على عربة فول بسيطة بأحد شوارع الهرم، تُكتب كل صباح قصة كفاح لا تحتاج إلى مبالغة، بطلها رجل بدأ رحلة العمل منذ طفولته، بعدما ورث المهنة عن والده، وظل متمسكًا بها سنوات طويلة، مؤمنًا بأن لقمة العيش الحلال تستحق كل تعب.
لم تكن رحلته سهلة؛ فقد تعرض لحادث أثّر على حركته بشكل كبير، ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى أصيب بالقدم السكري في القدم نفسها، لتزداد معاناته ويصبح الاعتماد على العكاز جزءًا من تفاصيل يومه.
لكن ما عجزت عنه الإصابات والأوجاع، لم تستطع أن تهزم إرادته أو تدفعه إلى الاستسلام، فمع إشراقة كل صباح، يخرج من منزله متكئًا على عكازه، ويفتح عربته بنفس العزيمة التي عرفها منذ سنوات، مستقبلاً زبائنه بابتسامة صادقة لا تفارق وجهه.
ورغم قسوة الظروف، لا تسمع منه شكوى، بل كلمات يملؤها الرضا والقناعة بما قسمه الله له، فيرى أن أبناءه هم الدافع الحقيقي لاستكمال الطريق، وأن التعب يهون عندما يكون من أجل مستقبلهم، حتى وإن كانت الحياة قد اختبرته بأقسى الظروف.
عم حمدي يكافح على عربة فول معتمدا على العكاز
استند الرجل إلى عربته وهو يستعيد بدايات رحلته، قائلاً: "أنا شغال على عربية الفول من سنة 1980، بدأت وأنا عندي 15 سنة مع والدي، ومن وقتها وأنا مكمل في نفس المهنة".
ويحكي عن أصعب محطة في حياته، عندما تعرض لحادث غيّر الكثير من تفاصيل يومه، قائلاً: "اتعرضت لحادث من حوالي 15 سنة، وركبت في رجلي مسامير وشرائح، العربية اللي خبطتني مشيت من غير حتى ما تقف أو تطمن عليّا، وإخواتي هما اللي لحقوني ونقلوني للمستشفى".
حمدي إبراهيم بائع الفول
ولم تتوقف معاناته عند الحادث، إذ أصيب بعده بفترة قصيرة بالقدم السكري في القدم نفسها، فأصبحت حركته أكثر صعوبة. يقول: "من وقت الحادث وأنا مش قادر أمشي على رجلي بشكل طبيعي، وبعتمد على العكاز في الحركة، وبعدها جالي القدم السكري في نفس الرجل".
وعن أسرته، يبتسم بفخر ويقول: "ربنا رزقني بأربعة أولاد، واحد في الجامعة، واثنين في مراحل التعليم، وبنت جوزتها من أربع سنين".
حمدي يقف على عربة فول بالعكاز من أجل أسرته
ورغم ظروفه الصحية، يبدأ يومه قبل طلوع الفجر، موضحًا: "بخرج من البيت الساعة 3 الفجر، وبفضل في الشغل لحد الساعة 2 الضهر، وكل اللي بيهون عليا التعب إني بشتغل عشان عيالي، ومحدش يقدر يوم يعايرهم بحاجة، الحمد لله، طول ما الرزق من شغل حلال أنا راضي".
ويؤكد أن العمل بالنسبة له ليس مجرد مصدر دخل، بل قيمة تربى عليها منذ الصغر، فيقول: "أكتر حاجة بحبها هي الشغل، عمري ما عرفت أقعد من غير شغل، ووالدي رباني على إن لقمة العيش الحلال هي أغلى حاجة، وأصعب حاجة بالنسبة لي إني أقعد من غير شغل".
عم حمدي يكافح على عربة فول رغم صعوبة حركته
وعندما يتحدث عن أبنائه، تتغير ملامحه تمامًا، ويقول بابتسامة: "أول ما بشوفهم وأنزل أقعد معاهم، بنسى كل التعب والوجع، وضحكتهم بتنسيني أي ألم".
ويضيف مؤكدًا تمسكه بكرامة العمل: "سعيد وأنا واقف على عربيتي، وده أحسن بكتير من إني أمد إيدي لحد، أفضل أعيش من عرقي وتعبي، لأن حياتي كلها عيالي، ومن غيرهم الدنيا ماتسواش".
ويختصر سنوات عمره في درس واحد تعلمه من الحياة، قائلاً: "طول ما فيك صحة ونفس، اشتغل ومتستناش حد يساعدك، الإنسان لازم يتعب عشان يجيب لقمة حلال، لأن محدش هيبني حياتك غيرك".
أما أمنيته الوحيدة، فهي أن يطمئن على مستقبل أبنائه، فيقول: "نفسي يكون ليا معاش أو أي حاجة تأمن مستقبل عيالي لو حصل لي حاجة، بحبهم جدًا، وربنا يعلم قد إيه بخاف عليهم، وعشان كده هفضل أشتغل لآخر يوم في عمري".
حمدي إبراهيم