تحمل ذكرى ثورة 23 يوليو كل عام معها صفحات مهمة من تاريخ الدولة المصرية، كما تعيد فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل فى التاريخ السياسى، وهو طبيعة العلاقة التى جمعت جماعة الإخوان الإرهابية بالضباط الأحرار قبل قيام الثورة، ثم التحول السريع من التقارب إلى المواجهة بعد نجاحها.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الجماعة سعت خلال سنوات ما قبل الثورة إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، ومن بينها الجيش، فى الوقت الذى كان فيه تنظيم الضباط الأحرار يعمل بصورة مستقلة للإعداد لتحركه، وهو ما خلق مساحة من التواصل، لكنها لم تتحول إلى شراكة دائمة، بل انتهت بصدام سياسى حاد بعد أشهر قليلة من قيام الثورة.
اختراق الجيش قبل قيام الثورة
يرصد كتاب "ثورة يوليو والحياة الحزبية.. النظام واحتواء الجماهير" للدكتور أحمد زكريا الشلق أن جماعة الإخوان الإرهابية، منذ أربعينيات القرن الماضى، بذلت جهودًا لاختراق الجيش وإقامة علاقات تنظيمية وشبه تنظيمية مع عدد من الضباط، مستفيدة من حالة الغضب تجاه النظام الملكى والاحتلال البريطانى.
ويشير الكتاب إلى أن عدداً من الضباط كانت تربطهم اتصالات بالجماعة، بينما فضل آخرون التعاون معها دون الانضمام إليها، فى الوقت الذى كان فيه تنظيم الضباط الأحرار يوسع شبكته داخل القوات المسلحة بصورة مستقلة، ويحرص على التواصل مع مختلف القوى السياسية دون الارتباط بها تنظيميًا.
علم الجماعة الإرهابية بموعد التحرك
وبحسب الكتاب، فإن قيادة الضباط الأحرار أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع الجماعة حتى الساعات الأخيرة قبل تحرك الجيش، إذ يورد المؤلف أن جمال عبد الناصر أبلغ قيادات الإخوان بموعد التحرك، وطلب استعدادهم للتعامل مع أى تحرك بريطانى محتمل، وهو ما يعنى – وفقًا لما أورده المؤلف – أن الجماعة كانت على علم بقيام الثورة قبل تنفيذها.
فى المقابل، يؤكد الكتاب أن هذا التواصل لم يكن يعنى وجود اندماج بين الطرفين، بل كان جزءًا من حسابات سياسية متبادلة، إذ كان كل طرف يسعى للاستفادة من الآخر دون التخلى عن مشروعه الخاص.
شهر العسل انتهى سريعًا
بعد نجاح الثورة، أعلنت جماعة الإخوان الإرهابية تأييدها للضباط الأحرار، وساندت الإجراءات الأولى التى اتخذها مجلس قيادة الثورة، غير أن الخلافات بدأت تظهر مع تباين الرؤى حول شكل الدولة وحدود الدور الذى يمكن أن تلعبه الجماعة فى الحياة السياسية.
وتذكر مصادر تاريخية أن الجماعة سعت إلى توسيع حضورها فى المشهد السياسى بعد سقوط النظام الملكى، بينما اتجه مجلس قيادة الثورة إلى ترسيخ سلطة الدولة المركزية ورفض وجود أى تنظيم يسعى إلى ممارسة نفوذ موازٍ داخل مؤسساتها.
أزمة 1954.. نقطة التحول
وصلت العلاقة إلى ذروة التوتر خلال عام 1954، فى ظل الخلافات السياسية التى شهدها مجلس قيادة الثورة، وتقارب الجماعة الإرهابية مع الرئيس محمد نجيب فى تلك المرحلة.
وفى أكتوبر من العام نفسه جاءت محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية، لتصبح نقطة فاصلة فى تاريخ العلاقة بين الدولة والجماعة، إذ أعقبها حظر الجماعة واعتقال عدد من قياداتها، لتدخل العلاقة مرحلة طويلة من المواجهة.
الصراع تجاوز السياسة
لم يعد الخلاف بعد ذلك مجرد خلاف سياسى حول إدارة الحكم، بل تحول إلى صراع حول طبيعة الدولة نفسها. فبينما تبنى نظام يوليو مشروع الدولة الوطنية المركزية، تمسكت الجماعة برؤيتها السياسية والدينية، وهو ما عمق الفجوة بين الجانبين خلال العقود التالية.
وتبقى ذكرى ثورة 23 يوليو مناسبة تستحضر هذه المحطات التاريخية، التى تكشف أن العلاقة بين جماعة الإخوان والضباط الأحرار مرت بمراحل متباينة، بدأت بالتواصل والتنسيق فى ظروف سياسية معقدة، لكنها انتهت بصدام غيّر مسار العلاقة بين الدولة المصرية والجماعة لعقود تالية.