كانت الساعة السادسة صباح 1 يوليو، مثل هذا اليوم، 1956، حين سار «جاد جاد المولى» من بيته إلى شارع قصر النيل، ليلحق بالمفكر الدكتور صبحى وحيدة سكرتير اتحاد الصناعات المصرية، ومؤلف كتاب «فى أصول المسألة المصرية» عام 1950.
كان «المولى» يخفى معه سكينا اشتراه بقرشين صاغ، وطعن به صبحى وحيدة عدة طعنات نافذة ليفارق الحياة، ثم حاول القاتل الهرب لكنه فشل، وتم القبض عليه، وبعد ثلاثة أيام اعترف بجريمته أمام النيابة، حسبما تذكر مجلة «آخر ساعة» فى عددها 1132 الصادر فى يوم 11 يوليو، 1956، قائلا: «نعم قتلته من أجل أولادى، ومن أجل لقمة العيش التى حرمنى منها وحرم أولادى منها، قتلته وأنا أحس أننى كنت أريد أن أقطع جسمه فتافيت، عشرة شهور وأنا عاطل، أخرج كل صباح من البيت وليس فى جيبى قرش، وأعود فى المساء وليس فى جيبى قرش، من أجل هذا قتلته».
كان المتهم «جاد المولى» يبلغ من العمر 45 عاما، وكان يعمل ساعيا فى اتحاد الصناعات، ويتقاضى راتبا 18 جنيها شهريا تكفى نفقاته لكنه استقال وأصبح عاطلا، وبدا من اعترافاته أنه يلقى بمسؤولية ما حدث له على الدكتور صبحى وحيدة، لكن الكاتب الصحفى خيرى حسن يفند ذلك فى تحقيقه «الموت والحياة.. قاتل المفكر صبحى وحيدة»، المنشور بجريدة الوفد يوم 24 سبتمبر، 2021، قائلا إن القاتل تقدم باستقالته ليحصل على مكافأة نهاية الخدمة ليعمل بها فى التجارة، وحاول الدكتور صبحى وحيدة فى البداية إقناعه بخطأ هذه الخطوة ليعدل عنها، لكن جاد المولى لم يستجب، وفى النهاية استقال وتم منحه مكافأة قيمتها 385 جنيها بتدخل من الدكتور صبحى بعد أن كان يستحق 187 جنيها فقط.
أخذ «جاد المولى» المكافأة، وظل ينفق منها ببذخ حتى ضاعت وفقا لاعترافات زوجته الثانية شريفة عبدالله، أمام النيابة، فتوجه إلى الدكتور صبحى وحيدة ليرجوه العودة للعمل، لكن الشؤون القانونية لم توافق على طلبه، ومن هنا بدأ تفكيره وتخطيطه لتنفيذ جريمته، وبسببها قضت المحكمة بإعدامه ونفذ الحكم فى يوم 6 يوليو 1958.
أحدثت هذه الجريمة هزة كبيرة، فالقتيل لم يكن شخصية عادية، وحسب المفكر الدكتور أنور عبدالملك فى مقدمته لطبعة «فى أصول المسألة المصرية» التى أصدرتها مكتبة الأسرة، فإن «عبدالفتاح صبحى وحيدة من مواليد 1912، وحاز على الدكتوراه فى القانون من جامعة روما، ثم عاد إلى القاهرة وعمل فى سكرتارية اتحاد الصناعات المصرية، حيث التقطه رئيس الاتحاد إسماعيل صدقى باشا، الرجل القوى للرأسمالية وعينه أمينا عاما للاتحاد عام 1950، وبعد سنة أصدر كتابه «فى أصول المسألة المصرية» ومعه ملزمة من آراء رجالات مصر، إسماعيل صدقى باشا، عبدالقوى أحمد باشا، توفيق دوس باشا، حسن نشأت باشا، يعبرون عن دهشتهم لظهور هذا المفكر الجديد.
يؤكد عبدالملك: «عرفنا بعد رحيل الرجل أنه تم توزيع 80 ألف نسخة من هذا الكتاب المتعمق فى جذور فلسفة تاريخ مصر وتحركها الممكن المستقبلى»، ويصف «عبدالملك» كتاب «فى أصول المسألة المصرية»، قائلا: «فاتح بكل معانى الكلمة، ودخل فى أعماق وجدان عشرات وربما مئات الآلاف من المصريين، لأنه رأى أن يركز التحليل على الحالة الداخلية لمصر، ويوجه أدق عملية الصياغة التاريخية للمجتمع المصرى عبر الأجيال، بدلا من الاكتفاء بالتنديد بالاحتلال، وإن كان موقفه من الاحتلال والاستعمار والتبعية عميقا لا هوادة فيه، وكذا لاحظ كبار باشوات مصر أن المؤلف يركز بشكل لم يسبق له مثيل على الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية بدلا من الدبلوماسيات والتاريخ السياسى».
يكشف «عبدالملك» أنه بينما كان للباشوات هذه النظرة فى هذا الكتاب، رأى الشباب التقدمى أعضاء «دار الأبحاث العلمية» ضرورة الاتصال بمؤلفه، وشاءت الظروف أن يأخذ عبدالملك تكليفا من شهدى عطية بمهمة هذا الاتصال لمحاولة فهم: كيف يمكن أن يكون الأمين العام لاتحاد صناعات مصر أى قلب الرأسمالية الصناعية فى مصر على خطوط متوازية ومساحات واسعة من التواكب، بل والاتفاق مع القطاع التقدمى للحركة الوطنية المصرية؟
ويذكر «عبدالملك» أنه لما قابل صبحى وحيدة بعد إجازة صيف عام 1950 وكان ذلك فى الحادية عشرة صباحا فى مكتبه، وجده رجلا ممشوق القوام باسما مرحبا، ويضيف: «بعد ساعتين انتهينا إلى أن هذه النهاية للقاء الأول بداية لمسيرة مشتركة بين زملائى والقطاع الذى يمثله المؤلف، وهو الذى أطلقنا عليه فيما بعد اسم فئة التكنوقراط، أى علماء ومحترفون إتقان تكنولوجيا الاقتصاد».
يؤكد «عبدالملك» أنه بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 بقى الدكتور صبحى وحيدة يعمل فى مركزه رغم إبعاد الباشوات عن الحكم، وكان النظام الجديد يأتمنه على اتحاد الصناعات المصرية قلب الرأسمالية الصناعية فى البلاد.