بينما تتسارع الخطى الوطنية نحو تحقيق السيادة الغذائية، يبرز ملف "الصحة الحيوانية" كركيزة أساسية لا تقبل التهاون، وفي مقدمة التحديات التي يرصدها الطب البيطري، مرض "السل البقري"، الذي لا يكتفي بتهديد الثروة الحيوانية فحسب، بل يمتد خطره ليشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة باعتباره أحد أخطر الأمراض المشتركة بين الحيوان والإنسان.
رقابة صارمة
و داخل المجازر الحكومية، تدور معركة يومية يقودها أطباء بيطريون متخصصون لضمان وصول غذاء آمن للمستهلك.
وفي هذا السياق، كشف أحد الأطباء المسؤولين أن الفحص البيطري هو "فلتر الأمان" ، حيث تتركز عملية الكشف في المقام الأول على جهاز التنفس والأعضاء الحيوية، مشيرًا إلى أن "الرئة هي المؤشر الأول للإصابة"، حيث يتم فحصها بدقة بالغة بحثاً عن أي عقد درنية أو تحجرات بكتيرية.
وأكد أن القرار الطبي لا يقبل القسمة على اثنين، فإما "إعدام جزئي" للعضو المصاب إذا كانت الإصابة محددة، أو "إعدام كلي" للذبيحة في حال انتشار المرض، وذلك لمنع تسرب بكتيريا السل إلى المواطن بأى شكل من الأشكال.
استراتيجية الدولة
لم تكتف الدولة بالرقابة داخل المجازر، بل أطلقت وزارة الزراعة منظومة استباقية تعتمد على "التقصي النشط"، وتتمثل هذه الجهود في حملات دورية في القرى والنجوع، بهدف اكتشاف الحالات المصابة داخل الحظائر قبل انتقالها. وتدعم الدولة هذه الاستراتيجية ببرامج تعويضية عادلة للمربين، حيث يتم صرف تعويضات مادية مجزية في حال ثبتت إيجابية إصابة الحيوان وذبحته السلطات المختصة.
وفي إطار "الوقاية خير من العلاج"، تتبنى الدولة استراتيجية التثقيف الميداني عبر القوافل الإرشادية التي تجوب القرى والنجوع، ولا يقتصر دور هذه القوافل على الكشف فقط، بل بتقديم نصائح للمربين حول "الأمن الحيوي" داخل الحظائر، مثل تحسين منظومة التهوية، والالتزام بمسافات البينينة للحد من التزاحم، وتوعية الأسر الريفية بضرورة "بسترة" الألبان أو غليها جيداً، وهي إجراءات بسيطة في مظهرها لكنها تمثل حائط صد منيع يكسر حلقة انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان.
التحول الرقمي وصمام الأمان
وفي نقلة نوعية، دخلت التكنولوجيا الرقمية ساحة المواجهة عبر نظام "التتبع الإلكتروني"، الذي يمنح كل رأس ماشية سجلاً صحياً موثقاً، و هذا النظام لا يساعد فقط في حصر الأمراض، بل يسهل عمليات التحصين والرقابة الوبائية، ويجعل من مصر نموذجاً إقليمياً في السيطرة على الأمراض المتوطنة، مما يعزز من فرص تصدير اللحوم والمنتجات الحيوانية للخارج.
المواطن.. شريك في الرقابة
و لا تتوقف جهود الحصار عند حدود المجازر، بل تمتد إلى المراكز العلمية المتمثلة في معهد بحوث الصحة الحيوانية، حيث تعمل المختبرات المعتمدة دولياً كظهير علمي لمنظومة الرقابة ويتم الاعتماد حالياً على تقنيات التشخيص الجزيئي السريع وفحوصات الـ PCR التي تمنح نتائج قطعية في وقت قياسي، مما يقلص فترة الانتظار ويسمح باتخاذ قرارات فورية بشأن القطعان المشتبه بها، وهو ما يضمن محاصرة بؤر العدوى في مهدها ومنع انتشارها جغرافياً.
يشار إلى أن الهدف النهائي من هذه الجهود الصحية يتجاوز مجرد الحماية المحلية، ليصب في خانة الاقتصاد فنجاح مصر في إعلان مناطق "خالية من السل والبروسيلا" بشهادة المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) يعد بمثابة "جواز سفر" للمنتجات المصرية نحو الأسواق العالمية.
وتعيد هذه الخطوة رسم خريطة الصادرات الزراعية المصرية، حيث تضع اللحوم المصنعة والألبان المشتقة من قطعان "مضمونة صحياً" على قائمة المنافسة الدولية، مما يدر عملة صعبة ويدعم استدامة القطاع الحيواني.
"الخط الساخن" لسرعة الاستجابة
وتيسيراً على المربين والمواطنين، خصصت الهيئة العامة للخدمات البيطرية الخط الساخن رقم (19561) لتلقي البلاغات والاستفسارات على مدار الساعة، وتعمل هذه الخدمة كحلقة وصل سريعة تتيح للمربين الإبلاغ الفوري عن أي حالات اشتباه، مما يسمح بتحرك الفرق البيطرية المختصة وإجراء الفحوصات اللازمة في وقت قياسي.
كما يمثل هذا الخط قناة رسمية للحصول على المعلومات الصحيحة حول مواعيد حملات التحصين القومية، تأكيداً على نهج الشفافية والتواصل المباشر الذي تتبعه الدولة لحماية الثروة الحيوانية من الأزمات الوبائية.
ويجمع الأطباء على أن وعي المستهلك هو المكمل لجهود الدولة، فالبحث عن "الأختام الرسمية" على اللحوم هو الضمان الوحيد بأن هذه الذبيحة خضعت للكشف الطبى، فمعركة القضاء على السل البقري ليست مجرد إجراءات طبية، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من وعي المربي في مزرعته، وتنتهي بصرامة الطبيب في مجزره، لضمان مستقبل صحي آمن لكل المصريين.