رواد الاغتيالات.. خنجر الأمس وصاروخ اليوم.. بين العصور الوسطى والعصر الحديث.. من خناجر الحشاشين إلى طائرات الاستخبارات.. نظام الملك ضربة هزت الدولة السلجوقية.. وكيف تحولت الاغتيالات إلى أداة لصناعة السياسة؟

الجمعة، 05 يونيو 2026 03:00 ص
رواد الاغتيالات.. خنجر الأمس وصاروخ اليوم.. بين العصور الوسطى والعصر الحديث.. من خناجر الحشاشين إلى طائرات الاستخبارات.. نظام الملك ضربة هزت الدولة السلجوقية.. وكيف تحولت الاغتيالات إلى أداة لصناعة السياسة؟ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

كتب رامى محيى الدين

لم يكن الاغتيال السياسي يومًا مجرد وسيلة للتخلص من الخصوم، بل كان في كثير من الأحيان أداة لتغيير موازين القوى وإرسال رسائل تتجاوز الضحية نفسها، وبينما اشتهرت جماعة الحشاشين في العصور الوسطى بعملياتها الجريئة ضد السلاطين والوزراء والقادة العسكريين، برزت إسرائيل في العصر الحديث كواحدة من أكثر الدول اعتمادًا على سياسة الاغتيالات المستهدفة ضد خصومها في المنطقة، ما دفع العديد من الباحثين إلى عقد مقارنات بين الطرفين رغم الفارق الزمني والتكنولوجي الهائل بينهما.

الحشاشين وتل ابيب
الحشاشين وتل ابيب.. مولدة بالذكاء الاصطناعى

 

"الحشاشين".. دولة صغيرة صنعت نفوذها بالخنجر

ظهرت جماعة الحشاشين، أو الدولة النزارية الإسماعيلية، في أواخر القرن الحادي عشر بقيادة  حسن الصباح، وسط بيئة سياسية مضطربة هيمنت عليها الدولة السلجوقية والصراعات المذهبية والحروب الصليبية.

 

ولأن الجماعة لم تمتلك جيوشًا كبيرة قادرة على مواجهة خصومها في معارك مفتوحة، لجأت إلى أسلوب مختلف يقوم على اغتيال الشخصيات المؤثرة في مراكز القرار. وقد اعتمدت عملياتها على عناصر مدربة تتسلل إلى الدوائر المقربة من الهدف، ثم تنفذ الاغتيال غالبًا بالخناجر وفي أماكن عامة لإحداث أكبر أثر نفسي وسياسي ممكن.

 

نظام الملك.. الضربة التي هزت الدولة السلجوقية

يُعد اغتيال نظام الملك عام 1092 أشهر عمليات الحشاشين على الإطلاق. فقد كان الرجل الوزير الأقوى في الدولة السلجوقية والعقل المدبر لإدارتها، وعُد مقتله ضربة سياسية هائلة ساهمت في إضعاف الدولة خلال مرحلة حساسة من تاريخها.

 

ويرى عدد من المؤرخين أن اغتياله جسد الفلسفة الأساسية للحشاشين: استهداف الرأس بدلًا من خوض حرب ضد الجسد كله.

 

عندما وصل الخنجر إلى الخلفاء والملوك

لم تقتصر عمليات الحشاشين على الوزراء، بل امتدت إلى شخصيات من أعلى مستويات السلطة، من بينهم الخليفتان العباسيان المسترشد بالله والراشد بالله، إضافة إلى عدد من الأمراء والقادة العسكريين.

 

أما العملية الأكثر شهرة في الغرب فكانت اغتيال كونراد دي مونتفرات عام 1192 أثناء الحملة الصليبية الثالثة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن اثنين من عناصر الحشاشين تمكنا من التسلل إلى محيطه قبل تنفيذ العملية في مدينة صور، في واحدة من أكثر عمليات الاغتيال إثارة للجدل في العصور الوسطى.

 

إسرائيل.. الاغتيال يتحول إلى عقيدة أمنية

بعد قرون من اختفاء الحشاشين، عادت الاغتيالات المستهدفة إلى الواجهة لكن بأدوات مختلفة تمامًا. فمنذ تأسيسها عام 1948، طورت إسرائيل سياسة تعتمد على تصفية الخصوم الذين تعتبرهم تهديدًا مباشرًا لأمنها، سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها.

 

وتشير دراسات وتقارير عديدة إلى أن الاغتيالات أصبحت جزءًا ثابتًا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث تجمع بين العمل الاستخباراتي والتكنولوجيا العسكرية والعمليات السرية العابرة للحدود.

 

من ميونخ إلى غزة.. قائمة طويلة من الأهداف

نفذت إسرائيل عشرات عمليات الاغتيال البارزة خلال العقود الماضية، من بينها حملة مطاردة منفذي عملية ميونخ عام 1972، واغتيال عدد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1973 ضمن عملية "ربيع الشباب".

 

وفي عام 1988 اغتالت إسرائيل خليل الوزير في تونس، قبل أن تستهدف لاحقًا مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين عام 2004، ثم خليفته عبد العزيز الرنتيسى بعد أسابيع قليلة، في إطار سياسة استهدفت ضرب البنية القيادية للحركة.

 

عماد مغنية.. العملية التي كشفت عمق الاختراق

من أبرز عمليات الاغتيال التي نُسبت إلى إسرائيل خلال العقود الأخيرة اغتيال القيادي البارز في حزب الله عماد مغني  في دمشق عام 2008 عبر سيارة مفخخة.

 

واعتبرت العملية آنذاك إنجازًا استخباراتيًا كبيرًا بسبب المكانة الأمنية الرفيعة التي كان يتمتع بها مغنية، كما أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت لاحقًا بمسؤولية إسرائيل عن العملية.

1
1 مولدة بالذكاء الاصطناعى

 

هل نجحت سياسة الاغتيالات؟

رغم نجاح الحشاشين في نشر الرعب بين خصومهم، فإن دولتهم انتهت في النهاية على يد المغول في القرن الثالث عشر، ولم تستطع الاغتيالات وحدها ضمان بقائها.

 

أما في الحالة الإسرائيلية، فيشير عدد من الباحثين إلى أن الاغتيالات تحقق مكاسب تكتيكية مهمة عبر إرباك التنظيمات المسلحة وإزالة قيادات مؤثرة، لكنها لا تنهي الصراعات بشكل دائم، إذ غالبًا ما تظهر قيادات بديلة وتستمر التنظيمات في العمل.

 

خنجر الأمس وصاروخ اليوم

الفارق الأكبر بين الحشاشين وإسرائيل يكمن في الوسائل لا في الفكرة، فالحشاشون اعتمدوا على عنصر بشري يقترب من هدفه وينفذ الاغتيال وجهًا لوجه، بينما تعتمد إسرائيل على منظومات معقدة تشمل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والتنصت الإلكتروني والعملاء السريين والأسلحة الدقيقة.

 

لكن رغم مرور نحو ألف عام بين التجربتين، يبقى القاسم المشترك واحدًا: الإيمان بأن قتل شخص واحد قد يغير مسار معركة، أو يهز دولة، أو يعيد رسم خريطة صراع بأكملها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة