-
خفضنا الحوادث بنسبة 50%.. وبدأنا محور "مصر - تشاد"
-
تجارب التشغيل على الخط الأول للقطار السريع أول السنة القادمة
-
كوبرى خور مايو تم تنفيذه بنظام إنشائي متطور وحسابات معقدة يُطبق لأول مرة في مصر بارتفاع 88 مترًا
-
لا نستعين بأي خبرات أجنبية فى مجالات الطرق والكباري والشركات المصرية تنفذ مشروعات عالمية بالخارج
شهدت الدولة المصرية على مدار السنوات الماضية ثورة غير مسبوقة في مجال البنية التحتية، وفي القلب منها شبكة الطرق والكباري والمحاور التنموية والسكك الحديدية الحديثة التي تحولت من مجرد شرايين للحركة إلى قاطرات حقيقية للاستثمار والتنمية الزراعية والصناعية والعمرانية. ولم تكن هذه المشروعات وليدة الصدفة، بل نُفذت بناءً على رؤية رئاسية ثاقبة وضعت المصلحة الوطنية وتسهيل حياة المواطن في صدارة الأولويات.
"اليوم السابع" التقت اللواء حسام الدين مصطفى، مساعد وزير النقل للطرق والكباري، حيث كشف عن الأثر الاقتصادي والتنموي للمحاور الجديدة، وفي مقدمتها محور الضبعة، ومحاور النيل بالصعيد، كما أعلن تفاصيل تولي وزارة النقل مسئولية صيانة كوبري أكتوبر وكباري العاصمة، ومستقبل ربط مصر بالعمق الإفريقي عبر محور "مصر - تشاد"، وصولاً إلى كواليس "القطار الكهربائي السريع" وأعلى كوبري في إفريقيا بأيدٍ مصرية، وإلى نص الحوار:
س: في البداية، يتردد كثيرًا سؤال من بعض المواطنين حول جدوى الاستثمار الهائل في شبكة الطرق والكباري.. كيف تردون على ذلك من واقع لغة الأرقام والنتائج؟
ج: أهلاً بكم. في الحقيقة، ثقافة أهمية "البنية التحتية" لم تكن واضحة تمامًا لدى قطاع من الشعب المصري في السابق. لم يكن البعض يربط بين وجود شبكة كهرباء قوية وبين قيام الصناعة، أو وجود شبكة طرق ومحاور وبين القدرة على تسويق ونقل المنتجات وزيادة الاستثمار وتحسين الصحة العامة وخفض معدلات الحوادث.
البنية التحتية هي الأساس الذي تُبنى عليه كافة الاستثمارات، وهذا ما بدأ به رئيس الجمهورية فور توليه المسؤولية لتوفير أساس قوي يدعم مجالات الصناعة، الزراعة، السياحة، والتعدين. أي مستثمر مصري أو أجنبي يبحث أولاً عن كيفية نقل منتجاته، والوصول إلى الموانئ والمطارات والأسواق المحلية برًا، وإذا كانت البنية الأساسية ضعيفة، ستكون التكلفة والجهد وإهلاك المركبات مرتفعًا للغاية، وهو ما يجعل الدولة غير جاذبة للاستثمار مقارنة بالدول الأخرى.

مساعد وزير النقل اللواء حسام الدين مصطفى في حوار شامل لـاليوم السابع
س: هل أُنشئت هذه الطرق بشكل عشوائي أم وفقًا لخطط مدروسة مسبقًا؟
ج: المشروعات لم تبدأ بشكل عشوائي على الإطلاق، بل اجتمعت أجهزة الدولة بالكامل ووضعت خريطة موحدة، تضمنت مواقع الموانئ، المطارات، الأراضي الصالحة للاستصلاح الزراعي، المناطق الصناعية، والمدن السكنية الجديدة وزيادة العمران. وبناءً على هذه الخريطة المشتركة، بدأنا نحدد الطرق والمحاور المطلوبة لربط هذه النقاط ببعضها والمناطق اللوجستية، وتوزعت الأدوار بين وزارة النقل ووزارة الإسكان والهيئة الهندسية، واليوم بعد سنوات من العمل، شارفنا على الانتهاء بالكامل وبدأت النتائج تظهر بوضوح للجميع.
