سعيد الشحات يكتب:ذات يوم 20 يوليو 1932 .. الأحزان تعم على وفاة الشيخ أحمد ندا مؤسس دولة التلاوة بمصر الذى أحدث ثورة فى طريقة قراءة القرآن أدت إلى سؤال: «هل صوته الجميل حلال أم حرام؟»

الإثنين، 20 يوليو 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب:ذات يوم 20 يوليو 1932 .. الأحزان تعم على وفاة الشيخ أحمد ندا مؤسس دولة التلاوة بمصر الذى أحدث ثورة فى طريقة قراءة القرآن أدت إلى سؤال: «هل صوته الجميل حلال أم حرام؟»

حين توفى مقرئ القرآن الكريم الشيخ أحمد ندا فى 20 يوليو، مثل هذا اليوم، 1932، عمت الأحزان على فقد «صاحب الفضل فى تأسيس دولة التلاوة بمصر ودخولها العصر الحديث، منذ أن احترف تلاوة القرآن فى مطلع القرن العشرين، وبعد سنوات من مولده فى سنة 1868، وفقا للدكتور نبيل حنفى محمود فى كتابه «نجوم العصر الذهبى لدولة التلاوة».


يصف الكاتب محمود السعدنى فى كتابه «ألحان السماء» عمق الأثر الذى أحدثه أحمد ندا فى تلاوة القرآن ورجاله، قائلا: «قبل ظهور الشيخ أحمد ندا، كانت قراءة القرآن مهنة من لا مهنة لهم، شخص حفظ بعض آيات القرآن باجتهاده الشخصى أو عن طريق الكتاتيب المنتشرة فى تلك الأيام، أو طالب لم يوفق فى دراسته الابتدائية، أو رجل أعمى لم يجد وسيلة للرزق إلا قراءة بعض الآيات فى مقابر الفقراء، وكان الأجرة عشوة فى الغالب، أو قرش صاغ، وفجأة ظهر شيخ أسمر اللون، نحيف العود، وسيم القسمات، يقرأ القرآن بشكل جميل وبطريقة مبتكرة، طريقة تجبر السامعين على الجلوس فى أماكنهم ساعات طويلة، وكما أثر الصوت الجديد على عقول ومشاعر المستمعين، فقد أحدث ثورة عارمة بين بعض المشايخ، وكان محور الثورة الذى يدور حوله النقاش والخلاف هو: هل الطريقة المبتكرة فى التلاوة وبهذا الصوت الجميل حلال أم حرام؟».


يضيف «السعدنى» أن الشيخ ندا ترك أصحاب السؤال يتناقشون، ومضى يحقق كل يوم انتصارا باهرا، ويجمع المزيد من المريدين والأنصار، وهكذا قلب الشيخ العبقرى الموازين كلها، ووصل أجره إلى خمسة جنيهات عن الليلة الواحدة، وجاب أقاليم مصر كلها يسهر فى قصور الباشوات ودور العمد والأعيان، ويهرع لسماعه الألوف الذين يعجبون بصوته، ويرتفع أجره إلى عشرة ثم عشرين ثم إلى أربعين جنيها، ثم مائة جنيه عن الليلة الواحدة، وأصبح له حنطور تجره ستة خيول، وقصر يؤمه الشعراء والأدباء ورجال الحكم والسياسة، وأصبحت ندوته هى الشعلة الوحيدة المضيئة وسط الظلام الرهيب، الذى كان يخيم على مصر، وصار واحدا من أعلام مصر الخفاقة، يتردد على صالونه زبدة أهل مصر، ويقف على بابه أصحاب الحاجات، وكان كريما ينفق على سعة، ويوزع النفحات والصدقات.


يؤكد «السعدنى» أن الشيخ أحمد ندا كان من أوائل الذين التفتوا إلى موهبة أم كلثوم، وكان يطرب لصوتها ويقبل على سماعها فى أى وقت، وكانت هى الأخرى تحب سماعه وتطرب لطريقته الفذة فى الأداء، وأحيت حفل زواج ابنه محمود، ورفضت أن تتقاضى أجرا، ويضيف «السعدنى»، أنه لسوء الحظ أن الشيخ أحمد ندا رفض بشدة تسجيل القرآن على أسطوانات لا يليق أن تحمل كلام الله، لأن الناس تتداولها وتحملها بأيد قذرة، وتلقى بها أحيانا على الأرض، ولو سجل الشيخ بصوته العظيم بعض سور القرآن لكسبنا ثروة فنية عظيمة.


أدى عدم تسجيل الشيخ أحمد ندا للقرآن بصوته إلى أن يكون الرجوع إلى كتابات المعاصرين له هى المصدر الوحيد لمعرفة خصائص تلاوته، وفقا لتأكيد نبيل حنفى محمود الذى يستشهد بمقال كتبه عنه الأديب عبدالعزيز البشرى فى الأهرام يوم 5 أغسطس 1932، وضمه إلى الجزء الثانى من كتابه «المختار»، ويقول فيه: «كان صوت الشيخ أحمد ندا له جمال من نوع خاص، كان شديد القوة، يرتفع إلى ما تتقطع دونه علائق غيره من الأصوات، وكان مع هذا عريضا بعيد العرض، كان قرار صوت الشيخ ندا مقفرا واضح الإقفار، ولكن ثروته تكمن فى الطبقات الوسطى وطبقة الجواب لصوته، وكان دائم الاتكاء عليهما فى ترجيعه عامة، فلا يتنزل إلى قراره إلا ليصيب راحة ضئيلة يستجم فيها»، وعن الخصال الإنسانية له يصفه البشرى، قائلا: «كان، أثابه الله، كأمثاله العظماء بالحق، جم التواضع، وافر الأدب، لا يذكر الناس، إن هو ذكرهم، إلا بالخير، عظيم التوافى لمن يعرفهم، طلاعا عليهم ما اعتراهم المكروه».


يذكر نبيل حنفى محمود، أنه فى صباح الخميس 21 يوليو 1932 رجت القاهرة بنعى فى الصحف لمؤسس دولة التلاوة، ونشرت الأهرام نعى أسرته على صفحتها الثامنة، قائلة: «انتقل إلى الدار الباقية، مساء الأربعاء 20 يوليو 1932، المقرئ الشهير الشيخ أحمد ندا، والد كل من الأفندية أحمد ومحمد ومحمود ندا، وستشيع الجنازة فى الساعة العاشرة صباح اليوم «الخميس» من مسجد السيدة زينب، وسيقتصر على إحياء ليلة المأتم بشارع الناول».


يضيف حنفى محمود: «لم يكن أسف الناس على رحيل الشيخ أحمد ندا قد بلغ مداه، حتى روعت القاهرة وقبل أن تشيع جنازته بنبأ وفاة شاعر النيل حافظ إبراهيم فى الخامسة من صباح نفس اليوم «الخميس»، وتحركت جنازة أحمد ندا قبل الظهر تتقدمها جموع المشيعين من بسطاء الناس وكبار رجال الدولة، وفى السادسة مساء انتقل نفس جموع المشيعين ومعهم المزيد من رجال الدولة والأدب ليشاركون فى جنازة حافظ إبراهيم».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة