سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 2 يوليو 1954.. «أحمد بن بيلا» فى أول إطلالة على «صوت العرب» يدعو الجزائريين إلى مقاومة الاحتلال الفرنسى ويضطر إلى قطع كلامه لعجزه عن التحدث باللغة العربية

الخميس، 02 يوليو 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 2 يوليو 1954.. «أحمد بن بيلا» فى أول إطلالة على «صوت العرب» يدعو الجزائريين إلى مقاومة الاحتلال الفرنسى ويضطر إلى قطع كلامه لعجزه عن التحدث باللغة العربية أحمد بن بيلا

كانت الاستعدادات السرية تتواصل فى مصر من أجل إطلاق شارة البدء للكفاح المسلح فى الجزائر ضد الاحتلال الفرنسى، وكان فتحى الديب ضابط المخابرات والمسؤول فيما بعد عن دائرة الشؤون العربية فى رئاسة الجمهورية هو المسؤول عن إدارة العملية بتكليف من جمال عبدالناصر، وكانت الاستعدادات تتم مع شباب جزائريين قرروا أن الكفاح المسلح وحده سيجبر الاحتلال الفرنسى على الرحيل.

لم يجد هؤلاء الشباب غير باب مصر يدقونه بعد ثورة 23 يوليو 1952 طلبا للمساعدة، وحضر إلى القاهرة أحمد بن بيلا أول رئيس جزائرى بعد الاستقلال سنة 1962، هاربا ومتخفيا تحت اسم «مزيانى مسعود»، وتوجه إلى الإذاعة وطلب مقابلة أحمد سعيد رئيس «صوت العرب» يوم 27 سبتمبر 1953، حسبما يؤكد «سعيد» فى مذكراته «غير المنشورة»، ويكشف فيها القصة كلها بتفاصيلها فى فصل «الجزائر بلد المليون شهيد، ومخاض ثورة فى مكاتب صوت العرب».

قام أحمد سعيد بتقديم «مزيانى مسعود» إلى فتحى الديب، وبعد أيام قليلة كشف «مسعود» للديب أن اسمه الحقيقى هو «أحمد بن بيلا»، وأنه اضطر إلى أن يجئ إلى القاهرة باسم مستعار حتى لا تنكشف حقيقته لأنه هارب من سجون الاحتلال الفرنسى فى الجزائر، إثر القبض عليه لرئاسته للتنظيم العسكرى السرى لحزب الشعب قبل الانشقاق الأخير عليه لميوعة موقف الحزب من تأييد أى كفاح مسلح ضد الاحتلال.

وفيما كانت مصر تعد عدتها لتقديم الدعم لبدء ثورة الكفاح المسلح يوم 1 نوفمبر 1954 «كانت صوت العرب تبدأ أعظم معاركها مع ثورة الجزائر» بوصف الكاتب الصحفى عبدالله السناوى فى كتابه «أخيل جريحا، إرث جمال عبدالناصر»، مضيفا: «تقدمت مصر لنصرة قضية الجزائر بكل ما تملك وتقدر عليه من دعم مال وسياسى وعسكرى وإعلامى وفنى، وتحول «صندوق أحمد سعيد» إلى أيقونة الثورة، وصوته واصل إلى كل بيوت الصفيح وفوق جبال «الأوراس».

قدم «بن بيلا» كلمة عبر إذاعة «صوت العرب» لأول مرة فى يوم الجمعة 2 يوليو، مثل هذا اليوم، 1954.. يذكر «السناوى» أنه تم إذاعة مقدمة غنائية بصوت الموسيقار محمد عبدالوهاب، وكلمات لأمير الشعراء أحمد شوقى، يقول فيها: «دم الثوار تعرفه فرنسا/ ونعرف أنه نور وحق/ صحت ونحن مختلفون دارا / ولكن كلنا فى الهم شرق»، ويتذكر سعيد، أنه قرأ تعليقه وجاء عن الجزائر فى صياغة سردية ذات عبارات مرسلة على غير ما كان اعتاد وعوّد مستمعيه من جمل قصيرة مسجوعة أو غير مسجوعة، ولكن أداءها يتردد فى الأسماع مدويا منضبط الإيقاع، ثم قدم بن بيلا قائلا: «أخ جزائرى فى حديث من العقل والقلب إلى الضمير والوجدان».

كانت الكلمة التى قرأها بن بيلا مكتوبا بالفرنسية، وترجمها إلى العربية أربعة رجال، اثنان جزائريين من رفاق بن بيلا هما «محمد خيضر» و«حسين آيت أحمد».. ومن مصر «فتحى الديب» و«أحمد سعيد».

يذكر سعيد: كانت كتابة النص المترجم بالحروف اللاتينية حتى يمكنه قراءتها للجمهور العربى، قال: «أحدثكم من صوت العرب من القاهرة مدينة الأزهر الشريف»، ودعا إخوته فى الجزائر إلى التمسك بالصبر «وبشر الصابرين»، والأمل فى المستقبل «إنما أموالكم وأولادكم فتنة وإن الله عنده أجر عظيم» وتأكيد وحدة الشعب «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا».

يؤكد السناوى: كانت نهاية خطاب بن بيلا عميقة وملهمة، قال: «كان الفرنسيون يقولون فى أعماقهم دون صوت أيام بطش احتلال النازى: فرنسا للفرنسيين.. فليردد كل الجزائريين، لو بصوت أخرس صباح مساء، كلما رأوا فرنسيا جنديا أو مستوطنا: الجزائر للجزائريين».. يضيف السناوى: «كرر أحمد بن بيلا العبارة نفسها باللغة الفرنسية، كان قاسيا على مشاعره أنه لا يستطيع أن يتحدث بلغة بلاده وقرآن دينه، وقطع التسجيل أكثر من مرة لاعنا «الفرنسية» التى فرضتها سلطات الاحتلال على بلده ومواطنيه».

يذكر السناوى: «فى سنوات سجنه فى باريس بعد اختطاف طائرة تقله مع أربع قيادات تاريخية أخرى، علم نفسه العربية وأتقنها، وفى يوليو 1962 ألقى خطابا آخر عبر «صوت العرب» من الجزائر المستقلة ولكن هذه المرة بلغة عربية متمكنة»، ويتذكر أحمد سعيد، أنه عقب حديث «بن بيلا» أذيع نشيد جزائرى يغرد بكلماته أشبال الكشافة الجزائرية الذين كانوا فى صيف يوليو 1953 فى معسكر دولى لأشبال الكشافة أقيم فى المعسكر الدولى للكشافة بحلوان، وتقول أبيات من هذا النشيد الذى يحمل نجمة شمال أفريقيا: «ولتحيا الجزائر مثل الهلال / ولتحيا فيها العربية / رضينا بالإسلام دينا / كفى بالجهال تدنيسا/ وها هو أحمد يحدو بنا / وها هو جبريل فينا يناد/ ألا فى سبيل الاستقلال/ألا فى سبيل الحرية».

ويؤكد سعيد: عقب انتهاء إرسال صوت العرب توجهنا إلى لقاء جمال عبدالناصر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة