شهدت الأيام التي سبقت ثورة 30 يونيو تصاعدًا غير مسبوق في حدة الخطاب الصادر عن قيادات جماعة الإخوان وحلفائها، حيث خرجت التصريحات من إطار الجدل السياسي إلى مساحات أكثر خطورة، حملت رسائل تهديد مباشرة، وإشارات للعنف، ومحاولات لإضفاء قدسية دينية على صراع سياسى محتدم.
ففي الوقت الذي كانت فيه دعوات النزول إلى الشوارع تتسع رفضًا لحكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، كانت منصات المؤتمرات الجماهيرية واعتصامي رابعة العدوية والنهضة تبث خطابًا مختلفًا، قائمًا على الاستنفار والتعبئة، والتلويح بعواقب وخيمة حال المساس بما أطلقوا عليه "الشرعية".
«الدم مقابل الماء».. بداية لغة التهديد
ربما ظلت العبارة التي أطلقها صفوت حجازي واحدة من أكثر الجمل التصاقًا بذاكرة تلك المرحلة، حين قال أمام الحشود: "اللي هيرش مرسي بالمية هنرشه بالدم".
لم تكن الجملة مجرد هتاف عابر، لكنها جسدت تحولًا واضحًا في طبيعة الخطاب من الدفاع السياسي إلى التهديد الصريح باستخدام العنف ضد الخصوم السياسيين، في وقت كانت فيه الدعوات للتظاهر السلمي تتزايد في مختلف المحافظات.
وفي السياق ذاته، صعدت نبرة التهديد مع تصريحات طارق الزمر الذي توعد المشاركين في احتجاجات 30 يونيو قائلًا إنهم "سيُسحقون"، معتبرًا أن تلك المظاهرات ستكون "الضربة القاضية" للمعارضة.
تكفير الخصوم.. تحويل السياسة إلى معركة عقائدية
لم يقتصر الأمر على التهديد بالعنف، بل امتد إلى محاولة إعادة تعريف الخلاف السياسي باعتباره صراعًا دينيًا، فخلال الفعاليات التي سبقت 30 يونيو، وصف عدد من الدعاة والقيادات المحسوبين على الجماعة المعارضين بأنهم "أعداء للدين" و"منافقون"، بينما جرى تصوير الدفاع عن حكم الإخوان باعتباره واجبًا شرعيًا لا يقبل النقاش.
كما لجأت بعض القيادات إلى استدعاء رموز دينية شديدة الحساسية، في محاولة لمنح الصراع السياسي بعدًا عقائديًا، بما أسهم في زيادة الاستقطاب داخل المجتمع المصري آنذاك.
سيناء كورقة ضغط
ومن بين أكثر التصريحات إثارة للجدل خلال اعتصام رابعة، ما صدر عن محمد البلتاجي حين ربط بشكل مباشر بين ما تشهده سيناء من أعمال إرهابية آنذاك وبين عودة مرسي إلى السلطة، مؤكدًا أن تلك العمليات ستتوقف فور تراجُع الجيش عن قراراته.
وقد أثار هذا التصريح عاصفة من الانتقادات، باعتباره محاولة لربط الأمن القومي المصري بمصير الجماعة السياسي، كما اعتبره كثيرون اعترافًا ضمنيًا باستخدام الإرهاب كورقة ضغط في المواجهة مع الدولة.
رابعة.. من الاعتصام إلى خطاب «الحرب»
ومع استمرار الاعتصام، اتجهت لغة المنصة إلى مستويات أكثر تصعيدًا، فقد شهدت رابعة العدوية إعلان ما عُرف إعلاميًا بـ"مجلس الحرب"، بالتزامن مع ترديد شعارات من بينها "لا سلمية بعد اليوم"، في مشهد عكس انتقال الخطاب من الحديث عن الاحتجاج السياسي إلى التلويح بالمواجهة المفتوحة.
كما أطلق عدد من المتحدثين رسائل حملت تهديدات مباشرة للمعارضين ولمؤسسات الدولة، فيما تكررت الدعوات للتصدي لما وصفوه بـ"الانقلاب" بكل الوسائل الممكنة.
مؤسسات الدولة في مرمى التحريض
بالتوازي مع الخطاب التعبوي، شهدت تلك الفترة دعوات متكررة لمحاصرة عدد من المؤسسات الحيوية، من بينها المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامي ومقار سيادية أخرى.
وكان الهدف المعلن هو ممارسة الضغط السياسي، إلا أن تلك التحركات ساهمت في زيادة التوتر داخل الشارع المصري، وأثارت مخاوف واسعة من انزلاق البلاد نحو حالة من الفوضى الشاملة.
رسائل إلى القواعد: الاستعداد للمواجهة
اللافت أن الخطاب لم يكن موجهًا فقط إلى الخصوم أو الدولة، بل استهدف أيضًا قواعد الجماعة وأنصارها، فقد جرى توظيف مفردات "المظلومية" و"الدفاع عن الدين" و"الاستشهاد" بصورة مكثفة، بهدف الحفاظ على حالة التعبئة والاستنفار داخل الاعتصامات، بما جعل كثيرًا من المراقبين يرون أن المنصات تحولت من ساحات احتجاج إلى أدوات للحشد النفسي استعدادًا لمواجهة طويلة.
الشارع يرد في 30 يونيو
ومع تصاعد هذه الرسائل، خرجت ملايين المصريين إلى الشوارع في 30 يونيو 2013، في مشهد غير مسبوق، رأت فيه قطاعات واسعة من الشعب محاولة لإنقاذ الدولة من الانقسام والفوضى، بينما اعتبرته جماعة الإخوان استهدافًا لشرعيتها السياسية.
وبقيت خطابات تلك المرحلة، بما حملته من تهديدات وتحريض واستدعاء للخطاب الديني، واحدة من أكثر الصفحات إجراما في تاريخ الجماعة، وشاهدًا على مرحلة شهدت أعلى درجات الاستقطاب السياسي في مصر الحديثة.