تغير المناخ يكتب قواعد جديدة.. مركز المناخ: مصر وصلت رسميا إلى منتصف الصيف المناخى.. تراجع فى عدد الأيام شديدة الحرارة التى تتجاوز 40 درجة مقارنة بالمواسم الأخيرة.. ويحذر: الاعتدال لا يعنى غياب موجات الحر

الأربعاء، 15 يوليو 2026 07:00 ص
تغير المناخ يكتب قواعد جديدة.. مركز المناخ: مصر وصلت رسميا إلى منتصف الصيف المناخى.. تراجع فى عدد الأيام شديدة الحرارة التى تتجاوز 40 درجة مقارنة بالمواسم الأخيرة.. ويحذر: الاعتدال لا يعنى غياب موجات الحر ارتفاع حرارة الطقس

كتبت أسماء نصار

شهدت العروة الصيفية الحالية في مصر تحولاً ملموسًا في طبيعة التحديات المناخية، فبينما تنفست المحاصيل الصعداء بفضل انكسار حدة الحر المعتاد، فرضت الطبيعة تحديًا من نوع آخر تمثل في طفرة غير مسبوقة للآفات الحشرية.

 

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن مصر وصلت رسميًا إلى منتصف الصيف المناخي بالتزامن مع الأسبوع الأول من شهر "أبيب".

 

وأوضح أن الأرقام المسجلة حتى الآن تشير إلى تراجع واضح في عدد الأيام شديدة الحرارة (التي تتجاوز 40°م) مقارنة بالمواسم الأخيرة، مما ينعكس إيجابًا على القطاع الزراعي، مستدركًا بأن هذا الاعتدال لا يعني نهاية الصيف أو غياب موجات الحر القادمة.

 

المحاصيل الصيفية تتنفس الصعداء

أضاف أن غياب موجات "الصهد" الطويلة والحرارة الحارقة خلال النصف الأول من الصيف ساهم في تقديم دعم غير مباشر للمزارعين، حيث تم رصد عدة مؤشرات إيجابية على الأرض و انخفضت الضغوط الحرارية على معظم المحاصيل الصيفية، مما سمح باستمرار نشاط التمثيل الضوئي لفترات أطول دون توقف قسري.



كما أن هناك تحسن فى معدل عقد وامتلاء الحبوب في محصول الذرة، مع تراجع ملحوظ في نسب فشل التلقيح التي كانت تحدث سابقًا نتيجة تجاوز درجات الحرارة حاجز 42–44°م لعدة أيام متتالية.

 

و شهد الأرز تحسنًا واضحًا في مراحل التفريع وبداية تكوين السنابل، و تراجعت معدلات تساقط لوز وأزهار القطن الناتجة عن الصدمات الحرارية، وانخفضت ظواهر احتراق الأوراق وحروق الثمار (لفحة الشمس)، مما قلل بدوره من استهلاك النباتات للمياه نسبيًا مقارنة بالسنوات القياسية الماضية.

 

رطوبة وهدوء رياح يغذيان "طوفان الآفات"

وكما هي عادة التوازنات البيئية، فإن الطبيعة لا تمنح مكاسب مجانية، حيث تسبب اعتدال درجات الحرارة مع ارتفاع معدلات الرطوبة وهدوء حركة الرياح في تهيئة بيئة نموذجية لتكاثر وتضاعف الحشرات والآفات بسرعة فائقة.

 

ورصد مركز معلومات تغير المناخ نشاطًا لعدد من الآفات، وفي مقدمتها البق الدقيقي، الحشرات القشرية، الذبابة البيضاء، الجاسيد، التربس، والمن، إلى جانب العنكبوت الأحمر في بعض المناطق، واستمرار نشاط دودة الحشد الخريفية نتيجة توفر العوائل النباتية.

 

وحذر فهيم من أن الزيادة الملحوظة في الحشرات الثاقبة الماصة على محاصيل الخضر لا تلتهم الأوراق فحسب، بل ترفع بشكل مباشر من احتمالية انتقال الأمراض الفيروسية القاتلة بين النباتات.

 

ما بين القباب الحرارية والضغوط الحيوية
 

و مع بقاء النصف الثاني من شهر أبيب ثم شهر مسرى كاملاً، تظل الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، فتاريخيًا، تعد هذه الفترة من أكثر فترات السنة قدرة على توليد موجات حرارية قياسية نتيجة احتمالية تشكل القباب الحرارية أو امتداد كتل هوائية شديدة السخونة من شبه الجزيرة العربية.

 

ووفقًا لتقديرات فهيم، يواجه المزارع المصري حاليًا سيناريوهين الأول استمرار الأجواء الحالية مما يعني بقاء الضغوط الحرارية منخفضة، مقابل تزايد مستمر وعنيف في الضغوط الحيوية (الآفات والأمراض)، و حدوث موجة حر مفاجئة وقوية وهو السيناريو الأشد خطورة، إذ ستجد النباتات نفسها مجبرة على مقاومة الإجهادين الحراري والحيوي في آن واحد، مما قد يضاعف حجم الخسائر بشكل متسارع.

 

توصيات حاسمة لحماية المحصول

و لعبور ما تبقى من فصل الصيف بأمان، وضع مركز المناخ مجموعة من التوصيات الإرشادية العاجلة التي يجب تطبيقها فورًا الالتزام التام بالفحص الحقلي الدوري والدقيق بمعدل مرتين أسبوعيًا كحد أدنى لاكتشاف الإصابات الحشرية في مهدها، و عدم الانتظار حتى تفاقم الإصابة، مع تجنب الرش الوقائي العشوائي دون تخطي الآفة للحد الاقتصادي الحرج، والحرص على تدوير المواد الفعالة للمبيدات لمنع اكتساب الحشرات مناعة ضدها، و التركيز على التسميد بالبوتاسيوم والكالسيوم لتقوية جدر الخلايا النباتية، والامتناع تمامًا عن الإفراط في التسميد الأزوتي (النيتروجيني) الذي يجعل الأنسجة غضة وجاذبة للحشرات الثاقبة الماصة.

 

كما شملت التوصيات ضرورة تنظيم فترات الري بدقة وتجنب التذبذب الحاد (تعطيش النبات ثم إغراقه بالماء)، لأن الإجهاد المائي يضعف مناعة النبات ويشجع تفشي الآفات، و التخلص الفوري من الحشائش والعوائل البديلة على الجسور والمصارف المحيطة بالحقول، مع نشر المصائد المناسبة لمراقبة ورصد تطور تعداد الآفات.

 

تأثير التذبذب السنوي.. كيف يربك المناخ حسابات المزارعين؟

ويشير الخبراء إلى أن الطقس في مصر لم يعد يسير على وتيرة واحدة أو يلتزم بكتالوج تاريخي ثابت، فالتغيرات الحادة في سلوك المناخ من عام إلى آخر باتت تفرض واقعًا متذبذبًا ومربكًا للقطاع الزراعي، فبينما شهد هذا الموسم اعتدالًا نسبيًا في درجات الحرارة خفف العبء عن المحاصيل الصيفية، كان الصيف الماضي يسجل أرقامًا قياسية وتاريخية في الارتفاع، تسببت في موجات جفاف وإجهاد حراري حاد أهلكت بعض العروات.

 

ويؤكد الخبراء أن هذا التباين السنوي الحاد يسلب المزارعين ميزة "التنبؤ الإرثي" القائم على خبرات الأجداد، ويجعل من الصعب تصميم حزمة إرشادية موحدة لكل السنوات، حيث يمكن لعام واحد دافئ وممطر شتاءً أو معتدل ورطب صيفًا أن يقلب خريطة انتشار الآفات والأمراض رأسًا على عقب مقارنة بالعام الذي سبقه.

 

من التكيف المؤقت إلى المرونة المستدامة

أمام هذا التذبذب السنوي، لم يعد مجديًا التعامل مع المناخ بردود أفعال مؤقتة أو حلول موسمية، بل تبرز الحاجة الملحة إلى بناء "منظومة مرونة زراعية مستدامة".

 

كما يؤكد الخبراء أن مواجهة التطرفات الطقسية المتغيرة من عام لآخر تتطلب استراتيجيات طويلة المدى، تبدأ من التوسع في استنباط أصناف نباتية وهجن جديدة تمتلك مرونة مزدوجة، بحيث تكون قادرة على تحمل الحر الشديد في السنوات شديدة الحرارة، ومقاومة الأمراض والآفات الرطبة في السنوات المعتدلة.

 

كما يشدد الخبراء على أنه أصبح من الضرورى تطوير أنظمة الإنذار المبكر والتوصيات الديناميكية، التي تسلح المزارع بالبيانات والخطط البديلة، لتمكينه من تعديل مواعيد الزراعة والري والتسميد بشكل فوري يتناسب مع هوية الموسم الحالية، وليس مع ما كان عليه العام الماضي.

 

جدير بالذكر أن الزراعة نجحت في تجاوز النصف الأول من الصيف بأقل خسائر حرارية ممكنة، وهي فرصة يجب الحفاظ عليها لتأمين الإنتاجية، إلا أن طبيعة المعركة قد تغيرت، فلم تعد الحرارة وحدها هي الخصم، بل أصبحت الآفات والحشرات هي التهديد الأول، مما يجعل "اليقظة" خلال الأسابيع القادمة هي الفيصل الحاسم لنجاح الموسم الزراعي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة