«مناهج الظل»داخل الأسر التنظيمية.. كيف كشفت شهادات المنشقين وأدبيات الجماعة السرية صناعة «السمع والطاعة»,, وإعادة تشكيل العقول وتحويل الشباب من باحثين عن الدعوة إلى أدوات تخضع لقرارات التنظيم قبل الوطن والأسرة؟

الإثنين، 20 يوليو 2026 12:17 م
«مناهج الظل»داخل الأسر التنظيمية.. كيف كشفت شهادات المنشقين وأدبيات الجماعة السرية صناعة «السمع والطاعة»,, وإعادة تشكيل العقول وتحويل الشباب من باحثين عن الدعوة إلى أدوات تخضع لقرارات التنظيم قبل الوطن والأسرة؟ ثروت الخرباوى

كتبت إسراء بدر

بعيدًا عن الخطب الرنانة والشعارات المعلنة، ظلّت القوة الحقيقية لجماعة الإخوان الإرهابية لعقود كامنة في عالم موازٍ لا يعرفه سوى المنتمين إليها. داخل غرف مغلقة، واجتماعات أسبوعية سرية، وملازم لا تُتداول خارج التنظيم، جرى بناء منظومة تربية داخلية استهدفت إعادة تشكيل شخصية العضو منذ لحظة استقطابه وحتى يصبح ولائه للتنظيم مقدمًا على أي انتماء آخر. ولم تأتِ هذه الصورة من خصوم الجماعة، بل كشفتها شهادات عدد من القيادات السابقة التي عاشت داخل التنظيم لسنوات، وفي مقدمتها ما أورده الدكتور ثروت الخرباوي في كتابه «سر المعبد»، إلى جانب روايات القيادي السابق إبراهيم ربيع، اللذين قدما وصفًا تفصيليًا للبنية الداخلية وآليات صناعة العضو الإخواني.

سر المعبد

 

الأسر التنظيمية.. المدرسة الحقيقية للجماعة

يؤكد الدكتور ثروت الخرباوي في كتاب «سر المعبد» أن الأسر التنظيمية لم تكن لقاءات دعوية عادية، وإنما كانت الخلية الأساسية التي تُبنى فيها شخصية العضو. فداخل هذه الاجتماعات المغلقة تُدرس الملازم التنظيمية، ويُراجع سلوك الأفراد، وتُقاس درجة التزامهم، بينما يتولى مسؤول الأسرة متابعة تفاصيل حياتهم الفكرية والتنظيمية بصورة مستمرة.

ويشير الخرباوي إلى أن هذه الأسر كانت تمثل المصنع الحقيقي لإنتاج الكوادر، إذ لا يقتصر دورها على تثقيف العضو، وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل قناعاته، وبناء ولاء كامل للتنظيم، بحيث يصبح المرجع الأول في حياته.

العزل الشعوري.. بداية الانفصال عن المجتمع

ومن أخطر المفاهيم التي تناولها الخرباوي ما يُعرف بـ"العزل الشعوري"، وهو المفهوم الذي يقوم على إحداث انفصال نفسي بين العضو وبيئته الاجتماعية، بحيث ينظر إلى التنظيم باعتباره النموذج الأمثل، بينما يتراجع ارتباطه بالمجتمع تدريجيًا.

ويوضح أن هذه المرحلة تمهد لإعادة ترتيب الأولويات داخل عقل العضو، فيصبح انتماؤه للجماعة أقوى من انتمائه لأي إطار آخر، وهو ما يمنح القيادة قدرة أكبر على التأثير في قراراته وسلوكه.

السمع والطاعة.. الركيزة الأساسية للبناء التنظيمي

ويفرد كتاب «سر المعبد» مساحة واسعة للحديث عن مبدأ السمع والطاعة، باعتباره أحد أهم أعمدة التنظيم الداخلي.

ويؤكد الخرباوي أن العضو يُربى على تنفيذ التكليفات الصادرة من القيادة باعتبارها جزءًا من الالتزام التنظيمي، بينما تُحاصر مساحة النقاش تدريجيًا داخل الأسر، بما يجعل الثقة في المسؤول التنظيمي عنصرًا أساسيًا في عملية التربية.

ويرى أن هذه المنظومة ساعدت الجماعة على الحفاظ على تماسكها الداخلي لسنوات طويلة، لكنها في المقابل أضعفت استقلالية التفكير لدى كثير من الأعضاء، وربطت قراراتهم بما يصدر عن القيادة.

ثروت الخرباوي

الاستقطاب.. رحلة تبدأ بالدعوة وتنتهي بالالتزام الكامل

ولا يبدأ الانضمام إلى التنظيم – بحسب ما أورده الخرباوي – بشعارات سياسية، وإنما عبر أنشطة اجتماعية ودينية وخيرية، تُستخدم لبناء الثقة مع الشباب، ثم تبدأ مرحلة التثقيف الداخلي من خلال حلقات مغلقة، قبل الانتقال إلى العضوية الكاملة وما يصاحبها من التزامات تنظيمية متصاعدة.

ويؤكد أن هذا التدرج كان مقصودًا لإحداث ارتباط نفسي وفكري بالتنظيم، يجعل الانفصال عنه لاحقًا أكثر صعوبة.

 

إبراهيم ربيع: انضممت باحثًا عن المدينة الفاضلة

وتتوافق هذه الصورة مع شهادة القيادي السابق إبراهيم ربيع، الذي روى تفاصيل انضمامه إلى جماعة الإخوان وهو في السابعة عشرة من عمره عام 1979، مؤكدًا أن الدافع لم يكن سياسيًا أو ماديًا، وإنما بحثًا عن مشروع فكري وروحي ظن أنه سيقوده إلى ما وصفه بـ"المدينة الفاضلة".

ويقول ربيع إن مرحلة إعادة بناء التنظيم بعد خروج قياداته من السجون شهدت نشاطًا واسعًا داخل الجامعات، حيث برزت قيادات طلابية آنذاك، من بينهم عبد المنعم أبو الفتوح وخيرت الشاطر وإبراهيم الزعفراني وأبو العلا ماضي ويحيى إسماعيل، قبل أن تتولى القيادات التاريخية احتضان هذا الجيل وإعادة توسيع التنظيم داخل الجامعات المصرية.

ويضيف أن الخطاب الذي قُدم لجيله كان يقوم على الدعوة إلى الفضيلة وإحياء الأمة، وهو ما جذب آلاف الشباب الذين رأوا في الجماعة مشروعًا للإصلاح، قبل أن يكتشف اختلاف الممارسة الداخلية عن الصورة التي رُسمت لهم في البداية.


ويصف إبراهيم ربيع تجربته بأنها كانت رحلة بحث صادقة عن الدين والقيم، مؤكدًا أنه لم ينضم إلى الجماعة طمعًا في منصب أو مكسب، وإنما اعتقادًا بأنها تحمل مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا.

ويقول إنه مع مرور السنوات اكتشف أن الولاء للتنظيم أصبح يتقدم على كل شيء، وأن الخطاب الديني استُخدم لخدمة أهداف سياسية وتنظيمية.

ويؤكد أنه قرر مغادرة الجماعة بعدما وصل إلى قناعة بأن الواقع الداخلي يختلف عن الصورة التي آمن بها في بداية انضمامه.

إبراهيم ربيع

دعوة للشباب لقراءة التاريخ

 

ويوجه ربيع رسالة إلى الشباب يدعوهم فيها إلى دراسة تاريخ الجماعة وبنيتها التنظيمية وعدم الاكتفاء بالشعارات المعلنة، معتبرًا أن فهم ظروف النشأة والتطور التاريخي للتنظيم يساعد على إدراك آليات الاستقطاب وبناء الولاء التي اعتمد عليها لعقود.

شهادات تكشف الجانب غير المعلن
 

وتكتسب شهادات المنشقين أهمية خاصة لأنها تقدم روايات من أشخاص عاشوا داخل التنظيم لسنوات قبل مغادرته، وهو ما أتاح لهم الاطلاع على طبيعة البناء الداخلي وأساليب التربية والاستقطاب، وإن كانت تظل في النهاية شهادات شخصية تعكس تجارب أصحابها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة