أكدت منظمة العمل الدولية، أن التحول إلى الاقتصاد الدائري يمثل أحد المسارات الرئيسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وتعزيز العمل اللائق، وزيادة قدرة الاقتصادات على مواجهة التحديات البيئية، مشيرة إلى أن أنشطة الاقتصاد الدائري وفرت نحو 157.7 مليون فرصة عمل حول العالم خلال عام 2023، مع توقعات بإضافة صافي 24 مليون وظيفة جديدة عالميا بحلول عام 2030، حال تبني سياسات متكاملة ودعم الحوار الاجتماعي.
ويعرف الاقتصاد الدائري بأنه نموذج اقتصادي يعتمد على إعادة استخدام وإصلاح وإعادة تدوير المنتجات والمواد للحفاظ على قيمتها داخل دورة الإنتاج لأطول فترة ممكنة، بما يقلل استهلاك الموارد الطبيعية ويحد من النفايات ويعزز الاستدامة وخلق فرص العمل.
التحول إلى الاقتصاد الدائري يسهم في خلق فرص عمل جديدة
وأوضحت المنظمة، في تقرير لها بعنوان "التحول نحو الاقتصاد الدائري.. انتقال عادل نحو التنمية الاقتصادية المستدامة"، أن الاقتصاد الدائري يختلف عن النموذج الاقتصادي الخطي التقليدي، إذ يعتمد على إعادة استخدام الموارد وإصلاحها وإعادة تدويرها وإبقائها داخل دورة الإنتاج لأطول فترة ممكنة، بما يحافظ على قيمتها ويحد من الهدر، بدلا من نموذج الاستخراج والإنتاج والاستهلاك ثم التخلص من المخلفات.
وأشار التقرير إلى أن مبادرة "الوظائف في الاقتصاد الدائري"، التي تنفذها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ومنظمة Circle Economy، رصدت حجم أنشطة الاقتصاد الدائري في 177 دولة، وقدمت قاعدة بيانات شاملة حول العمالة في هذا القطاع.
وأوضح التقرير أن النموذج الاقتصادي الخطي القائم على الاستخراج المستمر للموارد الطبيعية والإنتاج ثم التخلص من المخلفات بات يواجه تحديات متزايدة، في ظل تجاوز معدلات استهلاك الموارد لقدرة النظم البيئية على تجديدها، بالتزامن مع استمرار النمو السكاني وارتفاع الطلب على المواد الخام والطاقة والمنتجات، وهو ما يزيد من الضغوط على الموارد الطبيعية ويؤثر على استدامتها.
وأضاف أن هذا النموذج يتسبب في إزالة الغابات، وتدهور الأراضي، والإجهاد المائي، وفقدان التنوع البيولوجي، فضلا عن زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، وتلوث الهواء والتربة والمياه، بما يفرض أعباء اقتصادية وبيئية متزايدة تتحملها الحكومات والمجتمعات.
وفي المقابل، أوضح التقرير أن الاقتصاد الدائري يقوم على إعادة دمج المنتجات والمواد داخل دورة الإنتاج من خلال إعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التصنيع، وإعادة التدوير، واستعادة الموارد، بما يحافظ على قيمتها الاقتصادية ويحد من إنتاج النفايات، كما يعتمد على أنشطة بشرية تضيف قيمة اقتصادية في مختلف مراحل الإنتاج، مثل جمع المخلفات، وإصلاح المنتجات، وإعادة تصميمها، ومعالجة المواد الخام.
وأشار التقرير إلى أن التحول إلى الاقتصاد الدائري يسهم في خلق فرص عمل جديدة عبر مختلف القطاعات، خاصة أن الأنشطة المرتبطة بإعادة الاستخدام والإصلاح وإعادة التصنيع والتدوير تتطلب عمالة أكثر كثافة، كما تعتمد بصورة أكبر على الابتكار والتكنولوجيا، وهو ما يستلزم الاستثمار في إعادة تأهيل العمال ورفع مهاراتهم، إلى جانب تطوير أنظمة التعليم والتدريب الفني والمهني لتلبية احتياجات الوظائف الجديدة.
وأكد أن التحول يتطلب استثمارات كبيرة في المعدات، والتكنولوجيا، وأنظمة التتبع، والحصول على شهادات الاعتماد، وتأهيل القوى العاملة، إلى جانب توفير آليات تمويل مناسبة، وسياسات حكومية داعمة لتشجيع المنشآت على التحول إلى نماذج الإنتاج الدائري.
وأضاف التقرير أن التحول لا يقتصر على زيادة أعداد الوظائف، وإنما يمتد إلى تحسين جودة فرص العمل، من خلال دعم الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وضمان الحقوق الأساسية للعاملين، بما ينعكس على تحسين الإنتاجية والدخل وظروف العمل.
وفيما يتعلق بقطاع المشروعات، أكد التقرير أن الاقتصاد الدائري يوفر فرصا كبيرة لنمو المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والتعاونيات، باعتبارها الأكثر نشاطا في مجالات الإصلاح وإعادة التدوير والإنتاج المحلي والخدمات المجتمعية، مشددا على أهمية تسهيل حصولها على التمويل والتكنولوجيا والمهارات والأسواق، لافتا إلى أن هذه المشروعات تمثل غالبية المنشآت الاقتصادية حول العالم، وتوفر قرابة نصف إجمالي فرص العمل.
كما لفت إلى أن التحول يدعم مفهوم التكامل الصناعي، من خلال تعزيز التعاون بين المنشآت للاستفادة المتبادلة من الموارد وتقليل الفاقد، بما يؤدي إلى رفع الإنتاجية وخفض تكاليف التشغيل وزيادة القدرة التنافسية، فضلا عن تحسين قدرة المؤسسات على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق.
وأشار التقرير إلى أن المؤسسات المالية والجهات الحكومية وآليات الضمان تلعب دورا أساسيا في تمويل التحول نحو الاقتصاد الدائري، من خلال دعم إنشاء المشروعات وتطويرها، ومساعدتها على تطبيق نظم إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الموارد والامتثال للمعايير البيئية المتزايدة في الأسواق الدولية.
وأكدت منظمة العمل الدولية، أن الحوار الاجتماعي بين الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال يمثل عنصرا رئيسيا في إدارة عملية التحول، مع ضرورة تصميم سياسات تتناسب مع الظروف الاقتصادية والمؤسسية لكل دولة، وربط سياسات التشغيل والصناعة والتعليم والحماية الاجتماعية ضمن إطار موحد.
وأوضح التقرير، أن الأسواق العالمية أصبحت تمنح قيمة أكبر للمنتجات المستدامة، في الوقت الذي قد تواجه فيه المنتجات غير المستدامة تكاليف إضافية نتيجة تطبيق أدوات تنظيمية مثل تسعير الكربون وآلية تعديل حدود الكربون، بينما تتمتع المنتجات المستدامة بفرص أكبر للوصول إلى الأسواق، في ظل تزايد اهتمام المستهلكين والمستثمرين بالسلع المنتجة وفق معايير الاستدامة.
القطاعات ذات الأولوية لتطبيق الاقتصاد الدائري
وأشار التقرير، إلى أن الاقتصاد الدائري يقلل الاعتماد على المواد الخام المستوردة، ويعزز سلاسل القيمة المحلية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي، ورفع القدرة الإنتاجية، وتعزيز مرونة الاقتصادات المحلية.
واستعرض التقرير القطاعات ذات الأولوية لتطبيق الاقتصاد الدائري، وتشمل الورق، والبلاستيك، والمطاط، والأخشاب، والمخلفات العضوية والكتلة الحيوية، والمخلفات الكيميائية والخطرة، والمخلفات الإلكترونية، وعبوات "تيترا باك"، والحديد والصلب.
ورغم النمو المتوقع، أكد التقرير استمرار عدد من التحديات، أبرزها ارتفاع معدل العمالة غير الرسمية في أنشطة الاقتصاد الدائري إلى نحو 52%، إضافة إلى انخفاض مشاركة النساء، حيث لا تتجاوز نسبتهن 26% من إجمالي العاملين في هذا القطاع، وهو ما يتطلب سياسات تستهدف تعزيز دمج المرأة وتوسيع نطاق العمل الرسمي.
وأكدت منظمة العمل الدولية، أنها تدعم الحكومات في إعداد السياسات الوطنية الخاصة بالتشغيل والتعليم والتدريب والحماية الاجتماعية بما يتوافق مع أهداف الاقتصاد الدائري، كما تقدم الدعم الفني في مجالات إصلاح نظم المهارات، والتدريب الفني والمهني، وحوكمة سوق العمل، والتفتيش العمالي، وتعزيز الامتثال للتشريعات.
وأضافت أن المنظمة تدعم أيضا منظمات أصحاب الأعمال في رفع الإنتاجية والابتكار، مع التركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات، التي تمثل غالبية المنشآت الاقتصادية وتشغل قرابة نصف إجمالي القوى العاملة، إلى جانب دعم منظمات العمال في تطوير قدراتها على الحوار الاجتماعي والتفاوض وإعادة تدريب العمال وتأهيلهم للوظائف الجديدة.
وأكد التقرير، أن نجاح التحول إلى الاقتصاد الدائري يتطلب إطارا للانتقال العادل يضمن تحقيق التوازن بين الاستدامة البيئية، والنمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، بما يتيح خلق فرص عمل لائقة، وتحسين الإنتاجية، ودعم التنمية المستدامة دون استبعاد أي فئة من المجتمع.