** 34 مليار دولار في تركيا.. و524 مليارًا في أوكرانيا.. ماذا تكشف أرقام الكوارث؟
** من 1.78 مليار إلى 524 مليار دولار.. كيف تبدأ رحلة أموال الكوارث؟
** من 34 إلى 524 مليار دولار.. رحلة الأموال بعد الحروب والزلازل والأوبئة
** 524 مليار دولار لإعمار أوكرانيا.. و1.78 مليار لتركيا.. ماذا تقول الأرقام؟
** 3 كوارث صنعت أكبر موجات الإنفاق في العالم.. من حصد المليارات؟
لم تعد الكوارث الكبرى تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل أيضًا بحجم الأموال التي تتحرك فور وقوعها، فخلال ساعات أو أيام من اندلاع حرب، أو وقوع زلزال، أو تفشي وباء، تبدأ الحكومات والمؤسسات المالية الدولية في حشد مليارات الدولارات لتمويل الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، لكن هل تسلك هذه الأموال المسار نفسه في كل أزمة؟ وهل تختلف وجهتها باختلاف نوع الكارثة؟ في هذه الحلقة، يتتبع التحقيق ثلاث دراسات حالة هي زلزال تركيا، وجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، لرصد كيف تحركت الأموال، ومن موّلها، وما القطاعات التي استحوذت على النصيب الأكبر من الإنفاق، بحثًا عن النمط المشترك الذي يحكم اقتصاد الكوارث حول العالم.
قد تبدو الإجابة النظرية واضحة؛ فالحروب والكوارث لا توقف حركة الاقتصاد، وإنما تعيد توجيه الأموال نحو أولويات جديدة فرضتها الأزمة.
هل يحدث ذلك فعلًا على أرض الواقع؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا تكفي النظريات الاقتصادية أو تقارير المؤسسات الدولية وحدها، بل لا بد من تتبع مسار الأموال في كوارث حقيقية، ومعرفة كيف تحركت، ومن موّلها، وأين أُنفقت، وما هي القطاعات التي استحوذت على النصيب الأكبر من الإنفاق.
ولذلك، يعود هذا التحقيق إلى ثلاث أزمات مختلفة في طبيعتها؛ كارثة طبيعية، وجائحة صحية، وحرب، ليتتبع بالأرقام والوثائق رحلة الأموال منذ اللحظة الأولى لوقوع الكارثة وحتى بداية مرحلة التعافي، بحثًا عن إجابة لسؤال واحد:
هل يتغير شكل الكارثة فقط، أم أن رحلة الأموال تتكرر في كل مرة؟

انفو الحلقة الثانية مولدة بالذكاء الاصطناعى
الحالة الأولى: زلزال تركيا.. عندما تحركت مليارات الدولارات في أيام
في فجر السادس من فبراير 2023، ضرب زلزالان عنيفان جنوب تركيا وشمال سوريا، لتبدأ واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية في المنطقة خلال العقود الأخيرة. وبينما انشغل العالم بمتابعة أعداد الضحايا وعمليات الإنقاذ، كانت الحكومات والمؤسسات المالية الدولية تتحرك على مسار آخر: توفير التمويل اللازم للاستجابة ثم إعادة الإعمار.
وفقًا للبنك الدولي (World Bank): بلغت قيمة الأضرار المادية المباشرة التي خلفتها الزلازل في تركيا نحو 34.2 مليار دولار، وهو ما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا عام 2021. وأكد البنك أن تكلفة التعافي وإعادة الإعمار ستكون أكبر بكثير، وقد تصل إلى ضعف قيمة الأضرار المباشرة، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن توقف الأنشطة والإنتاج ولم تنتظر المؤسسات الدولية انتهاء عمليات الإنقاذ حتى تبدأ في توفير التمويل.
وفقًا للبنك الدولي: أعلن بعد ثلاثة أيام فقط من الزلزال عن حزمة تمويل أولية بقيمة 1.78 مليار دولار لدعم جهود الإغاثة والتعافي، تضمنت 780 مليون دولار أعيد توجيهها من مشروعات قائمة للاستجابة الطارئة، إضافة إلى مليار دولار خُصصت لمشروع جديد لإعادة الإعمار.
وتُظهر بيانات البنك الدولي أيضًا أن الجزء الأكبر من الأضرار أصاب المباني السكنية، التي استحوذت على نحو 53% من إجمالي الخسائر المباشرة (18 مليار دولار)، بينما بلغت خسائر المباني غير السكنية، مثل المستشفيات والمدارس والمباني الحكومية، نحو 9.7 مليار دولار، فيما قُدرت خسائر البنية التحتية، من طرق وكهرباء ومياه، بنحو 6.4 مليار دولار.
تكشف هذه الأرقام أول خيط في رحلة الأموال؛ فالأولوية لم تكن إعادة بناء المدن فورًا، بل توفير السيولة العاجلة، ثم توجيهها إلى القطاعات الأكثر تضررًا، قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار التي قد تمتد لسنوات.
الحالة الثانية: جائحة كورونا... عندما أصبحت الأزمة عالمية
إذا كان زلزال تركيا حرك مليارات الدولارات داخل دولة واحدة، فإن جائحة كورونا أعادت رسم خريطة الإنفاق العام على مستوى العالم.
وفقًا لقاعدة بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) الخاصة بالاستجابات المالية لجائحة كورونا: أعلنت الحكومات حول العالم منذ بداية الجائحة حزمًا مالية غير مسبوقة لدعم الأنظمة الصحية، والأسر، والشركات، وأسواق العمل، وشملت الإجراءات إنفاقًا مباشرًا، وإعفاءات ضريبية، وضمانات قروض، وأشكالًا مختلفة من الدعم المالي.
ويصف الصندوق هذه الاستجابة بأنها الأكبر من نوعها في التاريخ الحديث من حيث الحجم والنطاق.
ولم تقتصر حركة الأموال على وزارات الصحة، بل امتدت إلى برامج دعم العمالة، وتعويض الشركات، وتمويل شراء اللقاحات، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وهو ما أدى إلى إعادة ترتيب أولويات الموازنات العامة في عشرات الدول خلال فترة زمنية قصيرة.
الحالة الثالثة: الحرب في أوكرانيا... عندما أصبحت إعادة الإعمار مشروعًا بنصف تريليون دولار
في 24 فبراير2022، بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، لتتحول خلال أشهر إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والاقتصادية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وبينما انشغل العالم بتطورات المعارك، كانت المؤسسات الدولية تعمل على تقييم حجم الدمار والتمويل المطلوب لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفقًا للتقييم الرابع السريع للأضرار والاحتياجات (RDNA4)، الصادر بشكل مشترك عن الحكومة الأوكرانية، والبنك الدولي، والمفوضية الأوروبية، والأمم المتحدة في فبراير 2025:
بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في أوكرانيا نحو 524 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وهو رقم يعادل ما يقرب من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا قبل الحرب.
وأوضح التقرير أن هذه الاحتياجات تشمل قطاعات رئيسية، أبرزها:
الإسكان.
النقل.
الطاقة.
التجارة والصناعة.
الزراعة.
الصحة.
التعليم.
إزالة الأنقاض.
الحماية الاجتماعية.
كما أشار التقرير إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني والبنية التحتية والأصول الاقتصادية تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، بينما تستمر قيمة الاحتياجات في الارتفاع مع استمرار الحرب.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجمها، بل على ما تكشفه من حقيقة اقتصادية؛ فبمجرد وقوع الحرب، بدأت رحلة جديدة للأموال، تمثلت في حزم المساعدات الدولية، والقروض، والمنح، وصناديق إعادة الإعمار، وتمويل مشروعات البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وبمقارنة هذه الحالة مع زلزال تركيا وجائحة كورونا، يظهر نمط متكرر؛ فالكارثة، مهما اختلف سببها، تدفع الحكومات والمؤسسات الدولية إلى إعادة توجيه موارد مالية ضخمة نحو قطاعات محددة، تمهيدًا لمرحلة التعافي وإعادة البناء.
ويبقى السؤال الذي يقودنا إلى الفصل التالي:
إذا كانت هذه المليارات تُخصص للإعمار والتعافي، فمن هي الجهات التي تنفذ هذه المشروعات؟ ومن يحصل على النصيب الأكبر من هذه التدفقات المالية؟