشع المفرط، والقدرة على تبرير أى تصرف إذا كان سيحقق مكسبًا ماديًا، حتى لو كان التضحية بسبونج بوب نفسه مقابل مبلغ زهيد فى إحدى الحلقات.

تشاكي-فينستر
تشاكى فينستر.. اضطراب القلق
الطفل ذو النظارات «تشاكى» من كارتون Rugrats هو كتلة متحركة من الهلع، كان يخاف من صناديق الرمال بسبب الجراثيم، واقتنع بأن بطيخة ستنمو فى أمعائه لمجرد ابتلاع بذرتها، هذا الخوف المزمن، الذى يتجاوز ستة أشهر، يشخّص بـ«اضطراب القلق العام»، والمثير للدهشة أن الكارتون استعرض علاجًا نفسيًا حقيقيًا عندما خضع تشاكى لـ«العلاج السلوكى المعرفى» لمواجهة مخاوفه من المرتفعات والسرعة.

شارلي-براون
تشارلى براون.. اضطراب الشخصية الاجتنابى
على عكس أبطال الرسوم المتحركة الذين ينجحون دائمًا فى النهاية، عاش تشارلى براون معظم مغامراته وهو يتوقع الفشل، كان يجلد نفسه باستمرار، ويعتقد أن الحظ السيئ يلاحقه أينما ذهب، ويشعر أن الآخرين أفضل منه وأكثر قدرة على النجاح.
هذه السمات جعلت عددًا من الباحثين يربطون الشخصية باضطراب الشخصية الاجتنابية، الذى يدفع صاحبه إلى الخوف من الرفض، وانخفاض الثقة بالنفس، وتجنب العلاقات الاجتماعية خشية التعرض للإحباط.
وربما كان هذا هو سر تعاطف الملايين مع تشارلى براون؛ فهو لم يكن بطلًا خارقًا، بل طفلًا يشبه كثيرين ممن عرفوا معنى الإخفاق قبل النجاح.

سيمبا
سيمبا.. اضطراب ما بعد الصدمة
يصعب أن ينسى من شاهد فيلم «الأسد الملك» مشهد سقوط موفاسا، أو نظرة الرعب فى عينى سيمبا الصغير وهو يصدق أن موت والده كان بسببه، لم يكن المشهد مجرد نقطة تحول فى أحداث الفيلم، بل بداية رحلة طويلة من الهروب والإنكار والشعور بالذنب.
لهذا رأى بعض الباحثين أن سلوك سيمبا يحمل سمات تشبه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، إذ يبتعد عن موطنه، ويتجنب مواجهة الماضي، ويعيش سنوات محاولًا الهروب من الذكريات المؤلمة قبل أن يقرر العودة ومواجهة الحقيقة.

هيلجا
هيلجا.. الاضطراب الوجدانى ثنائى القطب
فى كرتون Hey Arnold!، بدت هيلجا فى نظر كثير من الأطفال مجرد فتاة مشاكسة لا تتوقف عن السخرية من زملائها، تخفى وراء هذا القناع هشاشة نفسية شديدة وتقلبات مزاجية عنيفة، كما كانت تخفى حبًا كبيرًا لأرنولد، وتكتب له القصائد سرًا، ثم تعود لتعامله بعنف فى المدرسة، وكأنها تخشى أن تنكشف مشاعرها.
هذا التناقض يشير بوضوح إلى إصابتها بـ «الاضطراب ثنائى القطب» Bipolar، الذى يسبب تقلبات غير اعتيادية فى المزاج والطاقة وانفعالات مفاجئة.

بيتر-بان
بيتر بان ومتلازمته
ربما تكون هذه الشخصية الوحيدة التى خرج اسمها من صفحات الأدب إلى كتب علم النفس، فـ»متلازمة بيتر بان» أصبحت تعبيرًا شائعًا لوصف الأشخاص الذين يرفضون تحمل مسؤوليات الحياة، ويتمسكون بعالم الطفولة حتى بعد بلوغهم.
ولم يكن اختيار الاسم مصادفة، فبيتر بان عاش فى «نيفرلاند» هربًا من عالم الكبار، ورفض فكرة النضج من الأساس، وبينما رأى الأطفال فى ذلك مغامرة لا تنتهى.

ويني-بو
وينى الدبدوب… غابة صغيرة تشبه العالم الكبير
إذا كان هناك عمل كارتونى أثار اهتمام الباحثين فى علم النفس أكثر من غيره، فهو بلا شك «وينى الدبدوب»، فالشخصيات التى بدت للأطفال لطيفة وبسيطة، تحولت مع مرور الوقت إلى مادة لقراءات نفسية متعددة، إذ رأى بعض المتخصصين أن كل شخصية تمثل نمطًا سلوكيًا مختلفًا.
وينى نفسه يلجأ إلى الطعام كلما شعر بالضيق أو احتاج إلى الراحة، وهو ما دفع بعض المحللين إلى ربطه بالأكل العاطفى. أما «تيجر»، فلا يكاد يتوقف عن الحركة أو التفكير قبل الإقدام على أى مغامرة، وهى صفات تتشابه مع سمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). وعلى النقيض تمامًا يقف «بيغلت»، الذى يبدو دائم القلق، يتوقع الأسوأ حتى فى أكثر المواقف بساطة.

بينوكيو
بينوكيو… الكذب المرضى
يصعب ذكر الكذب فى الأدب والرسوم المتحركة دون أن يحضر بينوكيو، الدمية الخشبية التى كان أنفها يطول كلما قالت شيئًا غير حقيقى، وبمرور الوقت، ربط بعض الباحثين الشخصية بما يعرف بالكذب القهرى، وهو نمط سلوكى يجعل صاحبه يختلق القصص حتى عندما لا تكون هناك حاجة للكذب.

السا

ميرماد---بيل

سنووايت
أميرات ديزنى… خلف النهايات السعيدة
اعتادت أفلام ديزنى أن تنتهى بانتصار الخير، لكن الطريق إلى تلك النهاية لم يكن دائمًا خاليًا من الصراعات النفسية.
ففى «بياض الثلج»، رأى بعض الباحثين أن تعلق البطلة الشديد بالنظافة وترتيب منزل الأقزام يعكس سلوكيات تشبه الوسواس القهرى.
بينما ارتبطت آرييل، بطلة «الحورية الصغيرة»، بما يعرف برهاب التخلص من المقتنيات، بسبب احتفاظها بكل ما تجمعه من عالم البشر، وعجزها عن التفريط فيه.
أما بيل، بطلة «الجميلة والوحش»، فكانت من أكثر الشخصيات إثارة للنقاش، إذ اعتبر بعض المحللين أن تطور علاقتها بالوحش يحمل سمات تشبه متلازمة ستوكهولم، حين تتطور مشاعر إيجابية تجاه الشخص الذى يفرض السيطرة. وفى «فروزن»، لفتت شخصية إلسا الانتباه بسبب عزلتها الطويلة وخوفها المستمر من إيذاء من تحبهم، إلى جانب شعورها العميق بالذنب، وهى سمات دفعت بعض القراءات النفسية إلى مقارنتها بالاكتئاب الشديد، بينما رأى آخرون أنها تعكس ببساطة رحلة إنسان يخشى اختلافه عن الآخرين.

أليس
أليس والفصام
تعتبر أليس التى ظهرت لأول مرة عام 1865 فى رواية لويس كارول «مغامرات أليس فى بلاد العجائب، من أكثر الشخصيات إثارة، فلم تتوقف محاولات تفسير عالمها الغريب، فالمخلوقات الناطقة، والتغير المستمر فى الأحجام، والمواقف التى تتحدى المنطق، دفعت بعض المهتمين بعلم النفس إلى قراءة القصة باعتبارها تجسيدًا لحالات ذهنية معقدة، بل إن بعضهم رأى فى أليس سمات تشبه الفصام بسبب ما تمر به من تجارب تبدو أقرب إلى الهلوسات.. لكن كثيرًا من النقاد يرفضون هذا التفسير الحرفي، ويرون أن قوة العمل تكمن فى طبيعته السريالية، وأن غرابته كانت وسيلة أدبية لتحدى المنطق التقليدي، لا لتقديم صورة مرضية بعينها.
الكرتون والخيال كوسيلة لفهم الإنسان
ربما لم يقصد رسامو هذه الشخصيات أن يضعوا بين أيدى علماء النفس مادة للتحليل، لكنهم نجحوا فى ابتكار شخصيات بدت حقيقية بما يكفى لتعيش خارج الشاشة، شخصيات كانت تخاف، وتغضب، وتكذب، وتشعر بالذنب، وتندفع، وتفشل، ثم تحاول مرة أخرى، وهى مشاعر يعرفها كل إنسان، ولعل هذا هو سر بقاء هذه الأعمال فى الذاكرة.
