كلما وجدت جماعة الإخوان الإرهابية نفسها فى مأزق سياسى أو تنظيمى، سارعت إلى إخراج "الفتوى المناسبة" لتبرير موقفها الجديد، فما كان مرفوضًا بالأمس يصبح جائزًا اليوم، وما كان محرمًا يتحول إلى ضرورة، بينما تبقى مصلحة التنظيم هى الثابت الوحيد الذى لا يتغير. وعلى مدار عقود، نجحت الجماعة فى تحويل عدد من شيوخها إلى أدوات تمنح قراراتها غطاءً دينيًا، عبر اقتطاع الآيات القرآنية والأحاديث من سياقها، وإلباس الصفقات السياسية ثوبًا شرعيًا، بما يضمن استمرار الطاعة ويمنع أى محاولة للاعتراض داخل الصف الإخوانى.
هذا النهج لم يكن اجتهادًا فقهيًا بقدر ما كان سياسة تنظيمية قائمة على توظيف الدين لخدمة أهداف الجماعة، حتى أصبح الحكم الشرعى يتغير بتغير مصلحة التنظيم، وتُستدعى النصوص الدينية كلما احتاجت القيادة إلى تبرير تحالف جديد أو تصعيد جديد أو تراجع جديد.
الفتوى تتحول إلى قرار تنظيمى
اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية على صناعة مرجعيات دينية مرتبطة بها، تتولى منح الشرعية لكل قرارات القيادة، فتحولت الفتوى من بيان للحكم الشرعى إلى وسيلة لإدارة التنظيم وضبط أفراده. وأصبح السمع والطاعة للقيادة يُقدمان باعتبارهما جزءًا من الالتزام الدينى، بينما يُنظر إلى مخالفة قرارات الجماعة باعتبارها خروجًا على الشرع، وليس مجرد اختلاف فى الرأى.
كما تعمدت الجماعة توظيف مفاهيم مثل "التمكين" و"الجهاد" و"الولاء" و"البيعة" بصورة انتقائية، مع تجاهل النصوص التى تؤكد حرمة الدماء ورفض الفوضى وصيانة مؤسسات الدولة.
نداء الكنانة.. بيان ألبس التحريض ثوب الفتوى
بعد عزل محمد مرسى، كشفت الجماعة الإرهابية عن أحد أخطر نماذج توظيف الدين فى الصراع السياسى عبر ما عُرف بـ"نداء الكنانة"، الذى تجاوز حدود الاعتراض السياسى إلى خطاب تحريضى استهدف القضاة والجيش والشرطة والإعلاميين وعددًا من مؤسسات الدولة، مستخدمًا لغة دينية لإضفاء شرعية على المواجهة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تضمن البيان دعوات تحريضًا على اقتحام السجون ومقاومة السلطات، مع تبرير استهداف الضباط أثناء تنفيذ مهامهم، فى نموذج يعكس كيف تحولت الفتوى إلى غطاء للعنف.
القرضاوى.. المرجعية التى أثارت الجدل
ويعد يوسف القرضاوى من أبرز المرجعيات الدينية المرتبطة بالجماعة الإرهابية، بعدما أصدر على مدار سنوات فتاوى أثارت جدلًا واسعًا، من بينها إجازة العمليات الانتحارية فى ظروف معينة، وهى الفتاوى التى تعرضت لانتقادات حادة من مؤسسات دينية وعلماء، معتبرين أنها وفرت غطاءً فكريًا استغلته تنظيمات إرهابية فى تبرير عملياتها.
كما استخدم القرضاوى بعد عزل مرسى خطابًا دينيًا حادًا فى توصيف الأزمة السياسية، داعيًا إلى استمرار دعم الجماعة، بما ساهم فى تأجيج حالة الاستقطاب.
فتاوى تفتح الطريق أمام العنف
وامتد مسلسل الفتاوى المثيرة للجدل إلى شخصيات أخرى محسوبة على الجماعة، من بينها أكرم كساب، الذى نُسبت إليه فتاوى وتصريحات تضمنت تبرير أعمال عنف واستهداف قوات الأمن، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات، باعتبار أن هذه الفتاوى تمنح المتطرفين غطاءً دينيًا لتبرير جرائمهم.
وهذا الخطاب لعب دورًا فى تغذية الفكر المتشدد، من خلال إقناع العناصر بأن العنف يمثل واجبًا دينيًا، رغم تعارض ذلك مع مقاصد الشريعة ورفض المؤسسات الدينية الرسمية له.
السياسة تتحول إلى عبادة
وخلال الانتخابات الرئاسية عام 2012، سعت الجماعة الإرهابية إلى تحويل التصويت إلى محمد مرسى من خيار سياسى إلى واجب دينى، عبر خطابات وفتاوى ربطت بين انتخابه وإرضاء الله، وصورت التصويت لغيره باعتباره مخالفة شرعية، فى محاولة واضحة لاستغلال المشاعر الدينية لتحقيق مكاسب انتخابية.
وبعد سقوط حكم الجماعة، استمر النهج نفسه عبر الترويج لفكرة استمرار "البيعة" واعتبارها التزامًا دينيًا لا يسقط بتغير الواقع السياسى.
مصلحة التنظيم فوق الأحكام
حتى الشعائر الدينية لم تسلم من هذا التوظيف، إذ ظهرت فتاوى تبرر الإفطار فى رمضان لبعض المشاركين فى فعاليات الجماعة بدعوى قدرتهم على مواصلة التظاهر، وهو ما اعتبره منتقدون نموذجًا واضحًا لتقديم مصلحة التنظيم على الاعتبارات الشرعية.
وتؤكد هذه الوقائع أن الجماعة تعاملت مع الفتوى باعتبارها أداة سياسية مرنة، تُفصل وفق احتياجات المرحلة، وليس باعتبارها حكمًا شرعيًا ثابتًا يستند إلى أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
الدين فى خدمة التنظيم
تكشف مسيرة الجماعة الإرهابية أن أخطر ما مارسته لم يكن فقط إصدار فتاوى مثيرة للجدل، وإنما تحويل الدين إلى أداة لإدارة الصراع السياسى، واستخدام النصوص الدينية بصورة انتقائية لمنح الشرعية للتحالفات والقرارات والتصعيد، بما يضمن بقاء التنظيم متماسكًا حتى فى أصعب مراحله.
وبمرور الوقت، ساهم هذا الخطاب فى تشويه المفاهيم الدينية لدى بعض الأتباع، وفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة لاستغلال هذه الفتاوى فى التجنيد وتبرير العنف، لتصبح الفتوى لدى الجماعة وسيلة لخدمة التنظيم أكثر من كونها وسيلة لبيان الحكم الشرعى.