س: بالحديث عن النتائج.. محور الضبعة يعد نموذجًا بارزًا للتنمية.. كيف انعكس هذا المشروع على أرض الواقع؟
ج: محور الضبعة نُفذ في الأساس كمحور تنموي شامل بناءً على استطلاع طبيعة الأرض المستوية المحيطة به، ورغم أنها أرض صحراوية تتطلب جهدًا لتنميتها إلا أنها صالحة تمامًا للزراعة. واليوم، لو استخدم أي شخص خاصية التتبع الزمني في "جوجل إيرث" ليقارن بين وضع المنطقة سابقًا والآن، سيتفاجأ بحجم المساحات الخضراء المهولة التي غطت المكان؛ هذا المشروع جلب استثمارات ضخمة، وحقق حجم إنتاج متميز من محصول القمح ساهم مباشرة في تقليص الفاتورة الاستيرادية للدولة ومواجهة الزيادة السكانية التي تبلغ نحو 2 مليون نسمة سنويًا. والتنمية هناك لم تقف عند الزراعة فقط، بل يتبعها تصنيع زراعي ثم تصدير للخارج.
س: وماذا عن العاصمة الجديدة والمدن الجديدة مثل المنصورة الجديدة والعلمين؟
ج: لولا شبكة الطرق الحالية ما كان للمدن الجديدة أن تنبض بالحياة؛ مدينة العلمين الجديدة ما كان لها أن تصل لما هي عليه الآن بدون طريق الإسكندرية الصحراوي، وطريق وادي النطرون، والطريق الدولي الساحلي، وقريبًا القطار الكهربائي السريع. والعاصمة الجديد أصبحت محاطة بمحاور رئيسية (الدائري الإقليمي، السخنة، السويس، الإسماعيلية، والدائري الأوسطي)، وأنا شخصيًا أصل لمكتبي هنا من قلب مصر الجديدة في أقل من 45 دقيقة. المواطنون بدأوا ينتقلون للسكن بالعاصمة لوجود بدائل نقل جماعي مريحة ومتنوعة مثل المونوريل والـ LRT. وفي الدلتا، نجد أن "رافد جمصة" ربط المنصورة بالمنصورة الجديدة، ليخلق متنفسًا سكنيًا وصناعيًا محترمًا بعيدًا عن التكدس والأراضي الزراعية المخنوقة.

اللواء حسام الدين مصطفى
س: كيف انعكست هذه التوسعات على المواطن العادي في حياته اليومية؟
ج: نجحنا في حل أزمات مزمنة من الزحام والتكدس المروري وخفض زمن الرحلات بشكل غير مسبوق. على سبيل المثال، القادم من مدخل القاهرة الشرقي متوجهًا لمصر الجديدة كان يستغرق ما لا يقل عن ساعة وربع إلى ساعة ونصف في الزحام، أما الآن فالرحلة تستغرق من 20 إلى 25 دقيقة فقط. هذا الفارق الزمني الكبير يترجم مباشرة إلى توفير ملايين اللترات من الوقود والمحروقات، وتقليل الانبعاثات الضارة بالبيئة، فضلاً عن تحسين الصحة النفسية للمواطن الذي كان يذهب لعمله مستهلكًا نفسيًا وبدنيًا بسبب الاختناقات المرورية. هذه المشروعات "جابت تمنها" من فروق استهلاك الوقود فقط كحسابات دولة.
س: لنتحدث عن ملف الحوادث.. لسنوات طويلة كان "الطريق" هو المتهم الأول في أي حادثة، فهل تغير هذا المفهوم؟
ج: نعم، تغيرت الثقافة تمامًا والمفهوم القديم بـ"طريق الموت" تراجع بنسبة كبيرة جدًا. وبناءً على التحليلات الدقيقة للحوادث التي تجري حاليًا، تبين أن الأخطاء البشرية وحالة السيارات الفنية أصبحت تضغط كأسباب رئيسية لا تقبل المقارنة بأسباب عيوب الطرق. الأسباب الآن تنحصر في القيادة تحت تأثير مواد معينة، أو تسليم سيارات النقل لقاصرين، أو القيادة لفترات طويلة دون راحة، أو إهمال الصيانة مثل حادثة الدائري مؤخرًا التي نتجت عن انفلات المقطورة من السيارة النقل في توقيت غير مخصص لمرور النقل. والإحصائيات الرسمية تؤكد أن معدلات الحوادث انخفضت بنسبة تتراوح بين 45% إلى 50%، رغم أن حجم أعداد السيارات المرخصة في مصر تضاعف بشكل ضخم خلال نفس الفترة، وهذه النسبة تعكس جودة التطوير.
س: ما هي الإجراءات الفنية التي اتخذتها الوزارة لفصل حركة النقل الثقيل عن الملاكي؟
ج: قمنا بإنشاء حارات مرورية مخصصة ومعزولة تمامًا للنقل الثقيل (عبر رصف خرساني صلب) في الطرق السريعة مثل طرق السويس، والسخنة، والإسماعيلية بواقع طرق خدمة تضم 3 حارات مرورية منفصلة، وهذا قضى تمامًا على رهبة وخطر سير الملاكي بجوار النقل الثقيل. وحاليًا نعمل على تطوير "الطريق الدولي الساحلي" الذي يربط موانئ بورسعيد، دمياط، والإسكندرية، ونقوم بإنشاء طرق خدمة خرسانية له لأن حجم حركة النقل عليه رهيبة؛ كونه يخدم الدلتا بأكملها، ونحن نتدخل فيه "بمشرط جراح" لإنجازه في أسرع وقت وفصل الحركة تمامًا لإنهاء خطر حوادث السرعة الزائدة أو التشتت.

اليوم السابع فى حوار مع مساعد وزير النقل
س: بمناسبة الرصف الخرساني، لماذا لا يتم وضع طبقة أسفلتية فوق الخرسانة لتنعيم السطح؟
ج: هذا سؤال يتردد كثيرًا، ولكن من الناحية الهندسية لا يصح وضع الأسفلت فوق الخرسانة؛ لأن الخواص الفيزيائية والميكانيكية للمادتين مختلفة تمامًا. الخرسانة مادة صلبة تحتاج بشكل إلزامى إلى "فواصل إنشائية" لتتحمل عمليات الانكماش في البرد والتمدد في حر الصيف؛ ولا بد من فاصل يأخذ هذا الفرق. فإذا قمنا بوضع طبقة أسفلتية فوقها لمجرد التنعيم، ستجد الأسفلت قد "دبب" وشرخ وتفتت عند كل فاصل خرساني بعد سنة أو سنتين على الأكثر نتيجة حركة الخرسانة تحته؛ فكرة دمج الأسفلت فوق الفواصل مباشرة لم تنجح هندسيًا، لذا نترك الرصف الخرساني بحالته ليعيش عمره الافتراضي الطويل كاملاً. والخرسانة ميزتها أنها موفرة على المدى البعيد لأنها تتحمل الأثر التدميري للحمولات الثقيلة للنقل دون تآكل.
س: حظي الصعيد بنصيب الأسد من محاور النيل الجديدة.. كيف غيرت هذه المحاور وجه الاستثمار هناك؟
ج: محافظات الصعيد كانت طاردة للعمالة والاستثمار بسبب خنقها جغرافيًا، وبإنشاء محاور النيل العرضية التي يبلغ طول المحور الواحد منها من 30 إلى 40 كيلومترًا، نجحنا في ربط الطريق الصحراوي الشرقي بالزراعي الشرقي والزراعي الغربي والصحراوي الغربي كشبكة واحدة متكاملة، وليس مجرد كوبري تقليدي لعبور ضفتي النيل. هذا التطوير جعل المواطن والمستثمر يخرج من الحيز الضيق ويسكن ويزرع في الظهير الصحراوي للمدن الجديدة (مثل سوهاج الجديدة، بني سويف الجديدة، والمنيا الجديدة) المرتبطة بالطرق السريعة. المناطق الصناعية بالصعيد أصبحت جاذبة للمستثمرين لتوفر العمالة في محل إقامتها، مما خفض بشكل كبير معدلات الهجرة الداخلية والضغط على القاهرة.
وتذكرت موقفًا مع الفريق كامل الوزير في سوهاج أثناء معاينة مسار القطار السريع أمام المطار؛ وجدنا الأهالي قد استصلحوا مساحات صحراوية شاسعة وحولوها لأراضٍ خضراء تنتج وتعمل، فقرر الوزير فورًا ترحيل مسار القطار قليلاً وتعديل المخطط هندسيًا للحفاظ على تلك الأراضي المزروعة وعدم المساس بجهد الناس وتعبهم.

حوار اليوم السابع
س: محور "بديل خزان أسوان" كان تحديًا هندسيًا فريدًا وسط الصخور.. ما هي كواليس هذا الإنجاز؟
ج: محور بديل خزان أسوان نقل المحافظة نقلة نوعية تمامًا. قديمًا، كان المواطنون في منطقة غرب سهيل يعتمدون على بديلين صعبين للعبور؛ إما صعود 20-30 كم شمالًا للعبور عبر الكوبري المعلق ثم العودة جنوبًا لقطع مسافة 60 كم في ساعة كاملة، أو المرور فوق جسم "خزان أسوان" القديم الذي يعود لعام الثمانينات تقريبا وكان يسمح بالمرور في اتجاه واحد فقط بالتبادل، بالإضافة لحاجته لصيانات مستمرة تستلزم الإغلاق التام وتوقف حركة المرور.
الفكرة جاءت بإنشاء محور جديد شمال الخزان، والتحدي الهائل كان العمل وسط صخور الجرانيت الصلبة؛ حيث كان شق متر واحد يوميًا يعد إنجازًا كبيرًا. من الناحية الهندسية، واجهنا وجود "فالق أرضي جيولوجي" في منطقة مجرى النيل تتطلب معالجة وحسابات إنشائية معقدة جدًا لتصميم وطريقة تصنيع الفواصل الإنشائية حتى يمر المواطن بمركبته دون أن يشعر بأي اهتزاز، والحمد لله نجحنا في حل الأزمة وتخفيف المعاناة تمامًا.
س: وماذا عن الربط الدولي مع دول الجوار والعمق الإفريقي.. أين وصلنا في مشروع "طريق كيب تاون" ومحور "مصر - تشاد"؟
ج: نحن نطور حاليًا طريق الصعيد الصحراوي الغربي الخرساني المخصص للنقل ليمتد بكامل قطاعه حتى قسطل وأرقين على حدودنا مع السودان الشقيق، وهو جزء من طريق "القاهرة - كيب تاون" الإستراتيجي، ونسعى لتنفيذ كل دولة قطاعها لربط القارة بريًا على غرار أوروبا. أما بخصوص محور "مصر - تشاد"، فقد اتخذت الدولة المصرية فيه خطوات إيجابية لتنفيذه داخل قطاعنا المحلي. تشاد دولة حبيسة ليس لها منافذ بحرية، وتعتمد كليًا على ميناء "دوالا" بالكاميرون في غرب إفريقيا؛ مما يضطرها لنقل البضائع لمسافة تزيد عن 2000 كم برًا بتكلفة باهظة وتحت رحمة الضرائب الكاميرونية دون بديل. تشاد تحلم بمنفذ على البحر الأحمر، وإذا تم تشغيل هذا الخط عبر مصر برًا وصولاً إلى ميناء سفاجة، فإن بضائع شرق آسيا والدول العربية ستصل لقلب إفريقيا مباشرة. نحن نستهدف وصول تجارتنا وصناعتنا لقلب إفريقيا (تشاد، إفريقيا الوسطى، الكاميرون، نيجيريا، والسنغال) ضمن منظومة الموانئ البرية والمحاور اللوجستية العالمية.
س: ما هي طبيعة الشراكة والتبادل التجاري المتوقع مع تشاد من خلال هذا المحور؟
ج: الشراكة قائمة على تبادل المصالح؛ تشاد تمتلك ثروة حيوانية هائلة تتخطى 150 مليون رأس ماشية (منها 40 مليون رأس أبقار)، لكنها لا تمتلك بنية تحتية أو كهرباء أو منظومة للتعليف والتسمين والإنتاج، والطريق البري سيفتح هذا المجال للاستثمار والصناعات المشتركة مثل الجلود والألبان. حاليًا، هناك 4 إلى 5 رحلات طيران أسبوعية بين مصر وتشاد، 90% من ركابها تشاديون يأتون لـ"السياحة العلاجية" في مصر، ولتغطية مصاريف سفرهم ينزلون الأسواق المصرية ويشترون منتجات بضائع ويشحنونها معهم بالطائرات لبيعها هناك. فإذا وفرنا محورًا لوجيستيًا بريًا يمتد من (ميناء برنيس - أسوان - توشكى - شرق العوينات - وصولاً لتشاد)، وأقمنا منطقة لوجستية في شرق العوينات بمصر، ومنطقة أخرى داخل تشاد في مدينة "أم جرس"، سيحدث تبادل تجاري رسمي ضخم ومخازن للتعبئة والتوزيع تقوم عليها صناعات كبرى.
س: انتقلت مؤخرًا ولاية صيانة كوبري أكتوبر وكباري النيل بالعاصمة إلى وزارة النقل بتوجيهات رئاسية.. ما هي خطتكم الفورية لإصلاح عيوب كوبري أكتوبر؟
ج: بالفعل، بتوجيهات من رئيس الجمهورية، انتقلت ولاية كافة الكباري العابرة للنيل داخل كردون القاهرة الكبرى وكوبري أكتوبر من المحافظة إلى وزارة النقل (الهيئة العامة للطرق والكباري) لتتولى صيانتها بشكل دائم ومباشر لما تمتلكه الوزارة من إمكانيات فنية وهيئات متخصصة واستشاريين كبار. فور الاستلام، شكلنا لجنة عاجلة بالتعاون مع الهيئة الهندسية والمحافظة، وتم تحديد العيوب بدقة؛ وأبرزها الفواصل العرضية التي يفوق عددها 600 فاصل بالكوبري (وهو رقم ضخم جدًا يتسبب في تهدئة السيارات وحدوث تكدسات مرورية)، بالإضافة إلى وجود نقر في السطح الأسفلتي ببعض القطاعات. التحركات جرت سريعًا وجاري معالجة الفواصل والنقر حاليًا، وخلال 3 أشهر إن شاء الله ستظهر الأمور بشكل متميز ومختلف تمامًا. الكباري لها "كتالوج صيانة دوري سنوي" يجب اتباعه بدقة بدلاً من الانتظار لحين حدوث المشكلة ثم عمل "ترميمات مسكنة"، فالطرق والكباري تحتاج لصيانة وقائية دورية، لكن أحيانًا كانت الاعتمادات المالية المحدودة لدى المديريات بالمحافظات تعجزها عن ملاحقة حجم الصيانة المطلوبة.
س: ما هي التقنيات التكنولوجية الحديثة التي أدخلتها الوزارة لتسريع أعمال الرصف والصيانة دون تعطيل حركة المرور؟
ج: أدخلنا تقنيات رصف حديثة للغاية وفرت الوقت والمال وحافظت على البيئة؛ أهمها تقنية الـ FDR (Full Depth Reclamation) لإعادة تدوير رصف الطرق بكامل العمق في مكانها ودكها ثم وضع طبقة أسفلتية مباشرة دون الحاجة لغلق الطريق طوال اليوم أو نقل المخلفات لمقالب عمومية، وحاليًا تمتلك الشركات معدات حديثة لها. والتقنية الثانية هي المايكرو سيرفيس (Micro-surfacing) وهي التي استخدمناها لعلاج النقر والعيوب السطحية بشكل سريع ومؤقت على كوبري أكتوبر وتتميز بالعمل ليلاً بمرونة تامة لفتح المرور صباحًا، بالإضافة لتقنية الـ CIR لإعادة تدوير طبقات الأسفلت السطحية. نحن لا نعمم تقنية واحدة، بل تنزل الفرق الفنية لتحدد ما ينطبق مع حالة الطريق، وفي حالات التراكم الأسفلتي الكبير على مدار السنين نلجأ للطرق التقليدية لكشط الطبقات الزائدة.
س: تشهد مصر طفرة في مشروع القطار الكهربائي السريع.. ما هو حجم هذا المشروع مقارنة بتجارب دول الجوار؟
ج: مشروع القطار الكهربائي السريع يمثل نقلة تاريخية وجبارة غير مسبوقة لمصر، وهو يدخل في صلب عملنا وتكامل الطرق معه. هناك دولتان عربيتان سبقتانا في هذا المجال وهما المملكة العربية السعودية عبر "قطار الحرمين" الرابط بين مكة والمدينة، والمغرب الشقيق الذي نفذ خطًا بطول نحو 200 كم ما بين الدار البيضاء ومدينة أخرى. أما نحن في مصر، فننفذ شبكة عملاقة يبلغ إجمالي أطوالها 2000 كيلومتر كاملة. المرحلة الأولى وحدها (الخط الأخضر) تمتد بطول 650 كيلومترًا من العين السخنة مرورًا بالعاصمة الإدارية، القاهرة، أكتوبر، برج العرب، ويتفرع منها خط للإسكندرية وآخر باتجاه العلمين، رأس الحكمة، ومرسى مطروح. هذا الخط سينقل مصر إلى قطاع تنموي آخر تمامًا.
س: يرى البعض أن القطار السريع لخدمة ركاب الرحلات فقط، فما هو العائد الاستثماري والتجاري منه؟
ج: خطأ كبير اختزال القطار السريع في نقل الركاب فقط؛ الركاب جانب أساسي طبعًا، ولكن الهدف الأشمل والأعمق هو "نقل البضائع" وخلق محاور ومناطق لوجستية متكاملة. نحن نربط ميناء العين السخنة على البحر الأحمر بميناء الإسكندرية وبرج العرب على البحر المتوسط، مرورًا بالمناطق الصناعية الكبرى في العاصمة الإدارية، الجيزة، و6 أكتوبر، والسادات. هذا الربط سيعيد صياغة حركة التجارة الدولية، ودعني أذكرك بأزمة السفينة (Evergreen) التي جنحت في قناة السويس سابقًا؛ القطار السريع لن يكون بديلاً كاملاً لقناة السويس ولكنه سيحل معادلة لوجستية هامة جدًا من خلال نقل البضائع الحساسة التي تتطلب سرعة فائقة في النقل طوال الوقت، كما أن الاعتماد على السكك الحديدية يرفع معدلات الأمان وينقل كميات أضخم ويخفف بشكل مباشر الأحمال الضخمة عن شبكة الطرق.
س: هل ترتبط هذه المنظومة بفكرة "الموانئ الجافة" التي توسعت فيها الدولة مؤخرًا؟
ج: بالتأكيد، الفكرة متكاملة؛ إنشاء ميناء جاف بعيدًا عن الموانئ البحرية يتيح إنهاء الإجراءات الجمركية بالكامل (صادر ووارد) في الداخل، مما يخفف الضغط عن الموانئ البحرية وشبكة الطرق والكباري وكل شيء. وميناء 6 أكتوبر الجافي الذي يعمل بكفاءة حاليًا مربوط بالكامل بشبكة سكك حديد الواحات لنقل البضائع بالحاويات عبر القطارات؛ مما يحقق سيولة مرورية واقتصادية متميزة ويخفف العبء عن الطرق السريعة.
س: لماذا تم منح الأولوية لتشغيل الخط الأول من القطار السريع؟ وهل هناك ربط مع الصعيد؟
ج: المخطط كان للخط الأول حقيقة وفقًا للكثافة السكانية المرتبطة بالتجارة وحركة الركاب، ولكن بتوجيهات حاسمة ومباشرة من الرئيس وجه بضرورة مد وتكامل الخطوط لتربط كافة محافظات الصعيد والبحر الأحمر لخدمة قطاع السياحة، وحركة التجارة، والمناطق الصناعية والزراعية هناك ليكون مشروعًا عملاقًا متكاملاً وشبكة موحدة، ومردوده الإيجابي على كافة المجالات سيفوق توقعات الجميع فور اكتماله.
س: ما هو دور هيئة الطرق والكباري والشركات المصرية في تنفيذ هذا المشروع العملاق؟ ومتى تبدأ تجارب التشغيل الفعلي؟
ج: الهيئة والشركات الوطنية المصرية هي التي تتولى بالكامل تنفيذ الجسور الترابية، الكباري، الأنفاق، وكافة الأعمال المدنية والصناعية للخط، بالإضافة لطبقة الأساس. بعد ذلك، تتسلم الشركة العالمية لتقوم بتركيب السكك الحديدية، الأنظمة الكهربائية، والاتصالات. وبإذن الله، نخطط لبدء تجارب التشغيل وحركة القطارات على الخط في أول السنة القادمة؛ حيث ستشهد نهاية السنة القادمة تحرك القطار تجريبيًا في القطاع الممتد من أكتوبر إلى برج العرب واتجاه العلمين في هذه المنطقة، وكذلك من العاصمة الإدارية هنا، ليرى المواطنون القطار على القضبان رسميًا كأول تجارب حية.
س: كوبري "خور مايو" أثار إعجاب المتخصصين.. ما هي طبيعة هذا الإنجاز ولماذا تم إنشاؤه؟
ج: كوبري "خور مايو" هو "أعلى كوبري في مصر وإفريقيا"، واختيار مسار القطار السريع واجه تحدي وجود وادي طبيعي عميق وجبار (خور مايو) وكان من الصعب هندسيًا تفادي هذه المنطقة. واشتراطات القطار السريع الهندسية تمنع تمامًا عمل ردم ترابي بارتفاع يتجاوز 50 مترًا، بينما كان الارتفاع في ذلك الوادي يصل لنحو 88 مترًا؛ لذلك كان القرار بإنشاء كوبري. تم التنفيذ بنظام إنشائي متطور وحسابات معقدة يُطبق لأول مرة في مصر بارتفاع 88 مترًا ليربط شرق الوادي بغربه وسط التضاريس الصعبة. والإنجاز الحقيقي الذي نفتخر به هو أن الكوبري نُفذ بالكامل بأيادٍ وعقول وتقنيات مهندسين وشركات مصرية 100%.
س: هل تعتمد مصر على خبرات أجنبية في قطاع الطرق والكباري حاليًا؟
ج: أؤكد لك بكل ثقة: قطاع الطرق والكباري في مصر أصبح "مصرى خالص" ولا نحتاج لأي عنصر أجنبي على الإطلاق؛ فكل مشروعاتنا تُنفذ بشركات ومهندسين وعمال مصريين. بل إن الشركات المصرية اكتسبت خبرة هائلة بفضل المشروعات الضخمة المنفذة داخل الدولة، وبدأت بالفعل في الخروج والعمل وتنفيذ مشروعات عملاقة خارج مصر في الدول الإفريقية ولها اسم كبير هناك. وأي وفد دولي يزور وزارة النقل وينظر إلى حجم الإنجاز، ينبهر بشدة ويقول "يا ريت شركاتكم دي تيجي تاخد شغل عندنا في دولنا الإفريقية للاستفادة من خبراتكم". شبكة الطرق والكباري والنقل هي العنصر الأساسي الذي جذب استثمارات عالمية عملاقة مثل مشروع "رأس الحكمة" في الساحل الشمالي الذي ينقل الساحل بأكمله، والاستثمارات في البحر الأحمر، فالشركات العالمية لا تضخ أموالها إلا بوجود بنية أساسية قوية وشبكة نقل متكاملة، وهذا ما نجحنا في تحقيقه.




