مساعد وزير الداخلية الأسبق يروي لـ اليوم السابع تفاصيل الحصار الأمني لترسانات الموت
يفتح خزينة الأسرار لـ اليوم السابع: هكذا تحولت خلايا الإرهاب إلى أوراق شجر تهاوت في خريف دحر الإرهاب
مساعد مدير المباحث الجنائية الأسبق يكشف كواليس تتبع الإرهابيين وتجفيف منابع التمويل الخارجي
اللواء خالد يحيى: مصر دفعت فاتورة غالية لنعلن انتصار الدولة في معركة الوجود
من خلف الستائر الكثيفة والغرف المغلقة التي أديرت منها مكائد إسقاط الدولة المصرية، كانت هناك تفاصيل مرعبة لا يراها المواطن العادي، بل يرصدها ويفكك شفراتها رجال نذروا حياتهم لحماية هذا الوطن.
في هذا الحوار الخاص، نلتقي باللواء خالد يحيى، مساعد وزير الداخلية الأسبق ومساعد مدير المباحث الجنائية بمصلحة الأمن العام بالقاهرة والجيزة الأسبق، في شهادته لجريدة اليوم السابع، يتحدث عن الفترة التي سبقت ثورة الثلاثين من يونيو لعام ألفين وثلاثة عشر وما تلاها من موجات عنف عاتية، وكيف نجحت العيون اليقظة في تجفيف منابع الإرهاب وإعلان مصر واحة للأمن والأمان بعد دفع فاتورة دم غالية، وسر التلاحم بين الشعب ومؤسسة الدولة، وكيف نهضت مصر بعد ثورة 30 يونيو وظهرت المشروعات والانجازات.
وإلى نص الحوار:
ـ سيادة اللواء، نرحب بك عبر صفحات اليوم السابع، ونبدأ معك من الجذور، كيف كانت تبدو الصورة الأمنية في كواليس الأجهزة الأمنية والجنائية قبيل اندلاع ثورة الثلاثين من يونيو لعام ألفين وثلاثة عشر؟
أهلاً بكم وبقراء اليوم السابع الأعزاء، في الحقيقة، الحديث عن تلك الفترة يعيد إلى الأذهان أياماً كانت الأنفاس فيها محبوسة، لكن العيون لم تنم قط، قبل الثلاثين من يونيو، كانت الأجهزة الأمنية ترصد بدقة متناهية تحركات مريبة وممنهجة.
لم تكن المسألة مجرد خلاف سياسي أو حراك معارض، بل كنا أمام استراتيجية متكاملة للتغلغل الميداني وبناء شبكات عنقودية مسلحة.
كانت القيادات في مكتب الإرشاد للتنظيم تدير المشهد وتمنح الضوء الأخضر لتأسيس ما عرف بـ خلايا لجان العمليات النوعية، وهي الأذرع المسلحة السرية التي زرعت في ربوع البلاد لتكون رهن الإشارة في حال حدوث أي تمرد شعبي.
رصدت الداخلية رصداً ميدانياً للمنشآت، ومحاولات لاختراق مفاصل الدولة، وبناء ترسانات مخفية من السلاح، فالصورة خلف الستار كانت تقول إن هناك جماعة تستعد لابتلاع الوطن أو إحراقه بالكامل إذا لفظها الشعب، لقد عانى المواطنين من جماعة الإخوان وتهديدها المستمر، وهو الأمر الذي دفع المواطنين للتلاحم مع مؤسسات الدولة للفظ هذه الجماعة الإرهابية، واستعادة الدولة من جديد من أحضان هذه الجماعة التي ارادت خطف البلد بالقوة، لكن المولى عز وجل شاء أن يكون هناك قائد عظيم استجاب لنداء الشعب وأنقذ مصر من الضياع في وقت بالغ الحساسية، لتبدأ مصر حربها على الإرهاب، ثم تبدأ مرحلة البناء والمشروعات والإنجازات لاحقا.
