يستعد مجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، لمناقشة التقرير العام للجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار بشأن مشروع قانون اعتماد خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 والتأشيرات العامة المرفقة بها، وذلك خلال الجلستين العامتين المقرر عقدهما يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، تمهيدًا لإبداء الرأي النهائي وإحالته إلى مجلس النواب.
وتأتي الخطة الجديدة في ظل بيئة اقتصادية عالمية وإقليمية شديدة التعقيد، فرضت على الدولة تبني نهج أكثر مرونة في التخطيط التنموي، يقوم على إدارة المخاطر والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة، مع الحفاظ على مستهدفات النمو والاستقرار الاقتصادي وتحسين جودة حياة المواطنين.
التخطيط التنموى.. من توزيع الموارد إلى إدارة المخاطر
وأكدت الحكومة، في وثيقة خطة التنمية المقدمة إلى البرلمان، أن مفهوم التخطيط التنموي شهد تحولًا جوهريًا خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد مجرد عملية فنية لتوزيع الموارد وتحديد أولويات الإنفاق العام، بل أصبح أداة استراتيجية لإدارة المخاطر وتعزيز قدرة الدولة على الصمود أمام الأزمات والتغيرات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والبيئية المتسارعة.
وأوضحت أن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح الدول لم يعد يقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، واستمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وحماية المكتسبات التنموية في مواجهة الأزمات غير المتوقعة.
أول حلقة تنفيذية لمسار التنمية حتى 2030
وأشارت الحكومة إلى أن خطة التنمية للعام المالي 2026/2027 تكتسب أهمية خاصة باعتبارها الحلقة التنفيذية الأولى ضمن إطار التخطيط متوسط المدى الممتد حتى العام المالي 2029/2030، بما يجعلها أساسًا لمسار تنموي متكامل يستهدف تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي الكلي وتسريع معدلات النمو وتعزيز الاستثمار ودعم التنمية البشرية.
وأكدت أن الخطة ترتبط بصورة مباشرة بمستهدفات رؤية مصر 2030، وتسعى إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة ومواجهة الصدمات والتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية.
تحديات دولية ضاغطة على الاقتصاد العالمي
وبحسب الوثيقة، أُعدت الخطة في ظل بيئة عالمية تتسم بدرجة مرتفعة من عدم اليقين نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية وتداعيات الصراعات العسكرية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وتقلبات بأسواق الطاقة والغذاء والخدمات اللوجستية.
وأوضحت الحكومة أن هذه التطورات أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا، فضلاً عن تراجع بعض التدفقات الاستثمارية واتجاه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصرى
وأشارت الخطة إلى أن الاقتصاد المصري يتأثر بهذه التطورات من خلال عدة قنوات، أبرزها ارتفاع فاتورة الواردات من الطاقة والسلع الأساسية والخامات الوسيطة، فضلًا عن تأثير التضخم المستورد وارتفاع تكلفة التمويل والاقتراض.
كما لفتت إلى تأثر قطاعات حيوية مثل السياحة وقناة السويس والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية بالتطورات الإقليمية والدولية، مؤكدة أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة.
مؤشرات إيجابية تدعم مستهدفات الخطة
ورغم التحديات العالمية، استندت الخطة إلى عدد من المؤشرات الإيجابية التي حققها الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة، من بينها تسجيل معدل نمو بلغ نحو 5.3% خلال النصف الأول من العام المالي الجاري، إلى جانب تراجع معدلات التضخم مقارنة بالفترات السابقة.
كما أشارت إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 36.5 مليار دولار خلال عام 2024/2025، وارتفاع الاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي إلى نحو 52.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، فضلاً عن تحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
الطموح الحذرالسيناريو المعتمد للخطة
وأوضحت الحكومة أنها قامت بمراجعة السيناريوهات الاقتصادية المحتملة في ضوء التطورات الدولية الراهنة، وانتهت إلى تبني ما أطلقت عليه "سيناريو الطموح الحذر"، الذي يجمع بين مواصلة تحقيق معدلات نمو متصاعدة والتحوط في الوقت ذاته للمخاطر الاقتصادية المحتملة.
وفي هذا الإطار، جرى تعديل بعض المستهدفات طويلة الأجل بما يعكس التوازن بين الطموح التنموي والواقعية الاقتصادية، مع استمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية والسياسات الداعمة للاستقرار الاقتصادي وتحفيز الاستثمار.
أولوية لتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني
وأكدت الخطة، أن الدولة تواصل تنفيذ حزمة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى الحد من تأثير الصدمات الخارجية، تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتطوير خدمات قناة السويس، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وتحفيز القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة الموارد الدولارية.
وخلصت لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار إلى أن البيئة الدولية والإقليمية أصبحت أحد المحددات الرئيسية لصياغة السياسات التنموية، وأن تبني سيناريو "الطموح الحذر" يعكس حرص الدولة على تحقيق التوازن بين استكمال مسيرة التنمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في مواجهة المتغيرات العالمية.