- وزير القوى العاملة من الجماعة طلب تعيين 4 من رجالهم بكل نقابة عمالية تنفيذا لتعليمات مكتب الإرشاد.. وسيطروا على 20 نقابة
- ويوضح كيف حرضت الإرهابية العمال ضد رؤساء الشركات لتعطيل الإنتاج؟ وتفاصيل الجمعية العمومية التاريخية لتطهير الحركة العمالية من عناصرهم
- لولا 30 يونيو لمزقت "الفتنة" بيوت المصريين.. وهي أعظم انتصار في تاريخنا الحديث
يستعرض عبد الفتاح إبراهيم، رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج، فى حوار خاص لـ"اليوم السابع"، تفاصيل محاولات الجماعة الإرهابية السيطرة على مقدرات "اتحاد عمال مصر" بين عامي 2012 و2014، بصفته أحد الوجوه النقابية التي تصدرت المشهد العمالي في تلك الفترة، في هذا الحوار، يكشف إبراهيم عن المخطط الذي بدأ بطلب رسمي من وزير الجماعة فى وزارة القوى العاملة تعيين كوادر الإرهابية داخل النقابات العامة، والضغوط التي مارسها مكتب الإرشاد للإطاحة بالقيادات العمالية عبر تشريعات استثنائية.
يتتبع الحوار محطات الصدام المباشر، بدءا من الاجتماعات السرية في حلوان والإسكندرية، وصولاً إلى كواليس احتفالية عيد العمال بالقصر الجمهوري، كما يوثق تفاصيل ليلة استعادة مبنى الاتحاد في شارع الجلاء، وقرارات إعادة تشكيل 20 نقابة عامة، والمخاطر التي شملت محاولات اختطاف استهدفت القيادات العمالية المعارضة للجماعة.
• إلى نص الحـــوار:
- بعد أحداث يناير.. متى بدأت ملامح استهداف "الجماعة الإرهابية" للتنظيم النقابي العمالى والسيطرة على اتحاد العمال؟
الجماعة الإرهابية عندما تولت في 1 يوليو 2012 كان عندها هدف أساسي هو "أخونة" النقابات، وبدأ ذلك حين جاء وزير من عندهم هو خالد الأزهري فى وزارة القوى العاملة، وطلب تعيين 4 في كل نقابة عامة من المنتمين للجماعة الإرهابية، وأنا كنت وقتها رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج ونائب رئيس الاتحاد.
لقد كان طلبا صريحا، وقيل له حينها إننا 21 نقابة عامة، ويمكن تنفيذ هذا الطلب في 20 نقابة، إلا نقابة واحدة عليك أن تتحدث مع رئيسها، فطلبني الوزير وكنت تقريبا في طريقي لمنزلى بالزقازيق، وقال لي: "أستاذ عبد الفتاح.. أنا محتاج منك تعين 4 عندك فى مجلس النقابة"، فقلت له: "أنا مش موافق"، فقال لي: "أستأذنك تيجي تشرب معايا الشاي يوم السبت"، وكان ذلك يوم خميس.
ذهبت إليه وشربت الشاي، فقال لي: "أنا عايزك تحط في نقابتك 4 من الجماعة الإرهابية"، فقلت له: "هذا الكلام لن ينفع، هل النقابات تأتي بالتعيين أم بالانتخاب؟"، فقال: "والله نحن ظلمنا كثيرا ومنعنا من المشاركة في العمل النقابي وعشان كدة إحنا عايزين ناخد حقنا"، فقلت له: "الدورة النقابية انتهت في 2011 ويتم التجديد لها تباعا، أخرجوا قانونا واجروا انتخابات، ومن يأتي به العمال سنضرب له تعظيم سلام، لكن ما تفعلونه هو علاج ما كنتم ترونه سلبيا بما هو أكثر سلبية منه".
فقال لي: "عشان خاطري"، فقلت له: "سيكون هذا أول مسمار في نعش نهاية الجماعة الإرهابية"، فقال لي: "والله أنا مقتنع بكل كلمة منك ولكن علي ضغوط من مكتب الإرشاد".. وهذه أسرار تفتح لأول مرة.
بعد شد وجذب، قال لي الوزير: "كل الناس وضعت أشخاصا، وبسبب تقديري لك سأترك لك حرية الاختيار"، وكان أمامي الكثير من المنتمين للجماعة الإرهابية في الشركات، فاخترت اثنين يمكن وصفهما بالمعتدلين، وأخرجت مصحفا وحلفت عليه أنهما لن يجلسا على الطاولة التي جلس عليها أحمد فهيم مؤسس الحركة النقابية في الغزل والنسيج وفي الاتحاد، والذي يوضع له تمثال على باب الاتحاد، طوال فترة رئاستي للنقابة.
ظللت أماطل في هذا الأمر حتى استدعيتهم في يناير 2013 وعقدنا اجتماعين خارج مقر النقابة العامة، أحدهما في حلوان والآخر في الإسكندرية، إلى أن قامت ثورة 30 يونيو التي أعتبرها الشرارة التي أعادت لمصر هويتها، فالله سبحانه وتعالى حمى هذا الشعب، لأن خلط الدين بالسياسة كان سيجعل كل الأحاديث تفسر لتبرير كل فعل وكل جرم يرتكب في البلاد، لذا أعتبر 30 يونيو تاريخا يختلف عن نصر أكتوبر 1973؛ فأكتوبر انتصار على عدو واضح، أما 30 يونيو فهو انتصار على أنفسنا، لأن البيوت كانت منقسمة بين منتمى للجماعة الإرهابية، وسلفي، ويساري وغيره، وكانت المشكلة أن الكتلة الصلبة للشعب المصري كانت ستمضي نحو اقتتال حقيقي بأمانة شديدة.
- كيف تمت عملية السيطرة الفعلية على مفاصل الاتحاد العام واللجان النقابية في ذلك الوقت؟
الجماعة الإرهابية بدأت تحركها الفعلي للسيطرة في شهر نوفمبر 2012 تقريبا، وكان الدكتور أحمد عبد الظاهر رئيسا للاتحاد وقتها، طلب مني بالتحديد أن أتولى رئاسة الاتحاد بصفتي كنت نائبا للدكتور "عبد الظاهر"، وذلك مقابل تمرير قانون يطيح بكل من هم فوق سن الستين، وبموجب ذلك يرحل أحمد عبد الظاهر وأتولى أنا، وفي المقابل نقوم بـ "أخونة" النقابات عبر التعيينات التي طلبتها الجماعة الإرهابية.
لقد رفضت هذا العرض تماما، لأنهم كانوا يعتبرونني في ذلك الوقت شخصا مقلقا، فأنا لست من "الجماعة الإرهابية" ولست من "الفلول"، فالحزب الوطني في ذلك الوقت كانوا منزوين، أما أنا فلم يكن لدي ماض سيئ بالنسبة لهم، فكنت أمثل خطرا لهم، وعقدوا معي جلسة في المؤسسة الاجتماعية، وجلسة أخرى في مكتب الوزارة، وأخبرتهم بوضوح: إذا أردتم تنفيذ ذلك، أخرجوا قانونا واجروا انتخابات، ونصوا في القانون أن من تجاوز الستين لا يترشح، وبذلك لا نكون قد أقصينا أحدا بشكل تعسفي.
حاول الوزير خالد الأزهري إقناعي بقبول عرضه، لكني تمسكت بالرفض، ففوجئت بأنهم توجهوا للنائب الثاني لرئيس الاتحاد وقتها، والذى أرسل في طلبي بمكتبه بنقابة النقل البري، وقال لي إن الجماعة الإرهابية تطلب كذا وكذا، وأن أتولى أنا الرئاسة وهو الأمانة العامة، وفي ذلك الوقت، استمالوا أمين عام الاتحاد وكان فوق السن، ووعدوه برئاسة اتحاد عمال المنوفية لضمان عدم مقاومة القرار.
كرر "جبالي" العرض بأن أكون رئيسا للاتحاد، لكني أخبرته أنني رفضت هذا العرض تماما من الوزير خالد الأزهري، وطالبت بانتخابات حرة، حينها قال اقترح أحد قيادات الاتحاد أن يكون هو رئيس الاتحاد طالما أرفض أنا، على أن أتولى منصب الأمين العام، فرفضت أيضا وقلت: "لن أكون رئيسا ولا أمينا عاما".
بعد ذلك، أصدروا القانون، وقبل أحد قيادات الاتحاد رئاسة اللجنة الإدارية للاتحاد، وجاءوا بـ"ذراعين" لإدارة الاتحاد فعليا، وهما: عبد الفتاح خطاب (أمينا عاما)، ويسري بيومي (أمينا للصندوق)، وهما من القيادات الصريحة في الجماعة الإرهابية، كما وضعوا "صلاح نعمان" نائبا، وتركوني في منصبي كنائب، ليس حبا في، بل لتجنب أي رد فعل عنيف من جانب القواعد العمالية، ففي ذلك الوقت لم يكن قلق الجماعة الإرهابية من تيار الحزب الوطني، بل ممن لا يملكون تصنيفا سياسيا واضحا لأنه لا يسهل السيطرة عليهم.
بعد السيطرة على الاتحاد، بدأوا في "أخونة" النقابات العامة، وأخبروا رئيس لجنة إدارة الاتحاد أنهم سيأخونون 20 نقابة ويتركون واحدة فقط يتفاوضون مع رئيسها، وهى نقابة الغزل والنسيج التى أرأسها، وبالفعل، أطاحوا برؤوس نقابات كبرى.
- ما هي أبرز النقابات التي أحكمت "الجماعة الإرهابية" قبضتها عليها، وكيف كانت تدار كواليس الاجتماعات داخل الاتحاد العام؟
لقد ركزت الجماعة الإرهابية على مفاصل النقابات الصناعية؛ فوضعوا "يسري بيومي" أمين صندوق النقابة العامة في نقابة البناء والأخشاب، و"صلاح نعمان" رئيسا للنقابة العامة للكيماويات، و"عادل ريحان" رئيسا للنقابة العامة للهندسية، وجاءوا ب "ماهر خزيم" للمرافق، لقد أحكموا قبضتهم على عصب النقابات الصناعية، ولم تكن تعنيهم النقابات المهنية كثيرا لأنها لا تشهد انتخابات ولا يمكن تجميع حشود كبيرة فيها.
أما في نقابة البترول، فقد جاءوا بشخص آخر بعدما أزاحوا "محمد سعفان"، ولكن "سعفان" ظل يمارس عمله بموظفيه ورجاله من داخل مقري في النقابة العامة بالدور الأول، ورفضت على مدار عام كامل أن يطأ أعضاء المجلس التابع للجماعة الإرهابية مبنى نقابتي أو يديروا العمل منها، وظل "سعفان" والمتمردون معه هناك، ومنعت دخول المجلس الجديد سنة كاملة، أنا لم أكن مهادنا، فكنت ضد الجماعة الإرهابية، وحين توليت رئاسة الاتحاد لاحقا وقمت بتطهير الحركة النقابية منهم تماما.
وبالنسبة لإدارة العمل وقتها، فإن قانون 35 الذي كان ساريا كان يمنح الاتحاد العام سلطة على النقابات العامة واللجان النقابية، لذا كان الاتحاد هو مركز إدارة المعركة، لقد وضعوا رئيسا للاتحاد وقتها بلا صلاحيات، بينما كانت "هيئة المكتب" التابعة للجماعة الإرهابية "النائب وأمين الصندوق والأمين العام" هي من تدير كل شيء فعليا؛ وبذلك سيطروا على الحركة النقابية المصرية بالكامل.
لقد سيطروا على 20 نقابة عامة، وكنت أنا النقابة رقم 21 الوحيدة التي لم يدخلوها، لأني كنت وقتها قد توليت رئاسة النقابة حديثا منذ سبتمبر 2011 خلفا للحاج سعيد الجوهري، وكانوا يحاولون استمالتي، لكني كنت أدرك جيدا منهجهم وأعرف أين تتجه أفكارهم.
في ذلك الوقت، سيطروا تقريبا على كل شيء، وحتى من لم يكن من الجماعة الإرهابية بدأ يتقرب إليهم ويقبل بالأمر الواقع، أما الأسماء التي لم تكن تابعة لهم وقتها مثل "محمد سالم" في الزراعة، أو "سعيد النقيب" في الإنتاج الحربي، أو "عرابي" في المناجم، فأغلبهم جئت بهم لاحقا بعدما قمت بالإطاحة بعناصر الجماعة الإرهابية وتطهير الاتحاد منهم.
- كيف استخدمت "الجماعة الإرهابية" سلاح تعطيل الإنتاج لفرض سيطرتها، وما هي الكواليس الخفية لانتفاضة القيادات العمالية التي مهدت لسقوط التنظيم داخل الاتحاد والمصانع؟
هم كانوا في الفترة دي كل هدفهم لما جه "يحيى حامد" وزير استثمار، وهو كادر كبير في الجماعة الإرهابية، قالوا إننا مينفعش رؤساء الشركات اللي موجودين دول يفضلوا، وكانوا بيحرضوا أتباع الجماعة الإرهابية في الشركات على إنهم يعملوا مظاهرات ضد رؤساء الشركات، وبالفعل استطاعوا إنهم يمشوا بعض الأعضاء المنتدبين ويدخلوا رؤساء مجالس إدارة تبعهم لتعطيل حركة الإنتاج والضغط على النقابات وعلى الدولة نفسها.
أما عن كواليس "ليلة سقوط" الجماعة الإرهابية في الاتحاد والنقابات، فنحن كنا نرى رئس الاتحاد فى ذلك الوقت -الله يرحمه- إنه كان يميل معهم، ونرى من وجهة نظرنا وقتها إنه مشي في ركابهم وسمح لنفسه يبقى أداة في وسطهم، لكن إحنا الحقيقة لما انتفضنا كنت أنا وعبد المنعم الجمل بنقابة الأخشاب والبناء ومحمد سعفان بنقابة البترول ومحمد سالم بنقابة الزراعة، الأربعة دول بس اللي كانوا في المواجهة ومكانش فيه غيرنا على الساحة وقتها، كنا في جنيف في شهر يونيو، وأعتقد يوم 16 يونيو طلعت مظاهرة في مصر ضد الجماعة الإرهابية وحسينا إن 30 يونيو ستكون هي النهاية، فرجعنا يوم 23 أو 24 وبدأنا نرتب هنطلع إزاي.
وعندما روحت بلدي، كان لي صديق عمر من الطفولة متربيين سوا، فجأة لما وصل سن ال 35 أصبح عضوا في الجماعة الإرهابية وأصبح قطبا كبيرا فيهم، جالي البيت وقالي: "تعالي نمشي لعند الترعة"، وهناك قالي: "عندنا معلومات إنك أحد الأقطاب اللي بتحضر لـ 30 يونيو، واللي مش هيطلع فيها 5000 واحد، سألته المعلومات دي منين؟ قالي: "إنت عارف" قولتله: قولتله: "إنت بتهددني؟ أقسم بالله أنا هروح يوم 30 يونيو التحرير وهاخد عيالي ومراتي وعندي حفيد مولود مكملش سنة وهطلع أبات في التحرير من بكرة.
أنا كنت متنبئ إنهم مش هيعمروا في الريف لأنهم افتروا، تلاقي مدرس ابتدائي منهم عاوز يتعين نائب محافظ! وفي الريف الكل عارف بعضه، و30 يونيو دي المفروض يتعملها تمثال لأنها أنقذت البلد، الشباب كانوا بيقفوا على باب الجامع لما الظهر يأذن يمنعوا الجماعة الإرهابية يدخلوا يصلوا معانا جماعة، يصلوا بعدنا لكن مش معانا، وحتى الأطفال، ابن أخويا "إبراهيم" كان بياخد العيال الصغيرة ويروحوا عند بيوت الجماعة الإرهابية يغنوا: "حط الجبنة على المربى محمد مرسي مش هيتربى"، ويرموا عليهم مية من البلكونة.
الحقيقة أنا تنبأت من ديسمبر 2012 إن الجماعة الإرهابية مش هتكمل بسبب صراع الأقاليم اللي كان أكبر من صراع المدينة، ومكنش ظاهر في الإعلام، الناس اللي لا تقرأ ولا تكتب في بلدنا كانت بتلف باستمارات "تمرد" في البلاد، وأنا شخصيا مضيت على تمرد في البلد، رغم إن مرسي من أبناء الشرقية وقريته "العدوة" ورانا علطول.
- حدثنا عن كواليس الجمعية العمومية التاريخية التي أطاحت بالجماعة الإرهابية، وكيف تم التخطيط لعملية تطهير كافة النقابات العامة واستعادة مبنى الاتحاد؟
هذه الجمعية لن يأتي الزمان بمثلها، ولن يجود بمثل ذاك الشعور التلقائي الصادق، الحقيقة أن فكرة تطهير البيت النقابي بدأت عندي منذ أحداث 25 يناير؛ وكنت أقول للحاج سعيد الجوهري وقتها: تعال لنفعل كما حدث في عام 1952، ونؤسس النقابيين الأحرار.. الاتحاد سيحل لا محالة بسبب اللغط السياسي والوصم بالفلول، دعنا نطهر أنفسنا من الداخل، سآتيك ب 200 راجل ونذيع بيانا نعلن فيه تولي رجال نثق في خلقهم ووطنيتهم لإعادة تشكيل الاتحاد، لكنه رفض، وحدث ما توقعته؛ حل الاتحاد وجاء أحمد عبد الظاهر وبدأ في تعيين لجان إدارية.
بعد 30 يونيو، كان الموقف قد تغير؛ كنت قد توليت رئاسة نقابة الغزل والنسيج، وهي نقابة كبرى، وأصبحت نائبا لرئيس الاتحاد، وبات لدي سلطة الحركة، استغليت حالة الغضب لدى "محمد سعفان" من تهميشه، وموقف عبد المنعم الجمل، ومحمد سالم الذي لم يكن ميالا للجماعة الإرهابية، واجتمعنا في مقر نقابة النسيج وقررنا التطهير.
طلبنا رئيس الاتحاد الذى جاء وفقا لرغبة الجماعة وقتها، وقلنا له: "تعال معنا وسنتركك في منصبك رئيسا للاتحاد"، لكنه رفض خوفا وقال: "لن أشارك، هذا الكلام سيفشل والجماعة الإرهابية راجعة"، فقلت له: "سنطهر أنفسنا رضيت أم لم ترض"، وبالفعل اجتمعنا في مكتبي وقررنا اختيار قائد للمرحلة؛ فوقع الاختيار علي، وكان "سعفان" نائبا، و"سالم" أمينا عاما، و"الجمل" أمينا للصندوق، في تلك الظروف، لم يكن تولي مسؤولية رقم 1 مغنما، بل كنت هدفا للاعتقال أو القتل، لكنني قبلت المهمة.
دخلت مبنى الاتحاد في شارع الجلاء "محمولا على الأكتاف"؛ ركبنا المترو حوالي 500 شخص من محطة الشهداء، وكان مشهدا مهيبا، هناك قلت جملتي الشهيرة: "لقد طهرنا أنفسنا وتولى أمورنا رجال نثق في خلقهم، وبدأت فورا في تنفيذ قرارات تطهيرالنقابات؛ فجئت بـ د. عادل نظمى للمرافق، ومحمد عرابي للمناجم والمحاجر، وفي الهندسية لم يكن هناك نقابي متاح، فاستعنت ب "خالد الفقي"، الذي كان موظفا يدير مصيف النقابة بالإسكندرية، ليكون رئيسا للجنة الإدارية، وجئت ب "طلعت المنسي" للصحافة، و"سعيد النقيب" للإنتاج الحربي، و"توفيق فوزي" للكيماويات، و"خالد عيش" للصناعات الغذائية، و"سعفان" للبترول، و"عادل صبحي" للنقل البحري، و"شحاتة محمد" للنقل الجوي، و"فرغلي" للاتصالات.
كانت مهمتهم واضحة: إزاحة كل من ينتمي للجماعة الإرهابية من النقابات، ولم أكتف بذلك، بل طهرت النقابات أيضا من أتباع النقابات المستقلة الذين أدخلهم كمال أبو عيطة وأحمد البرعي بالتعاون مع الجماعة الإرهابية.
أما عن كواليس يوم الجمعية العمومية نفسه، فقد تحركت 14 حافلة سياحية في توقيت واحد، وعقدنا الجمعية في الساحل الشمالي فى قرية الأحلام، لقد كانت فترة عمل وطني خالص، لا تحركنا انتماءات سياسية ولا مصالح شخصية.
- هل تعرض مبنى الاتحاد لمحاولات اقتحام مبنى الاتحاد، وكيف تعاملتم مع الملفات المالية الشائكة فور توليكم المسؤولية؟
المحاولات بدأت فعليا منذ أحداث 25 يناير واستمرت حتى سيطرت الجماعة الإرهابية على الاتحاد، وهدأت الأمور نسبيا بعدما شكلوا لجنة إدارية برئاسة أحمد عبد الظاهر، أما عن واقعة الاقتحام التي يذكرها البعض، فقد كانت من عناصر تابعة للنقابات المستقلة وكان معهم أعضاء الجماعة الإرهابية أيضا، هم كانوا يتبعون أسلوب الضغط النفسي؛ ففي كل جلسة مجلس إدارة، كانوا يأتون ب 30 أو 40 شخصا من قطاع الغزل والنسيج ويقحمونهم داخل الاجتماع لمجرد مضايقتي وإحداث ضغط عصبي ونفسي علي.
أما عن الملفات المالية، فالحقيقة أن فترتي في رئاسة الاتحاد لم تكن طويلة، حيث بدأت بعد 30 يونيو واستمريت حتى 18 يناير، ومع ذلك عندما تركت الاتحاد تركت خلفي "وديعة" قيمتها 45 مليون جنيه، فور تولي المسؤولية اتخذت قرارين هامين؛ الأول كان ردا على النغمة التي رددها الإعلام بأن قيادات الاتحاد العام "حرامية وفاسدين" وطالبوا بمحاكمة حسين مجاور ومجلسه، وكنت أرى في ذلك نوعا من المزايدة، فقررت قطع الطريق على هذه الادعاءات.
في 4 سبتمبر 2013، استدعيت حسني سعد رحمه الله (وكان مدير عام الشؤون القانونية وقتها)، وقلت له: "اكتب جوابا الآن للنائب العام بتوقيعي، وأرفق به تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن السنوات الماضية، واطلب منه فتح تحقيق رسمي؛ فإما أن تبرأ القيادات النقابية أو تدان"، وبالفعل، بعد نشر هذا الجواب في الصحف، صمت الجميع.
القرار الثاني، والذي أعتبره الآن قرارا جانبه الصواب بسبب فرط حماسي وقتها، هو أنني أعلنت تنازلي عن كافة البدلات والماليات المخولة لي كرئيس للاتحاد ومؤسساته، غاب عن ذهني وقتها أنني أجلس على طاولة مع 20 عضوا أغلبهم من الجماعة الإرهابية، والحقيقة أن الوحيد الذي استجاب وكتب ورقة رسمية بالتنازل كان "محمد سعفان"، أما ال 19 الآخرون فقد "سخنوا بعض" ضدي، وكان هذا الموقف أحد الأسباب التي دفعتهم للتحرك ضدي لاحقا في يناير 2014.
أما عما حدث في فترة "يسري بيومي" (أمين الصندوق) و"عبد الفتاح خطاب" (أمين العام) التابعين للجماعة الإرهابية وما تردد عن "طوابير" كانت تأتي للاتحاد، فالحقيقة أنني لم ألحق بالبحث في تلك الملفات؛ لأن التحديات كانت ضخمة والوقت كان قصيرا، وكان تركيزنا والأولوية في أجندتنا وقتها هي جولاتنا في المحافظات لدعم الدولة وظروفها الصعبة في تلك المرحلة.
- كيف كانت كواليس اللقاء الذي جمعكم بمحمد مرسي في "عيد العمال" عام 2013؟
كان مكاني في مواجهة محمد مرسي مباشرة، وقد تعمدوا وضعنا كقيادات غير منتمية لهم بين قيادات من الجماعة الإرهابية، أما اللحظة التي تيقنت فيها أن الجماعة الإرهابية قد انتهت، فكانت في صلاة المغرب داخل مسجد القصر الجمهوري، ذهبنا جميعا للصلاة، وظللنا ننتظر مرسي قرابة نصف ساعة لينزل ويؤم المصلين، لكنه لم يأت.
في تلك اللحظة، ظهر الانقسام بوضوح؛ قام أحد الأشخاص من غير المنتمين لهم وأقاموا الصلاة، وتقدم لإمامتنا، وصلينا نحن فعليا، بينما ظل أتباع "الجماعة الإرهابية" جالسين ينتظرون مرسي، وبعد أن انتهينا، نزل مرسي وصلى بهم وحدهم، ثم عاد ليجلس معنا في الاجتماع.
- هل رصدتم محاولات من الجماعة للعودة إلى المشهد النقابي مرة أخرى بعد الإطاحة بهم؟
لا، في ذلك التوقيت كان الإرهاب قد بدأ فعليا، والجماعة الإرهابية لم تعد تملك ظهيرا نقابيا حقيقيا، لكنهم لجأوا إلى تنظيم اعتصامات وإضرابات داخل الشركات؛ حيث بدأوا في تحريك رجالهم في كافة المنشآت لإحداث حالة من الفوضى، وكنا نحن نتحرك خلفهم مثل عربة المطافئ لإخماد تلك الحرائق النقابية، لقد انتهى دورهم كقوة داخل الاتحاد، وتحول عملهم إلى "إرهاب" صريح، سواء داخل مواقع الإنتاج أو غيرها.
- في رأيك.. لماذا فشلت "الجماعة الإرهابية" في إحكام سيطرتها على القواعد العمالية رغم نجاحها في اختراق النقابات المهنية لسنوات طويلة؟
الجماعة الإرهابية تعتمد في منهجها على "دغدغة مشاعر" الناس واللعب على آلامهم وآمالهم، يذهبون لتهنئة من تلد، ويزورون المريض في المستشفى، ويواسون في حالات الوفاة، هذه "الطبطبة" الاجتماعية هي صلب عمل الجماعة الإرهابية، لكن المفاجأة التي صدمتهم أن التنظيم النقابي يقوم بذات الدور تماما؛ فالنقابة هي أول من تجري على العامل المريض، وهي من تقف مع أسرته في الأزمات.
الجماعة الإرهابية تنمو في المجتمعات التي تعاني من الجهل؛ فهم يعتمدون على الخطاب العاطفي الديني الذي يبكي الناس، لكنهم في النقابات العمالية لم يقدموا أي جديد، ولم يمتلكوا أجندة اقتصادية أو صناعية سليمة، كانت كل قوتهم في الجانب الاجتماعي الذي هو أصلا دور النقابات الأصيل.
- كنت عضوا بلجنة الخمسين.. كيف حاول ممثلو الجماعة وضع مواد تقيد الحركة العمالية من خلال الدستور وقتها؟
نحن من جانبنا نجحنا في وضع مواد تضمن استقلال النقابات تماما (المادتين 76 و77)، لكن الخلاف الحقيقي كان حول نسبة ال 50% عمال وفلاحين؛ حيث كانت اللجنة ترى إلغاءها، بينما كان رأينا ضرورة الحفاظ عليها.
- حدثنا عن كواليس محاولة "اختطافك"؟
كنت متوجها إلى شرم الشيخ لتنظيم مؤتمر لدعم التصويت بـ "نعم" على الدستور، كان من المفترض أن أستقل سيارة ومعي عبد المنعم الجمل ومحمد سالم، لكن في اللحظات الأخيرة، استدعاني الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء وقتها لاجتماع طارئ، فتخلفت عن السيارة.
استقل السيارة بدلا مني الزميل "ممدوح محمدي"، ومعه "محمد عيسى" الذي كان يعمل في القوى العاملة وقتها، وبعد عبورهم نفق أحمد حمدي، استوقفتهم مجموعة مسلحة وسألوهم بوضوح: "مين فيكم عبد الفتاح إبراهيم؟".. وعندما لم يجدوني، قاموا باختطاف الزملاء واحتجازهم لمدة 12 أو 13 يوما، لقد كنت أنا المستهدف الحقيقي بالخطف والتصفية، وقابلت الزملاء بعد تحريرهم أنا ومحمد سعفان على أول طريق السويس.
- ماذا تمثل ثورة 30 يونيو لك، وكيف تقيم أثرها على الحركة النقابية؟
بالنسبة لي، 30 يونيو هي الشرارة التي أعادت لمصر هويتها التي كادت أن تضيع، أنا أعتبر هذا التاريخ انتصارا استثنائيا ، لقد حمى الله هذا الشعب بفضله ثم بهذه الثورة من خطر داكن، لأن خلط الدين بالسياسة من قبل الجماعة الإرهابية كان سيؤدي بنا إلى مرحلة تفسر فيها كل الكتب والأحاديث لتبرير كل جرم أو فعل يرتكب في حق الوطن.
لقد كانت البيوت المصرية وقتها منقسمة بشدة، تجد في البيت الواحد المنتمي للجماعة الإرهابية، والسلفي، والمؤيد للدولة، واليساري، وكانت الكتلة الصلبة للشعب المصري تمضي نحو اقتتال داخلي محقق بأمانة شديدة، لكن 30 يونيو أوقفت هذا النزيف، وبالنسبة للحركة العمالية، كانت الثورة هي طوق النجاة الذي مكننا من تطهير أنفسنا، واستعادة استقلال نقاباتنا، ولولاها لظلت مقدرات عمال مصر أداة في يد مكتب الإرشاد، هي ببساطة الثورة التي منعت سقوط الدولة في فخ الفتنة، وأعادت الروح للبيت النقابي المصري.