في فجر ثقيل خيم على حي الصبرة بمدينة غزة، انطفأ منزل كان يوما يمتلئ بأصوات الحياة، بعدما استهدف الاحتلال، شقة سكنية في شارع الغرفة التجارية، لتنتهي خلال لحظات قصة أسرة كاملة، وتُطوى صفحات ستة أفراد كانوا يشكلون عالما صغيرا لا يعرف تفاصيله إلا جدران البيت وقلوب من أحبّوهم.
استشهاد أسرة بأكملها
كان فراس أحمد المصري يعيش مع زوجته سلسبيل محمد علي المصري وأطفالهما الأربعة نعيم، وفريال، وسلمى، والرضيعة أميرة، بيت عادي يحمل أحلاما بسيطة، ضحكات أطفال، تفاصيل يومية صغيرة، وأمنيات مؤجلة ليوم أكثر هدوءا، لكن ذلك فجر 21 يوليو جاء مختلفا، فتحول المكان الذي كان يحميهم إلى مسرح للفقد، وغاب أفراد العائلة جميعا تحت الركام.

عائلة فراس أحمد المصرى
لم ينج أحد من الأسرة، رحل الأب والأم وأطفالهم الأربعة في لحظة واحدة، لتُمحى عائلة المصري بأكملها من السجل المدني، ويبقى اسمها شاهدا على حجم المأساة التي يعيشها المدنيون في غزة.
وبحسب إفادات متداولة من شهود في المكان، اندلع حريق داخل الشقة عقب الاستهداف، ما جعل عمليات الإنقاذ أكثر صعوبة، بينما كانت الأسرة داخل منزلها لحظة وقوع القصف، وبينما كانت النيران تلتهم ما بقي من المكان، كان الأهالي يقفون عاجزين أمام مشهد يفوق قدرة الكلمات على وصفه.

منزل فراس أحمد بعد استهدافه
انكسار عائلة بأكملها
لم تكن تلك النار مجرد حريق التهم جدرانا وأسقفا، بل كانت لحظة انكسار لعائلة بأكملها، خلف تلك النوافذ كان هناك بيت يحمل ذكريات، وأطفال يرسمون مستقبلهم الصغير، وأب وأم يحاولان صناعة حياة طبيعية وسط واقعٍ قاس، وفي دقائق قليلة، تحولت تلك التفاصيل إلى رماد، وتحول المنزل الآمن إلى شاهد صامت على الفقد.
كان فراس، وسلسبيل، ونعيم، وفريال، وسلمى، وأميرة، قبل أن تصبح في قوائم الضحايا، أسماء مرتبطة بحكايات وأصوات ووجوه يعرفها أهلها وجيرانها، لكن الحرب تختصر أحيانا حياة كاملة في سطر واحد، وتحول البشر الذين عاشوا سنوات من الأحلام والذكريات إلى أرقام في سجلات الموت.

منزل فراس أحمد بعد احتراقه
مأساه أخرى لعائلة فراس
ولم تكن هذه الفاجعة الأولى التي تطرق باب العائلة، فقبل أشهر قليلة كان فراس أحمد قد فقد عددا من أقاربه، بينهم أبناء شقيقه، لتعود المأساة اليوم بصورة أشد قسوة، بعدما رحل من تبقى من الأسرة الصغيرة ولم يبق أحد يحمل اسمها داخل المنزل.
في محيط البيت المدمر بحي الصبرة، وقف الأهالي أمام الأنقاض، وأقيم بيت عزاء اختلطت فيه كلمات المواساة بصمت ثقيل، لم يكن هناك ناج من العائلة ليسرد تفاصيل اللحظة الأخيرة، ولا طفل يعود إلى مكانه المعتاد، ولا أم تفتح باب المنزل لاستقبال الأحبة، بقيت فقط آثار الحريق، ورائحة الدمار، وذكريات معلقة فوق الركام.
وفي مكان آخر من غزة، تتكرر المشاهد ذاتها، نيران تلتهم منازل، وطواقم إنقاذ تواجه واقعا أنهكته الحرب، بعدما تضررت الإمكانات وتقلصت القدرة على الوصول إلى كل من يحتاج المساعدة، فأن ترى بيتا يحترق وأصوات الاستغاثة لا تجد طريقا سريعا للنجدة هو مشهد يختصر مقدار الألم الذي يعيشه الناس داخل القطاع تحت القصف.

أبناء فراس أحمد المصري
انهيار الدفاع المدني بغزة
ضعف الحماية المدنية في غزة، أكده محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني بالقطاع، الذي يشير إلى أن رجال الدفاع المدني يعملون في واحدة من أقسى البيئات الإنسانية التي شهدها العالم في العصر الحديث، يؤدون واجبهم الإنساني في ظل ظروف استثنائية، وسط الدمار الواسع، والاستهداف المتكرر، والنقص الحاد في المعدات والآليات ووسائل الحماية.
وأضاف أن الدفاع المدني في غزة أصبح خط الدفاع الأخير عن المدنيين، وفرق الإنقاذ تواصل انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وإخماد الحرائق، والاستجابة للغارات، وإنقاذ الأرواح، رغم المخاطر اليومية التي تهدد حياة أفرادها، وفقد العديد من هؤلاء الرجال حياتهم أثناء أداء واجبهم الإنساني، بينما تعرضت مقراتهم وآلياتهم للتدمير، مما قلص قدرتهم على الاستجابة للكوارث الإنسانية.
وأشار إلى أن المنظمة الدولية للحماية المدنية أُسست لتعزيز التعاون والتضامن بين أجهزة الحماية المدنية حول العالم، ودعمها في أداء رسالتها الإنسانية، ومن هذا المنطلق، فإننا نتطلع إلى دور أكثر فاعلية في دعم جهاز الدفاع المدني الفلسطيني في غزة، بما ينسجم مع المبادئ الإنسانية التي قامت عليها منظمتكم.
ودعا إلى ضرورة اتخاذ خطوات عملية وعاجلة لدعم قدرات الدفاع المدني في القطاع بالمعدات والآليات ووسائل الإنقاذ والإطفاء، والعمل على حماية طواقم الدفاع المدني وضمان احترام القانون الدولي الإنساني الذي يكفل سلامة العاملين في المجال الإنساني، وإرسال بعثات مهنية لتقييم الاحتياجات الميدانية ووضع خطة عاجلة لإعادة تأهيل القدرات، وحشد الدول الأعضاء لتقديم الدعم الفني واللوجستي والإنساني اللازم لضمان استمرار خدمات الإنقاذ وحماية المدنيين.
غزة لا تفقد حجارتها فقط، بل تفقد حكايات من عاشوا بين تلك الحجارة، فكل منزل مهدّم يحمل أسماء ووجوها وذكريات، وكل عائلة تُفقد تترك وراءها فراغا لا تملؤه الكلمات، نعم رحلت عائلة فراس المصري كاملة، لكن أسماءها بقيت شاهدة على قصة إنسانية مؤلمة، أب وأم وأربعة أطفال كانوا حياة كاملة في بيت صغير، ثم أصبحوا أثرا في ذاكرة مدينة لا تزال تبحث عن لحظات نجاة وسط نار لا تهدأ.