"اللهم أمتني على الإخوان".. دعاء منسوب إلى أحد قيادات جماعة الإخوان الإرهابية ، يشي بأن أفراد التنظيم يعتبرون لأنفسهم منهجًا خاصًا، وأنهم ليسوا كسائر المسلمين، بل يرون أنهم الفئة المصطفاة، وهو ما يثير تساؤلًا: هل تعتبر جماعة الإخوان نفسها صاحبة دين أو فهم للدين يختلف عن الإسلام؟.
يجيب عن هذا التساؤل أحمد بان، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، مؤكدًا أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تكتفِ بإنشاء تنظيم سياسي ذي مرجعية دينية، وإنما صاغت -وفق رؤيته- منظومة فكرية خاصة فرضتها على أعضائها باعتبارها الإطار الصحيح لفهم الإسلام، حتى أصبحت الالتزامات التنظيمية داخل الجماعة أقرب إلى "دين خاص بالإخوان" لا يقبل أتباعه الخروج عليه.
أركان البيعة.. مدخل لإعادة صياغة فهم الدين
وأوضح بان أن حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية، جعل من "رسالة التعاليم" المرجعية الأساسية لتكوين أعضاء التنظيم، وفي مقدمتها ما يُعرف بـ"أركان البيعة العشرة"، وعلى رأسها ركن "الفهم"، الذي يربط بين الانتماء للجماعة وفهم الإسلام وفق التصور الذي وضعه البنا.
وأشار إلى أن قيادات الجماعة، ومن بينهم مفتي الإخوان الأسبق محمد عبد الله الخطيب، قدموا "رسالة التعاليم" باعتبارها الإطار الذي يصوغ شخصية العضو فكريًا وسلوكيًا، ويحدد له طريقة فهم الدين والعمل به داخل التنظيم.
حسن البنا أعاد تعريف الإسلام بمنظور تنظيمي
ويرى الباحث أن أخطر ما طرحه حسن البنا تمثل في إعادة صياغة مفهوم الإسلام، عندما قدمه باعتباره "نظامًا شاملًا" يجمع بين الدين والدولة والحكومة والسلطة والجيش والاقتصاد، معتبرًا أن هذا التعريف لم يكن مجرد اجتهاد فكري، بل أسس لربط الدين بالمشروع السياسي للتنظيم.
وأوضح أن الفقه الإسلامي عبر تاريخه عرف الدين باعتباره عقيدة وعبادات وأخلاقًا وتشريعات، بينما توسع البنا في المفهوم ليمنحه أبعادًا سياسية وتنظيمية، بما يجعل الوصول إلى الحكم جزءًا أصيلًا من المشروع الديني الذي تتبناه الجماعة.
الحكم في قلب المشروع الإخواني
وأكد بان أن المتأمل في أدبيات حسن البنا يلاحظ أن مفردات الدولة والحكم والسلطة تحتل مساحة واسعة داخل خطابه، بما يعكس أن المشروع السياسي كان حاضرًا منذ البداية، وليس مجرد نتيجة لتطورات لاحقة داخل الجماعة.
وأضاف أن التجربة العملية للإخوان الإرهابية خلال فترة وجودهم في الحكم لم تقدم نموذجًا مختلفًا في الإدارة أو بناء الدولة، معتبرًا أن الجماعة لم تنجح في تقديم رؤية جديدة للحكم، رغم أن أدبياتها قدمت الوصول إلى السلطة باعتباره جزءًا من مفهومها للدين.
الطاعة للمرشد فوق كل اعتبار.. الدين الإخوانى
وأشار الباحث إلى أن أدبيات الجماعة كرست مبدأ السمع والطاعة للمرشد العام وقيادات التنظيم، لافتًا إلى أن حسن البنا منح رأي "الإمام" ونائبه مكانة كبيرة في إدارة شؤون الجماعة، بما جعل الطاعة التنظيمية جزءًا من الالتزام الفكري والديني لأعضائها، بل اعتبر أن طاعته تعد هي الدين.
وقال بان :" دين الإخوان الإرهابية سيكونون جنوداً للقائد الأعلى الذي هو المرشد العام للإخوان في ولاية الفقيه السنية التي يدعون إليها، فيجب أن يطيعوه كما يطيعون ولي الأمر الشرعي ونائبه مهما خالفت أوامره ما يعرفونه من خلق أو دين (الإمام هنا هو البنا ونائبه هو شقيقه عبد الرحمن الساعاتي) يقول البنا في شرح الأصول العشرين "ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهاً عدة، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية".
وأوضح أن هذا التصور، بحسب قراءته، حول القيادة داخل التنظيم إلى مرجعية تتجاوز حدود العمل الإداري والتنظيمي، لتكتسب بعدًا دينيًا يفرض على الأعضاء الالتزام الكامل بقراراتها.
تقسيم المجتمع وفق رؤية الجماعة
ولفت بان إلى أن حسن البنا قسم الناس في "رسالة دعوتنا" إلى أربع فئات، هي: المؤمن، والمتردد، والنفعي، والمتحامل، معتبرًا أن هذا التصنيف لا يترك مساحة للمسلمين الذين لا ينتمون إلى الجماعة أو لا يتبنون رؤيتها.
وأضاف أن هذا التصور يعكس نزعة احتكارية لفهم الدين، ويجعل الانضمام إلى الجماعة معيارًا للإيمان الحقيقي، بينما يُنظر إلى غير المنتمين إليها باعتبارهم خارج هذا الإطار، وهو ما وصفه بأنه يفتح الباب أمام صورة من صور الإقصاء الفكري.
احتكار الحقيقة والاستعلاء على المجتمع
وشدد على أن خطابات حسن البنا رسخت لدى أعضاء التنظيم شعورًا بامتلاك الحقيقة المطلقة والوصاية على المجتمع، من خلال تقديم الجماعة باعتبارها الممثل الحقيقي للإسلام، منوها بأن أعضاءها هم ورثة الرسالة وأصحاب الفهم الصحيح للدين، وهو ما أسهم -بحسب رأيه- في تكوين عقلية تنظيمية تقوم على الاستعلاء واحتكار شرعية الأفكار والقيم والسلوك، وجعلت من الجماعة معيارًا للحكم على الآخرين، وليس مجرد تنظيم دعوي أو سياسي.