تشهد الساحة السودانية تصعيدًا متزامنًا على المستويين العسكري والدبلوماسي، ففي الوقت الذي كثف فيه الجيش السوداني غاراته الجوية ضد تحركات الدعم السريع في إقليم كردفان، كشفت صور أقمار صناعية نشرها مختبر الشئون الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية عن تدمير واسع لقرى وأسواق في شمال دارفور، وسط اتهامات للدعم السريع بتنفيذ عمليات حرق ونهب واستهداف للمدنيين.
وفي موازاة ذلك، تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من العقوبات على السودان على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، وهو ما ترفضه الحكومة السودانية بشكل قاطع، لتزداد الضغوط على البلاد سياسيًا واقتصاديًا، بينما تستمر الحرب في تعميق الأزمة الإنسانية.
غارات تستهدف تحركات الدعم السريع
أعلنـت غرفة طوارئ دار حمر أن الطيران الحربي السوداني نفذ، السبت، غارات استهدفت قوة تابعة لقوات الدعم السريع كانت تتحرك من منطقة جبل العوينات باتجاه إقليم دارفور.
وبحسب الغرفة، أسفرت الضربات عن تدمير 14 عربة قتالية كانت ضمن قوة يقودها عبد الله شغب، بعد تمركزها في عدة مواقع داخل إقليم كردفان.
وأوضحت أن عناصر الدعم السريع انتشرت في مناطق النايم وأرمل وأم نحل والضريس، حيث أقامت مواقع ميدانية، بينها منصة للتشويش وإطلاق الطائرات المسيّرة داخل غابة شرق قرية أم نحل، فيما تمركزت عناصر أخرى داخل إحدى المدارس بمنطقة الضريس، وفقا لوسائل إعلام محلية.
وأشارت إلى أن الغارات شملت مواقع في شمال وجنوب وغرب كردفان، بينما نجا أحد القادة الميدانيين للدعم السريع من الاستهداف.
الأقمار الصناعية توثق تدمير قرى وأسواق
في تطور موازٍ، نشر مختبر الشئون الإنسانية التابع لجامعة ييل الأمريكية تقريرًا مدعومًا بصور أقمار صناعية، قال إنه يوثق تدمير قرى وأسواق تقطنها غالبية من قبيلة الزغاوة في ولاية شمال دارفور.
وأوضح التقرير أن التحليل أظهر أضرارًا تتوافق مع عمليات حرق متعمد في أربع مناطق سكنية هي خزان أورشي، وقربارة، وأم برو، وأبو ليحة، خلال الفترة بين 12 يونيو و7 يوليو 2026.
كما أكد التقرير تعرض ثلاثة أسواق على الأقل لأضرار واضحة، مرجحًا أنها كانت أهدافًا مباشرة للهجمات، بعدما أظهرت الصور احتراق مبانٍ داخل الأسواق أو في محيطها المباشر.
خزان أورشي.. بؤرة الصراع في شمال درافور
وأشار التقرير إلى أن ميليشيا الدعم السريع شنت منذ منتصف يونيو هجمات متكررة على القرى المحيطة بخزان أورشي، الذي يمثل المصدر الرئيسي للمياه في محلية أم برو.
ووفقًا للمختبر، تضمنت الهجمات إحراق قرى بالكامل، ونهب الممتلكات، والاستيلاء على الماشية، واستخدام الطائرات المسيّرة، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة قتال مع القوة المشتركة التي أعلنت لاحقًا استعادة أجزاء منها.
كما وثقت صور الأقمار الصناعية احتراق أجزاء من سوق أم برو، إضافة إلى أضرار واسعة في سوقي خزان أورشي وقربارة.
وأشار التقرير إلى أن مصادر محلية تحدثت عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة عشرة آخرين خلال الهجمات على خزان أورشي، فضلًا عن نزوح مئات المدنيين.
آثار إنسانية متفاقمة
حذر مختبر ييل من أن استهداف الأسواق ومصادر المياه ونهب الثروة الحيوانية ستكون له تداعيات إنسانية طويلة الأمد.
وأوضح أن آلاف المدنيين ما زالوا عالقين بين التلال والغابات دون مأوى أو مساعدات كافية، بينما تستغرق رحلة الوصول إلى مصادر المياه نحو 12 ساعة في بعض المناطق.
وأكد المختبر أن حجم الدمار قد يكون أكبر بكثير مما أظهرته الصور، نظرًا لمحدودية دقة بعض الأقمار الصناعية، وعدم قدرتها على توثيق الانتهاكات الأخرى، مثل العنف الجنسي والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون.
عقوبات أمريكية تدخل مرحلة جديدة
وفي سياق منفصل، أعلنت الولايات المتحدة أن العقوبات الإضافية المفروضة على السودان بسبب اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من الاثنين 20 يوليو 2026.
وقالت واشنطن إن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية خلال المهلة التي امتدت ثلاثة أشهر.
وتشمل العقوبات معارضة الولايات المتحدة لأي قروض أو مساعدات مالية أو فنية تقدمها المؤسسات المالية الدولية للسودان، مع استثناء المساعدات الإنسانية والغذائية.
كما تتضمن فرض قيود واسعة على تصدير معظم السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان، مع إخضاع المنتجات ذات الاستخدام الأمني أو العسكري لمراجعة صارمة وفق سياسة "افتراض الرفض".
وتشمل الإجراءات أيضًا تعليق تصاريح شركات الطيران الحكومية السودانية لتسيير رحلات من وإلى الولايات المتحدة، على أن تستمر العقوبات لمدة عام على الأقل، ما لم تر الإدارة الأمريكية أن الخرطوم استوفت الشروط القانونية المطلوبة.
الخرطوم ترفض الاتهامات الأمريكية
من جانبها، تواصل الحكومة السودانية رفض الاتهامات الأمريكية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، مؤكدة أنها شكلت لجنة وطنية للتحقيق في المزاعم، وطالبت واشنطن مرارًا بتقديم الأدلة التي تستند إليها.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت في مايو 2025 عقوبات أولية على السودان، قبل أن تعلن في يونيو 2026 حزمة إضافية من القيود بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، لتدخل الآن مرحلة تنفيذ أكثر تشددًا.