تشهد قارة أوروبا خلال صيف هذا العام موجة حر غير مسبوقة من حيث الشدة والاتساع، حيث امتدت درجات الحرارة القياسية لتشمل العديد من الدول، مسببة تأثيرات خطيرة على البنية التحتية والصحة العامة والحياة اليومية للسكان والسياح على حد سواء. وتؤكد البيانات المناخية أن هذه الموجة جاءت نتيجة ظاهرة "القبة الحرارية" الناتجة عن اندفاع كتل هوائية شديدة السخونة قادمة من الصحراء الكبرى، ما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تتجاوز المعدلات الطبيعية بفارق كبير.
ألمانيا
في ألمانيا، وصلت درجات الحرارة إلى نحو 41.7 درجة مئوية في بعض المناطق، وهو رقم يعد من الأعلى في تاريخ البلاد الحديث. وقد تسببت هذه الحرارة الشديدة في ذوبان أجزاء من الطرق الإسفلتية وتشققها، الأمر الذي أجبر السلطات على فرض قيود مؤقتة على حركة المرور وتقليل السرعات في العديد من الطرق السريعة. كما كثفت فرق الصيانة جهودها لإصلاح الأضرار، في وقت دعت فيه السلطات المواطنين إلى تجنب السفر غير الضروري خلال ساعات الذروة، بسبب مخاطر تدهور حالة الطرق وارتفاع احتمالات الحوادث.
ولم تقتصر تداعيات موجة الحر على البنية التحتية فقط، بل امتدت لتشمل قطاع الطاقة، حيث شهدت شبكات الكهرباء ضغطًا كبيرًا نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد. كما ازدادت مخاطر حرائق الغابات، وتأثرت حركة النقل والسكك الحديدية بسبب تمدد القضبان المعدنية تحت تأثير الحرارة العالية.
إسبانيا
وفي إسبانيا، كانت الخسائر البشرية هي الجانب الأكثر مأساوية، إذ سجلت السلطات الصحية أكثر من 1028 وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال شهر يونيو فقط، وهو رقم يفوق بكثير ما تم تسجيله في العام السابق. وتشير البيانات إلى أن إجمالي الوفيات المرتبطة بموجات الحر في السنوات الأخيرة في تصاعد مستمر، ما يعكس خطورة الظاهرة واتساع نطاق تأثيرها على الصحة العامة، خاصة بين كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والأطفال.
إيطاليا
أما في إيطاليا، فقد فرضت درجات الحرارة المرتفعة واقعًا صعبًا على قطاع السياحة، حيث لجأ الزوار في محيط الكولوسيوم إلى استخدام رذاذ المياه والمراوح اليدوية والقوارير المائية للتخفيف من آثار الحر الشديد. كما كثفت السلطات انتشار فرق الحماية المدنية لتقديم المساعدة للزوار، وتوفير نقاط مياه مجانية، إلى جانب إصدار تحذيرات بعدم التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة.
فرنسا
وفي فرنسا، أثارت مسألة استخدام أجهزة التكييف جدلًا سياسيًا واسعًا، حيث انقسمت الآراء بين مؤيدين لتوسيع استخدامها كحل ضروري لمواجهة الحرارة، ومعارضين يعتبرونها مصدرًا لزيادة الانبعاثات الكربونية. هذا الجدل يعكس التحدي الأكبر الذي تواجهه أوروبا بين متطلبات التكيف مع الحرارة المتزايدة والالتزامات البيئية.
كما تسبب ارتفاع درجات الحرارة إلى حريق غابات هائل في جنوب فرنسا، ما أجبر عشرات الأشخاص على إخلاء منازلهم، وفق ما أعلن جهاز الطوارئ.
وساهمت درجات الحرارة التي كانت تبلغ حوالي 30 مئوية، بالتزامن مع هبوب رياح قوية، في سرعة انتشار الحريق عبر الغطاء النباتي المنخفض الشديد الجفاف.
وأفاد مسؤولون بأنه تم إجلاء أو إلزام نحو 200 شخص بالبقاء في منازلهم في بوزول-مينرفوا وماياك. وأفادت فرق الإطفاء المحلية باندلاع حريقين آخرين أصغر حجما في رونياك ولانسون بروفانس القريبتين من مدينة مرسيليا
وفي السياق الأوروبي العام، أعلنت المفوضية الأوروبية أن التكييف وحده لا يمكن أن يكون الحل، داعية إلى استراتيجية شاملة تشمل تحسين عزل المباني، وزيادة المساحات الخضراء، وإعادة تصميم المدن لتصبح أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ. كما أكدت أن قطاع المباني يمثل نسبة كبيرة من استهلاك الطاقة والانبعاثات، ما يجعل تحديثه ضرورة ملحة.
اليونان
|أعلنت السلطات اليونانية العثور على جثة طفل محترقة داخل منزل مدمر فى قرية ليتى ، ليرتفع عدد ضحايا حرائق الغابات فى اليونان إلى قتيلين ، بعد أن كان التقرير الأولي قد تحدث عن وفاة رجل ستيني وإصابة امرأة بحروق.
ويأتي هذا الحريق في ظل موجة حر غير مسبوقة تجتاح اليونان، حيث تصل درجات الحرارة إلى متوسط 32.6 درجة مئوية، وهي أعلى قليلاً من المعدلات الطبيعية لهذا الموسم، مع توقعات باستمرار الرياح العاتية وارتفاع الحرارة إلى 38 درجة في الأيام المقبلة، مما يثير مخاوف من تجدد الحرائق واندلاع أخرى جديدة، خاصة مع جفاف الغطاء النباتي الذي يتحول إلى وقود سريع الاشتعال.
2500 ضحية الحر فى أوروبا
وتشير تقارير علمية إلى أن هذه الموجة أدت إلى وفاة أكثر من 2500 شخص في عدة دول أوروبية، مع توقعات بارتفاع الأرقام مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة. وقد سجلت فرنسا وحدها أكثر من 1200 وفاة إضافية خلال الأيام الأكثر حرارة، فيما واصلت إسبانيا تسجيل أرقام مقلقة.
ويؤكد خبراء المناخ أن هذه الظواهر لم تعد استثنائية، بل أصبحت أكثر تكرارًا وشدة نتيجة التغير المناخي العالمي، الذي يرفع درجات الحرارة ويزيد من احتمالات وقوع موجات حر طويلة ومؤثرة. ويحذر العلماء من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى أزمات أكبر في المستقبل، إذا لم يتم تطوير البنية التحتية وتعزيز أنظمة الصحة العامة والتخطيط الحضري.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو أوروبا أمام تحدٍ مزدوج: التعامل مع آثار فورية لموجات الحر الحالية، وفي الوقت نفسه إعداد استراتيجيات طويلة الأمد للتكيف مع واقع مناخي جديد يتسم بالحرارة الشديدة وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة، ما يجعل ملف التغير المناخي أحد أهم التحديات التي تواجه القارة في السنوات القادمة.