في أحد مستشفيات غزة، حيث تختلط أصوات الأجهزة الطبية بأنين المرضى، يرقد الطفل الفلسطيني زين الهندي على سرير بارد، لا يشبه الأطفال في عمره إلا بالاسم، يبلغ الطفل من العمر أربع سنوات ونصف، لكن ملامحه توحي بسنوات طويلة من المعاناة، وكأن الحرب اختصرت طفولته وأخذت منها كل ما هو جميل.
لم يعد جسده الصغير قادرا على مقاومة الجوع والمرض، حيث أرهقه سوء التغذية الحاد حتى أصبح هيكلا عظميا بالكاد تتحرك فيه الحياة، عظامه بارزة تحت جلده الرقيق، ووجهه الذي كان يفترض أن يحمل ضحكات الطفولة، أصبح شاحبا، تكسوه علامات الإرهاق والألم، بينما تبحث عيناه الصغيرتان عن بصيص أمل وسط هذا الظلام الذي يحيط بكل شيء.
الطفل زين الهندي
معاناة الطفل
منذ شهور طويلة، ينتظر زين فرصة للخروج من غزة لتلقي العلاج، لكن الأبواب ما زالت مغلقة أمامه، فيما تتراجع حالته الصحية يوما بعد يوم، ولم يعد الأمر يتعلق بالعلاج فحسب، بل أصبح سباقا مع الزمن، حيث يقترب الخطر أكثر مع كل يوم يمر دون تدخل طبي عاجل.
تقول عائلته إن ابنها كان طفلا يحب اللعب والركض كغيره من الأطفال، لكن المرض والجوع سلباه تلك التفاصيل البسيطة، واليوم، لا يستطيع زين الوقوف على قدميه، ولا يملك من القوة ما يكفي حتى للبكاء، يكتفي بالنظر إلى من حوله بعينين مثقلتين بالتعب، وكأنهما تسألان سؤالا واحدا "متى ينتهي هذا الألم؟".
في غزة، لم يعد الجوع مجرد إحساس عابر، بل أصبح مرضا ينهش أجساد الأطفال قبل أن ينهش أحلامهم، وسوء التغذية لم يعد رقما في تقرير طبي، بل واقعا يعيشه مئات الصغار الذين يواجهون خطر الموت البطيء بسبب نقص الغذاء والدواء واستمرار تعثر وصول العلاج إلى خارج القطاع.
زين الهندي
جرائم الاحتلال
وخلال إحصائية نشرها المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو، أكد أن الاحتلال تعمد تدمير المنظومة الصحية، وقصف وأحرق وتسبب في ضرر 38 مستشفى خرجت عن الخدمة، وقتل 1,700 من الطواقم الطبية الباسلة، وفي الوقت ذاته، يئن أكثر من 173,514 جريحا ومصابا من غياب العلاج ومنع 22,000 من المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج في الخارج.
وأشار إلى تسجيل أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بالأمراض المعدية بين قرابة 2 مليون نازح أجبرهم الاحتلال على النزوح الإجباري والتهجير القسري والعيش في 132,000 خيمة اهترأت بالكامل ولم تعد صالحة للإيواء، فيما يمنع دخول البيوت المتنقلة ومواد الإعمار في جريمة مركبة دمرت الأخضر واليابس في غزة.
انهيار المنظومة الصحية في غزة
وأوضح أن الاحتلال استخدم سلاح التجويع في وجه المدنيين، حيث يواصل إغلاق المعابر بشكل تام، فأغلقها أكثر من 670 يوما، مانعا دخول مئات الآلاف من شاحنات المساعدات والغذاء، ما وضع 650,000 طفل تحت خطر الموت المحقق جراء سوء التغذية والجوع، وخلف 58,800 طفل يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما، في مأساة إنسانية يندى لها جبين البشرية.
زين واحد من هؤلاء الأطفال المصابين بسوء التغذية، هو لا يحتاج إلى الطعام فقط، رغم أن جسده المنهك يصرخ طلبا للغذاء، بل يحتاج إلى حياة كاملة، ويحتاج إلى علاج متخصص لا يتوافر في القطاع، وإلى رعاية طبية عاجلة يمكن أن تعيد إليه فرصة النجاة قبل فوات الأوان.
صرخات المصابين في غزة
مناشدات العائلة
مناشدات عائلته لا تتوقف، في كل يوم يناشد والداه المؤسسات الإنسانية والجهات الدولية وكل من يملك القدرة على المساعدة، من أجل إنقاذ حياة طفلهما، لكن الوقت يمضي سريعا، بينما تستمر حالته الصحية في التدهور، حتى باتت كل دقيقة تأخير قد تكون الفاصلة بين الحياة والموت.
ورغم صغر سنه، أصبح زين رمزا لمعاناة آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين يدفعون ثمن الحرب بأجسادهم الغضة، فطفل في الرابعة من عمره لا ينبغي أن يكون همه الحصول على تصريح للعلاج أو جرعة غذائية تنقذ حياته، بل أن يركض خلف ألعابه، ويتعلم أولى كلماته في المدرسة، ويعيش طفولته بعيدا عن أسرة المستشفيات والخوف والجوع.