لم يعد الألم الذي يعيشه الحاج فتحي حجي مقتصرا على المرض الذي أنهك جسده، بل أصبح الطريق إلى العلاج معركة أخرى يخوضها ثلاث مرات كل أسبوع، فالرجل، الذي يحتاج إلى جلسات غسيل كلى منتظمة لإنقاذ حياته، لم يعد يجد سيارة إسعاف أو وسيلة نقل تقله إلى المستشفى، ليبدأ رحلة شاقة على عربة بسيطة يجرها حيوان، في مشهد يلخص حجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها المرضى في غزة.
مشقة الذهاب للمستشفى
في كل مرة يحين فيها موعد العلاج، يستعد فتحي حجي لساعات من المشقة قبل أن يصل إلى مجمع ناصر الطبي، حيث ينتظره جهاز غسيل الكلى، الطريق التي كانت في السابق مجرد رحلة اعتيادية، تحولت اليوم إلى اختبار جديد لقدرة جسده المرهق على الاحتمال، فالدمار الذي طال الطرق والبنية التحتية، ونقص الوقود، وتراجع وسائل النقل، جعل الوصول إلى المستشفى رحلة مليئة بالعقبات.

فتحى حجي
وأعلنت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان لها في 11 يوليو، أن ما تبقى من مركبات خدمات النقل والاسعاف المتهالكة لم تعد صالحة لتلبية الاحتياج اليومي ، موضحة أن 70 % من هذه المركبات خرجت عن الخدمة بسبب الاستهداف المباشر، أو تراكم الأعطال الفنية وعدم توفر قطع الغيار .
وأضافت أن هناك صعوبة حقيقية في تلبية احتياجات النقل سواء للمرضى أو للكوادر الصحية في ظل عدم توفر بدائل نقل آمنه ، لافتا إلى أن استمرار منع إدخال الإطارات وقطع الغيار قد يضعنا أمام مشهد الشلل التام في منظومة النقل .
وأشارت إلى أن الحافلات التابعة لشركات النقل المتعاقدة مع وزارة الصحة الفلسطينية، باتت تعمل في ظروف فنية وميكانيكية صعبة مع توقف اجراءات الصيانة الدورية منذ أشهر بسبب عدم توفر قطع الغيار ، محذرة من تداعيات توقف خدمات النقل وتأثير ذلك على وصول الكوادر الطبية والمرضى الى أماكن تقديم الرعاية الصحية.
ويجلس الرجل المسن فوق العربة الخشبية التي يجرها حيوان، بينما يتحرك ببطء عبر الطرق المتضررة، كل اهتزاز في الطريق يضاعف ألمه، وكل دقيقة تمر تزيد من إرهاقه، لكنه لا يملك خيارا آخر، فالتغيب عن جلسة غسيل الكلى قد يعني تدهور حالته الصحية، وربما تعريض حياته للخطر.

الحاج فتحى حجي
وتعكس قصة فتحي حجي واقعا يعيشه كثير من المرضى في غزة، الذين لم تعد معاناتهم تقتصر على مواجهة الأمراض المزمنة أو الإصابات، بل امتدت إلى البحث عن وسيلة توصلهم إلى المستشفيات، وأصبح العلاج بالنسبة إلى كثيرين يبدأ برحلة طويلة من الانتظار، ثم بمحاولة العثور على وسيلة نقل، قبل أن يصلوا إلى أبواب المرافق الصحية.
ويواجه المرضى وكبار السن وذوو الإعاقة تحديات إضافية، حيث إن كثيرا منهم لا يستطيعون السير لمسافات طويلة، بينما أصبحت تكاليف النقل، عندما تكون متاحة، عبئا يفوق قدرة كثير من الأسر، أما في مناطق أخرى، فقد أدى تضرر الطرق أو انقطاع الخدمات إلى جعل الوصول إلى المستشفيات أكثر صعوبة وتعقيدا.
نقص الأدوية
وأعلنت وزارة الصحة في غزة خلال بيان لها في 24 مايو الماضي، أن التدهور الخطير في أصناف الأدوية والمستهلكات الطبية يفاقم وبشكل يهدد حياة الآلاف من المرضى، لافتة إلى أن هناك 250 مريض بالفشل الكلوي قد يُحرمون من جلسات الغسيل بسبب عدم توفر محلول Bibag .
وأضافت أن 8 أطفال ممن يُعانون من الفشل الكلوي ستتوقف جلسات الغسيل لهم بسبب عدم توفر الفلاتر، بجانب عدم توفر حقن الأنسولين الخاصة بمرضى السكر يزيد من تعقيدات الحالة الصحية لـ 11 ألف مريض سكر في غزة ، و 110 من مرضى الهيموفيليا بدون علاج VACTOR يضعهم أمام حالة مضاعفة من الألم اليومي، مناشدة بشكل عاجل كافة الجهات المعنية لتعزيز قوائم الأرصدة الدوائية والمستهلكات الطبية.
وتطرح رحلة فتحي حجي تساؤلات إنسانية مؤلمة، كم من مريض يتأخر عن موعد علاجه لأنه لم يجد وسيلة تنقله؟ وكم من مسن استنزفته مشقة الطريق قبل أن يواجه المرض نفسه؟ وكم من حالة كان يمكن إنقاذها لو توافرت وسيلة نقل آمنة تحفظ كرامة المرضى وتضمن وصولهم في الوقت المناسب؟
ورغم قسوة الظروف، يواصل فتحي رحلته ثلاث مرات أسبوعيا، مدركا أن كل رحلة تمنحه فرصة جديدة للاستمرار في الحياة، لكنه، كغيره من المرضى، لا يبحث عن معاملة استثنائية أو امتياز خاص، بل عن حق أساسي يتمثل في الوصول إلى العلاج بكرامة ودون أن يتحول الطريق إليه إلى مصدر معاناة إضافية.
معاناة مرضى الكلى
ويؤكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، أن نفاد مادة "البيكربونات" يهدد حياة 650 مريضا بالفشل الكلوي ويجبر المستشفيات على تقليص جلسات الغسيل، لافتا إلى 250 مريضا يعتمدون بشكل مباشر على وحدة غسيل الكلى في مجمع الشفاء الطبي.
ويتابع: "اضطررنا إلى تقليص جلسات الغسيل من 4 ساعات إلى ساعتين ونصف، ومن ثلاث جلسات أسبوعيا إلى جلستين"، مشيرا إلى أن غياب مادة البيكربونات يمنع تشغيل أجهزة غسيل الكلى ويهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
وتبقى قصة فتحي حجي واحدة من بين قصص كثيرة تعكس الجانب الإنساني للأزمة في غزة، حيث لم يعد المرض وحده هو التحدي الأكبر، بل أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية جزءا من المعاناة اليومية، وبين عربة يجرها حيوان ومستشفى ينتظر فيه جلسة علاج قد تنقذ حياته، تتجسد صورة إنسان يتمسك بالأمل رغم كل الصعوبات، حيث يؤكد أن المرضى في غزة لا يحتاجون إلى الشفقة، بقدر ما يحتاجون إلى أن تُصان كرامتهم، ويتمكنون من الوصول إلى العلاج باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان.
وداخل أقسام غسيل الكلى في غزة، لا يواجه المرضى آلام الفشل الكلوي فقط، بل أصبحوا أمام تحد إضافي يتمثل في نقص المستلزمات الطبية التي تهدد انتظام جلسات العلاج وتؤثر على قدرتهم على مقاومة المرض، فبالنسبة لهؤلاء المرضى، لا تمثل جلسة الغسيل إجراء طبي عادي، بل هي نافذة ضرورية للبقاء على قيد الحياة.
ويصف الدكتور غازي اليازجي، رئيس قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي، حجم الأزمة التي تواجه المرضى، مؤكدا أن نقص المواد الأساسية أدى إلى خروج عدد من أجهزة غسيل الكلى عن الخدمة، وتقليص عدد ساعات وجلسات العلاج المقدمة للمرضى.
ويقول إن لدينا 25 جهازا من أجهزة غسيل الكلى توقف بالكامل عن الخدمة، ويرجع السبب إلى نقص مادة البيباج، وهي بيكربونات الصوديوم اللازمة لتشغيل أجهزة غسيل الكلى، مضيفا أن هذا النقص أدى إلى تقليل عدد الجلسات وعدد ساعات الغسيل المقدمة للمرضى.
ويوضح رئيس قسم الكلية الصناعية أن المرضى الذين كانوا يحصلون على ثلاث جلسات أسبوعيا أصبحوا يحصلون على جلستين فقط، كما انخفضت مدة الجلسة الواحدة من أربع ساعات إلى ثلاث ساعات، متابعا: "الآن كل مريض يغسل جلستين أسبوعيا بدل الثلاث جلسات، وكل جلسة ثلاث ساعات بدل أربع ساعات، يعني المعدل الأسبوعي لكل مريض ست ساعات غسيل كلى".
ويشير إلى أن هذا الانخفاض في عدد ساعات العلاج يؤثر بشكل مباشر على كفاءة جلسات الغسيل، موضحا أن تقليل الوقت المخصص لتنقية الدم لا يحقق الفائدة الطبية المطلوبة، وقد يؤدي إلى ظهور مضاعفات صحية خطيرة لدى المرضى، خاصة أولئك الذين يعتمدون بشكل كامل على أجهزة الغسيل للبقاء على قيد الحياة.
ويضيف اليازجي أن مرضى الفشل الكلوي يحتاجون إلى انتظام دقيق في جلسات العلاج، وأي خلل في عدد الجلسات أو مدتها ينعكس على حالتهم الصحية، وقد يزيد من تدهور أوضاعهم ويضاعف المخاطر التي يواجهونها.
وتعكس معاناة مرضى غسيل الكلى في غزة واقعا إنسانيا صعبا، حيث أصبح الحصول على العلاج المنتظم مرتبطا بتوفر المستلزمات الطبية الأساسية، في وقت تعتمد فيه حياة مئات المرضى على استمرار عمل الأجهزة والقدرة على توفير المواد اللازمة لتشغيلها.
وبالنسبة للمرضى وعائلاتهم، لا يمثل نقص مادة مثل بيكربونات الصوديوم مجرد مشكلة في الإمدادات الطبية، بل يعني ساعات أقل من العلاج، وانتظارا مليئا بالقلق، وخوفا مستمرا من تدهور الحالة الصحية، فكل جلسة غسيل هي فرصة للحفاظ على الحياة، وكل نقص في العلاج يضع المرضى أمام مخاطر جديدة.
وتبقى أصوات الأطباء، مثل شهادة الدكتور غازي اليازجي، ناقوس إنذار بشأن حاجة مرضى الكلى إلى توفير مستلزمات العلاج بشكل عاجل، حتى يتمكنوا من الحصول على الرعاية التي يحتاجونها، ويستمروا في مواجهة مرض مزمن يتطلب علاجا منتظرا لا يحتمل التأخير أو التقليل.