كان رؤساء وزعماء الدول الأفريقية يتوافدون إلى القاهرة يوم 15 يوليو، مثل هذا اليوم ،1964، للمشاركة فى مؤتمر القمة الأفريقى، وكان المؤتمر يواجه أزمة مفاجئة بإعلان الكونغو حضور رئيس وزرائها «تشومبى»، وهو الأمر الذى رفضه معظم الرؤساء المشاركين، حسبما تذكر جريدة «الأخبار» فى عددها الصادر يوم 16 يوليو 1964.
كان حضور «تشومبى» للمؤتمر تحديا للمشاعر الأفريقية، وفقا لمحمود رياض وزير خارجية مصر وقتئذ، فى الجزء الثالث من مذكراته «أمريكا والعرب»، مشيرا إلى أن السبب يعود إلى الصراع الذى كان دائرا فى الكونغو منذ يوليو 1960 بين الحركة الوطنية بقيادة رئيس الوزراء «باتريس لومومبا»، ورئيس الجمهورية «كازافوبو» المدعوم من أمريكا وبلجيكا التى تستعمر الكونغو.
يذكر محمود رياض، أن هذا الصراع كان يشهد تحريضا من بلجيكا لتشومبى حاكم إقليم «كاتنجا» الذى تتركز فيه ثروات الكونغو على إعلان الانفصال، فطلب لومومبا من الأمم المتحدة إرسال قوة دولية لحفظ القانون بهدف منع بلجيكا من العودة لاحتلال بلاده، كما اتصل بعبدالناصر والرئيس الغانى «نكروما»، ورئيس غينيا «سيكوتورى» طالبا مساهمتهم فى القوات الدولية، ولذلك عندما طلب «همرشلد» سكرتير عام الأمم المتحدة من عبدالناصر اشتراك مصر فى القوات الدولية، لم يتردد فى الموافقة، وأرسل كتيبة من المظليين بقيادة العقيد سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة فيما بعد.
انتهى الصراع بقيام «كازافوبو» بالقبض على «لومومبا» يوم 17 يناير 1961 وذلك بواسطة قائد الجيش «موبوتو» رئيس الكونغو فيما بعد، وأمر «كازافوبو» بتسليمه إلى «تشومبى» الذى قام بقتله، وفقا لمحمد فائق رئيس دائرة الشوون الأفريقية برئاسة الجمهورية وقتئذ، ويذكر «فائق» فى مذكراته «عبدالناصر والثورة الأفريقية»: «ما زلت أذكر كما يذكر الكثيرون غيرى بكل تأكيد منظر لومومبا وهو يساق إلى حتفه، وكانت شاشة التليفزيون قد عرضت فيلما استطاع أحد المصورين التقاطه للومومبا بعد القبض عليه، كان مقيد اليدين يدفعه حراسه ويضربونه بكعوب بنادقهم فيسقط على الأرض ثم يجذبونه من شعر رأسه ليقف فيلاقى الضرب والركل من جديد، ولكن نظرات لومومبا وملامح وجهه كانت تعكس كل معانى التحدى والشموخ والكبرياء».
يذكر فائق، أن «كازافوبو» قرر تعيين «تشومبى» رئيسا للحكومة قبل انعقاد مؤتمر القمة الأفريقى الثانى فى يوليو 1964، وحضوره للقاهرة للمشاركة، وكان ذلك يعد نيلا من كرامة مصر التى سبق أن أرسلت قواتها تحت علم الأمم المتحدة لمقاومة حركته الانفصالية، كما رأى جمال عبدالناصر أن حضوره تحديا للشعور الأفريقى، واستسلاما لسياسة الأمر الواقع التى يعمل الاستعمار على فرضها، وبناء على ذلك قام الوفد المصرى فى مؤتمر وزراء الخارجية الذى عقد فى القاهرة قبل القمة مباشرة، بإقناع الوفود الأخرى بأن ترسل برقية باسم المؤتمر إلى «كازافوبو» تطلب منه عدم اشتراك «تشومبى» فى وفد بلاده، ووافقت جميع الدول الأفريقية على هذا الاقتراح عدا وفد الكونغو الذى انسحب وحده من المؤتمر احتجاجا على القرار.
لكن «فائق» يكشف أن الرئيس «سيرانانا» رئيس مدغشقر هو الرئيس الوحيد الذى حاول الدفاع عن «تشومبى»، فجاء دفاعه بعيدا عن المنطق ومثيرا للضحك إذ قال: «لقد استنكرنا جميعا مقتل لومومبا ولكن هذا لا يعطينا الحق فى التدخل فى شؤون الكونغو، وطالما نحن بهذا الصدد فلنسأل ضمائرنا، من منا لم يوقع على وثيقة بإعدام أحد مواطنيه؟.. لسنا جميعا ملائكة، فإذا كان تشومبى سيذهب إلى الجحيم فمن المؤكد أنه لن يكون وحده، فالبعض سيكونون معه».
تذكر «الأخبار» فى عددها الصادر يوم 16 يوليو 1964، أن رؤساء بعض الدول الأفريقية هددوا بأنهم لن يحضروا المؤتمر إذا أصر تشومبى على حضوره، وتضيف «الأخبار» أن الملك الحسن الثانى ملك المغرب وجه رسالة إلى الشعب المغربى عن طريق الإذاعة والتليفزيون المغربيين بأنه لن يحضر مؤتمر القمة فى القاهرة، إذا حضر «تشومبى»، كما ذكرت «الأخبار» أن وفد الكونغو فى مجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية حاول أن يدافع عن اشتراك «تشومبى»، وعقد رئيس الوفد مؤتمرا صحفيا فى «15 يوليو 1964» فى القاهرة، قال فيه لا يمكن الحكم على الأشخاص بالنظر إلى ماضيهم، وبالرغم من أن تشومبى كان انفصاليا فى الماضى، فإنه أصبح فى الوقت الحاضر رئيسا للوزراء.
انتهت الأحداث بمنع «تشومبى» من الحضور إلى القاهرة وبالتالى عدم مشاركته فى المؤتمر، لكنه كرر المحاولة بعد ذلك فى أكتوبر 1964 أثناء عقد مؤتمر قمة عدم الانحياز بالقاهرة، وبالفعل وصل إلى مطار القاهرة الدولى بالرغم من إبلاغه برفض مشاركته، وتقرر استقباله رسميا، وبالفعل نزل فى قصر الضيافة بمصر الجديدة بعد أن رفضت جميع الدول اشتراكه فى المؤتمر، وفقا لما يذكره محمود رياض، وتلك قصة أخرى.