رانيا يوسف تكتب: فيلم كولونيا صراع الأجيال والموت يحسم الجدل

الخميس، 02 يوليو 2026 03:14 م
رانيا يوسف تكتب: فيلم كولونيا صراع الأجيال والموت يحسم الجدل رانيا يوسف

0:00 / 0:00

إضافة جديدة ومغايرة للسينما المصرية حققها المخرج محمد صيام في تجربته الروائية الطويلة الأولى عبر فيلمه كولونيا، الذي أتيح عرضه مؤخراً على إحدى المنصات، بعد جولة ناجحة في مهرجانات السينما ثم في دور العرض.

ينتمي الفيلم إلى نوعية سينما اليوم الواحد، ولا يعتمد البناء الدرامي على تتابع الأحداث التقليدية، بقدر ما يرتكز على استحضار حالة إنسانية مشحونة، تجمع بين جيلين في مباراة تمثيلية يعلو فيها الصمت، ويصبح الأداء معتمداً بالأساس على نظرات العيون ولغة الجسد بين الفنان أحمد مالك والفنان كامل الباشا.

يبدأ الفيلم باستيقاظ الأب من غيبوبة طويلة تجسد العودة غير المتوقعة إلى الحياة فرصة أخيرة لمواجهة الماضي، وتفكيك أزمة الهوية والاغتراب النفسي القائم بينهما.

خلق اختيار فترة زمنية قصيرة مثل ليلة واحدة حالة من الحصار النفسي والزمني للشخصيات، رفعت من حدة التوتر بينهما، وأجبرت الطرفين على المواجهة المباشرة دون أي محاولة للهروب.

يبدو الأب كمن يلعب في الوقت الضائع، بينما ينظر الابن بحسرة إلى فرصه الضائعة ومستقبله المجهول، الأمر الذي يخلق صراعا دراميا حادا، بين الرغبة في العتاب القاسي، والرغبة في الهروب من ثقل الموقف.

المخرج محمد صيام قدم أعمال في عالم السينما الوثائقية، هذا التأثير واضح وبقوة على عمله الروائي الأول، خاصة في زوايا التصوير الواسعة والاضاءة القاتمة التي تثقل علي النفس وتدخلنا في مزاج الحداد.

يتحول الفيلم من مجرد خلاف عائلي إلى رصد لحالة العجز الجسدي للأب بعد الغيبوبة، ويقابله عجز أخر يصيب الابن، لكنه عجز نفسي عن معالجة مشاعره المكبوتة تجاه والده.

لتصبح الفجوات النفسية والمكانية الواسعة بين الممثلين هي النص الحقيقي، ليأتي الحوار بينهما كالعاصفة، يثير زوبعة من الذكريات في طريقه، ويخلف وراءه جرحاً غائراً لا ينزف إلا برحيل الأب، تاركا خلفه سؤالا حول الغفران المتأخر في لحظات الوداع.

يتسلل الفيلم من خلال هذه المواجهة المكتومة ليكشف عن الفجوة النفسية والفرق العميق في التفكير بين الأجيال، وعجز كل طرف عن استيعاب احتياجات الاخر ورغباته، هو لا يقدم صراعا سطحيا لمشكلة أسرية، بل يغوص في البعد النفسي لتأثير التربية والسيطرة الأبوية النمطية على الأبناء، حيث يميل الآباء عادة لفرض رؤيتهم على مستقبل أبنائهم، دون إدراك لتغير الزمن واختلاف المعطيات من جيل إلى جيل.

وسط هذا الحصار، يبرز سؤال جوهري، لماذا ترك الفيلم كل أثر مادي للأب واختار "الكولونيا" لتكون رمزاً للذاكرة؟، الكولونيا هنا هي العطر التقليدي للجيل القديم، حيث تدعم حاسة الشم التي تستدعي الذكريات المخزنة في الذاكرة بسهولة، وتحرك مشاعر الغضب والعتاب والحنين، وتصبح الرائحة هي الشيء المادي الوحيد الذي يملأ فراغ هذه العلاقة الإنسانية، والشاهد الأول على المرض والماضي.

الفيلم لا ينصف جيلا على حساب جيل، بل يحمل الطرفين نفس المسئولية والذنب، الأب ليس شريرا بالمعنى الدارج، بل هو نتاج ثقافة أبوية تدعم القسوة كنوع من الحماية ووسيلة لفرض الاحترام، والابن ليس متمردا بل هو يبحث عن اعتذار لن يغير من الواقع ومعنى لكل الألم الذي مر به.

يموت الأب دون أن يستوعب تماماً خطأه تجاه ابنه، ويعيش الابن مشحوناً بغضب السنين، تاركا الأسئلة المعلقة دون إجابات واضحة، هل الموت يعفي الآباء من أخطائهم؟ وهل الابن مجبر على مسامحة والده لمجرد أنه يعيش عاجزاً في لحظاته الأخيرة؟، و يضعنا الفيلم أمام حقيقة تفيد أن بعض الشروخ العائلية لا تلتئم حتى بعد زوال أصحابها، وأن الموت لا يأتي بالنسيان والمسامحة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة