كانت الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الاثنين 17 يوليو 1958 حين وصل فتحى الديب مسؤول الشؤون العربية برئاسة الجمهورية إلى مطار العاصمة الأرجنتينية «بيونس إيرس»، وكان فى استقباله العميد محمد أبواليسر الأنصارى، الملحق العسكرى بالأرجنتين وشيلى وأوروجواى، وآخرين من رجال السفارة.
كان «الديب» فى مهمة سرية كلفه بها جمال عبدالناصر تشمل زيارات دول فى أمريكا اللاتينية والتى يوجد فيها جاليات عربية وهى، المكسيك، شيلى، الأرجنتين، أوروجواى، البرازيل، بنما، وذلك لعقد لقاءات مع هذه الجاليات، وبحث سبل ربطهم بالقضايا العربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبدأ التفكير فى هذا التوجه بعد الوحدة بين مصر وسوريا فى فبراير 1958، خاصة أن غالبية هذه الجاليات تتكون من مهاجرى سوريا، لبنان، فلسطين.
أعد «الديب» عدته وبدأ فى الاستعداد لهذه المهمة التى بدأت بالسفر إلى أمريكا ثم المكسيك، وكان يحمل جوزات سفر بأسماء مستعارة ومهام وظيفية بعيدة عن مهمته الأصلية، ولم تحظ هذه التجربة بالاهتمام الكافى فى التناول التاريخى لها، بالرغم من أن «الديب» كشف عن أسرارها فى كتابه «عبدالناصر وعرب المهجر» الصادر فى سنة 2002.
وعن مهمته فى الأرجنتين، يتحدث عن وضع الجاليتين اللبنانية والسورية والوضع الاقتصادى الذى يعيش فيها أفرادها خاصة السورية منذ بدايات هجرتهم هربا من سوء معاملة «الاستعمار العثماني»، وما تبعه من الاستعمار الفرنسى، والنوادى الاجتماعية الخاصة بهم والمنتشرة فى الأرجنتين، والعلاقة مع اليهود الصهاينة المستوطنين فيها.
يكشف «الديب» أنه فى اليوم الثانى لوصوله، 18 يوليو، مثل هذا اليوم، 1958 وقبل أن يبدأ جدول نشاطه فى «بيونس إيرس»، أمده الملحق العسكرى بتقارير كانت معدة للإرسال إلى مصر بإجابات على أسئلة طرحتها المخابرات الحربية، ومنها ما يتعلق بالجالية اليهودية الصهيونية المستوطنة فى الأرجنتين، وتكشف هذه التقارير على عدة حقائق هى، أن الصهيونية العالمية تحرص كل الحرص على تدريب الشباب اليهودى بالذات فى الأرجنتين تدريبا عسكريا خلال زيارات دورية تنظمها لهم «الكيبوتزيم» على أرض إسرائيل، وهم يشكلون قوام جيوش ضخمة من المتطوعين.
تضيف التقارير، أن الجاليات اليهودية بالأرجنتين هى معقل الجاليات اليهودية بأمريكا اللاتينية، والأضخم حجما، وتعدادها نصف مليون نسمة سنة 1958، وأنها الأقوى نفوذا، وقوامها الأثرياء من يهود ألمانيا، الذين فتح أمامهم هتلر باب الهجرة حين سيطر على الحكم، وتذكر «التقارير» أن الرئيس الأرجنتينى وقتها «فرونديزى» لاحظ أنهم يشكلون دولة داخل الدولة، وتغلغلوا فى أدق كيانات وأجهزة الدولة والسيطرة عليها من الداخل، وأن رجال أجهزة الأمن قاوموا هذا التغلغل، ولا يكاد يمر يوم دون أن تضبط هذه الأجهزة عصابات تهريب أو وكرا للتغرير بالفتيات القصر أو اكتشاف لصوص منهم يتلاعبون ماليا تحت ستار تصفية أعمال أو إعلانات إفلاس مختلفة، أو أن يقعوا على شبكات ابتزاز قوامها «بلطجة»، أو أندية ميسر مرفهة أنيقة، ورؤوس الشر فيها جميعا يهود أو واجهات تتستر من خلفها عصاباتهم.
يذكر «الديب» أنه عرف أن رئيس الجالية «اليهودية الصهيونية» فى الأرجنتين والمتحكم فى مقدراتها وحركتها من وإلى «بيونس إيرس» هو «مودبيرتو لو فيلدمان»، ويصفه بأنه «فى ظاهره شخصية تبدو عليها الطمأنينة، والقدرة على اجتذاب الغير أو الصديق أو القريب إلى أهدافه كزميل فى أسلوب كله خداع، ومكر، ودهاء، ويكشف «الديب» أنه تعرض شخصيا لتجربة معه، قائلا إنه بدأ اتصاله الشخصى هو وزوجته للتعرف عليه كصديق مصرى يزور الأرجنتين، خاصة أنه عرف بأمر الزيارة من أصدقائه من عرب المهجر.
يقول «الديب» إنه عرف تفاصيل حياة وعمل «مودبيرتو لو فيلدمان» بأنه يمتلك مزرعة غريبة فى تكوينها، وفى أسلوب التعامل مع ضيوفه داخلها، وهى تبعد عن ضواحى «بيونس إيرس» بنحو 40 كيلومترا، ومساحتها نحو مائة فدان، ومزودة بجميع أنواع الفاكهة والخضروات المشهورة والمطلوبة للغذاء الصحى المفيد، ويوجد بها أحسن أصناف الحيوانات كالخيول العربية الممتازة للركوب والسباق، والخيول الاسترالية، وكمية وفيرة من الغزال الشهير بلحومه الممتازة، ويتوسطها قطار يضم عربتى سكة حديد، إحداهما مستخدمة كصالون للنزهة يستغله صاحب المزرعة فى ضيافة الشخصيات المهمة التى يرغب فى دعم علاقاته بهم، ليسير القطار بالضيوف طوال تناولهم الغذاء للتمتع بالمناظر الجميلة.
يؤكد «الديب»، أنه فهم من جميع من التقى بهم وكانوا أصدقاء «مودبيرتو لو فيلدمان» أنهم لم يعرفوا حقيقة جنسيته الأمر الذى دفعه إلى الاستمرار فى أسلوبه المتخفى وراء مظهره كشخصية لها وزنها فى المجتمع الأرجنتينى، ووسط السلطات الأرجنتينية، ويكشف «الديب»، أنه زاد من اتصالاته به خلال فترة زيارته، ودعاه مع أخوة من عرب المهجر فى حلقة اجتماع، وظهرت حقيقته حين قال للديب «إنه يتمنى أن يعرف رأينا فى دولة إسرائيل وموقفنا من وجودها فى وسط الأمة العربية، وهل لهذا تأثير على موقفنا إذا تعرف وتصادق مع أحد أبناء إسرائيل».