ـ حديثك يقودنا مباشرة إلى هوية الجماعات التي كانت تتحرك في الظل في ذلك التوقيت، ما هي أبرز الحركات الارهابية والشبكات التي ظهرت وحاصرتموها قبل سقوط حكم الجماعة؟
كانت هناك العديد من الخلايا الإرهابية المنبثقة من رحم جماعة الإخوان الإرهابية تنشط في القاهرة والجيزة، أبرزها حركة حسم الإرهابية، والمجموعات العنقودية شديدة الخطورة التي عرفت باسم خلية مدينة نصر الإرهابية، والتي ضمت عناصر تكفيرية معقدة للغاية، خططت لتنفيذ تفجيرات واسعة النطاق في قلب العاصمة قبل سقوط حكم الجماعة بأشهر قليلة لإرهاب الشارع وإحباط أي تحرك شعبي ضدهم.
لقد استهدفت جماعة الإخوان القاهرة والجيزة بالعديد من العمليات وأعمال التخريب، وتهديد المواطنين.
وتجسد أحداث قصر الاتحادية في ديسمبر لعام ألفين واثني عشر الوجه الدموي لسيطرة جماعة الإخوان؛ إذ تحولت محيط القصر الرئاسي إلى ساحة حرب شوارع بعدما استدعت الجماعة ميليشياتها للاعتداء على المتظاهرين السلميين، شهدت الأحداث سحل المواطنين، وتعذيبهم أمام الأسوار، واستشهاد الصحفي الحسيني أبو ضيف، لتظل محطة فارقة كشفت فاشية التنظيم.
ـ بعد الإطاحة بحكم الجماعة في الثلاثين من يونيو، تبدلت التكتيكات تماماً وانطلقت موجة عنف غير مسبوقة، كيف تقرأ هذا التحول في فكر المجموعات الإرهابية على الأرض؟
بعد الإطاحة بنظامهم وفشل مخطط السيطرة، تحولت الاستراتيجية التكفيرية إلى ما يمكن تسميته بأدبياتهم استراتيجية الإنهاك والدمج، لقد أدركوا أن المجموعات القديمة باتت مكشوفة للأمن، فانتقلوا إلى عمق الوادي والدلتا وظهرت تنظيمات وخلايا جديدة كلياً تبنت العمل المسلح المباشر والاغتيالات وحرب الشوارع والعبوات الناسفة، كان للقاهرة والجيزة نصيب كبير من هذه العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها على نطاق كبير، وشملت التفجيرات التي نالت عددا من ضباط الشرطة والقائمة تتسع بأسماء شهداء الشرطة لعل منهم الشهيد البطل ضياء فتوح ووائل طاحون وغيرهم من الشهداء الأبرار.
برزت في هذا التوقيت حركة حسم، وهي اختصار لـ حرك سواعد مصر، والتي أثبتت التحقيقات الأمنية والجنائية أن القيادي الإخواني الهارب يحيى موسى كان يديرها ويوجهها من الخارج بشكل مباشر.
كما ظهر تنظيم لواء الثورة، وتنظيم أجناد مصر الذي قاده الإرهابي همام عطية، وتخصص في زراعة الموت عبر العبوات الناسفة بمحيط المنشآت الحيوية وجامعة القاهرة لاستهداف رجال الشرطة والطلاب على حد سواء.
إن جماعة الإخوان استهدفت الوطن والمواطن بشكل كبير ومكثف لكن وزارة الداخلية وقفت لهم بالمرصاد.
ـ ذكرت أسماء حركية وتنظيمية خطيرة، لكن اسم هشام عشماوي يظل علامة فارقة في تلك الحقبة، كيف تعامل رجال الأمن مع هذا الملف ومع تنظيم المرابطون؟
ملف هشام عشماوي كان يمثل نوعاً آخر من التحدي؛ لأنه ضابط مفصول ويمتلك خلفية تدريبية نظامية، وظفها في خدمة الفكر التكفيري الظلامي بعد عزل الجماعة. عشماوي أسس تنظيم المرابطون التكفيري في مدينة درنة الليبية، وكان يخطط ويوجه الضربات من هناك نحو الصحراء الغربية ومقرات الأمن في الوادي بهدف فتح جبهة استنزاف جديدة للدولة المصرية لكن التنسيق الأمني عالي المستوى نجح في نهاية المطاف في تتبع هذه الشبكة وتفكيكها واصطياد الرؤوس المدبرة لها.
ـ سيادة اللواء، لو استعرضنا شريط الذكريات الأليم والموجع للعمليات الإرهابية الكبرى بعد الثلاثين من يونيو، ما هي المحطات الدموية التي لا تزال محفورة في ذاكرتك المهنية؟
الموجة كانت عاتية والألم كان كبيراً، فالتحول إلى العنف الصريح بدأ بمحاولة الاغتيال الفاشلة لوزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم في سبتمبر لألفين وثلاثة عشر، تلاها في ديسمبر من العام نفسه تفجير مديرية أمن الدقهلية، ذلك الحادث البشع الذي أسفرعن استشهاد عددا من الشهداء وتحطيم مبنى المديرية، وتفجير محيط مديرية أمن القاهرة.
لم يتوقف العنف عند العسكريين فقط، بل امتدت يد الغدر لتطال القضاء واغتالت النائب العام المستشار هشام بركات في يونيو لألفين وخمسة عشر في رسالة واضحة لترهيب العدالة.
ـ للأسف، امتد هذا الغدر أيضاً إلى دور العبادة والمدنيين الأبرياء في مشاهد أبكت مصر والعالم، كيف وثقت الأجهزة الأمنية تلك الاعتداءات؟
هذا يثبت ما قلته في البداية؛ أنهم مجموعة بلا دين ولا أخلاق، واستهداف دور العبادة كان يهدف إلى إشعال فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس، أتذكر بكل أسى تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة في ديسمبر لألفين وستة عشر، والذي خلف ثمانية وعشرين شهيداً معظمهم من النساء والأطفال، ثم تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية في إبريل لألفين وسبعة عشر في يوم أحد الشعانين، بملامح دموية حصدت أرواح خمسة وأربعين مواطناً.
وحتى في العاصمة، تسببوا في كارثة تفجير معهد الأورام بالقاهرة في أغسطس لألفين وتسعة عشر بواسطة سيارة مفخخة تابعة لحركة حسم، مما أسفر عن مصرع اثنين وعشرين مواطناً من المرضى وذويهم، كانت فاتورة ثقيلة جداً من الدم الطاهر.
ـ أمام هذا الإعصار الدموي الشامل، كيف استطاعت وزارة الداخلية قلب الموازين وتحقيق الانتصار الكامل في معركة الوجود؟
الانتصار لم يأتِ بالصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية أمنية استباقية صارمة وضعتها وزارة الداخلية، انتقل فيها رجال الأمن من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة والضربات الاستباقية في معاقلهم.
نجحت الأجهزة الأمنية في قتل وضبط عناصر عشرات من الخلايا الإرهابية، ومصادرة آلاف القطع من الأسلحة النارية والعبوات المتفجرة واللوجستيات قبل استخدامها.
الأهم من ذلك كان النجاح الأمني الفائق في تجفيف منابع التمويل الخارجي وتوقيف العقول المدبرة لملفات تزوير الهويات والدعم اللوجستي للحركات المسلحة، مما شل حركة التنظيمات تماماً وجعلها تتهاوى كأوراق الشجر في الخريف.
ـ سيادة اللواء، بالأرقام والإحصاءات، ما هو حجم الفاتورة الإجمالية التي دفعتها الدولة المصرية للوصول إلى بر الأمان؟
بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المراكز البحثية والبيانات التراكمية المحدثة، فإن العمليات الإرهابية منذ عام ألفين وثلاثة عشر وحتى انحسار الإرهاب كلياً أسفرت عن سقوط مئات الشهداء من أبطال الجيش والشرطة والمدنيين الأبرياء، وإصابة الكثيرين بجروح متفاوتة.
هذه هي الفاتورة الفادحة التي دفعتها مصر لحماية المنطقة والعالم بأسره من تمدد طوفان الإرهاب.
ويسعدني ويشرفني اليوم أن أقول إن تضحيات هؤلاء الأبطال لم تذهب سدى، فقد نجحت الدولة في إعلان خلو البلاد تماماً من التهديد الإرهابي المنظم، وعاد الاستقرار الكامل، وانطلقت قاطرة التنمية في كافة الربوع المصرية بفضل تماسك الشعب وقوة مؤسساته، وقيادته الحكيمة المتمثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ـ في نهاية هذا الحوار الممتع والمليء بالحقائق، نشكرك سيادة اللواء خالد يحيى على هذه الشهادة الحية والتاريخية.
الشكر لكم ولجريدة اليوم السابع التي تنقل الحقيقة دائماً للأجيال القادمة، وتطلق المبادرات الوطنية الهادفة، لتعرف الجميع بقيمة هذا الوطن وما بذل من أجله.