تشهد نيجيريا تصاعداً غير مسبوق في أزمة الجماعات المسلحة المعروفة محلياً بـ"قطاع الطرق" أو "البانديتس"، بعدما تحولت من نزاعات محلية مرتبطة بالرعي والأراضي إلى شبكات إجرامية واسعة النفوذ تسيطر على مساحات شاسعة من شمال البلاد، وتمارس الخطف مقابل الفدية والقتل والنهب وفرض الإتاوات على السكان.
ومع تراجع حضور الدولة في مناطق واسعة من الشمال الغربي، باتت هذه الجماعات تمثل أحد أخطر التحديات الأمنية التي تواجه أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، وسط تحذيرات من تزايد التداخل بين الجريمة المنظمة والحركات الجهادية المسلحة.
أكثر من 13 ألف قتيل في 13 عاماً
في تحقيق ميداني نشرته صحيفة الجارديان البريطانية من ولاية كاتسينا شمال غربي نيجيريا، ظهر زعيم إحدى العصابات المسلحة، أبو "أبو ردة" بيلو، محاطاً بمسلحين يحملون بنادق كلاشنيكوف داخل محمية روغو الحرجية، وهي واحدة من المناطق التي تحولت إلى ملاذ آمن للجماعات المسلحة.
ورغم نفيه وصف جماعته بالإرهابية، فإن الواقع على الأرض يعكس صورة مختلفة؛ إذ تشير بيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة (ACLED) إلى مقتل 13,485 شخصاً في أعمال مرتبطة بقطاع الطرق بين عامي 2010 و2023 في الولايات السبع المكونة لإقليم شمال غرب نيجيريا.
وخلال تلك الفترة، أحرقت مئات القرى، وتعرض آلاف المدنيين للقتل والتشويه والاغتصاب والخطف، بينما تحولت الغابات الممتدة على الحدود مع النيجر إلى قواعد عمليات رئيسية لهذه الجماعات المسلحة.
جذور الأزمة.. الأرض والمياه وتغير المناخ
يرجع خبراء أمنيون وباحثون جذور الظاهرة إلى الصراعات المزمنة بين المزارعين والرعاة الرحل، خصوصاً من قومية الفولاني، حول الأراضي الزراعية ومصادر المياه.
ومع تفاقم آثار التغير المناخي والتصحر وإزالة الغابات والنمو السكاني السريع، ازدادت المنافسة على الموارد الطبيعية المحدودة، ما أدى إلى تصاعد التوترات المحلية. وفي ظل غياب آليات فعالة لحل النزاعات، تشكلت مجموعات للدفاع الذاتي تحولت تدريجياً إلى عصابات مسلحة تمارس أنشطة إجرامية واسعة النطاق.
كما ساهم انتشار الأسلحة الصغيرة عبر الحدود المفتوحة مع دول الساحل في تعزيز قدرات هذه الجماعات وتوسيع نطاق عملياتها.
فراغ أمني ومناطق خارج سيطرة الدولة
أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة يتمثل في ضعف الوجود الحكومي داخل مساحات واسعة من شمال البلاد.
وتشير تقارير حديثة إلى أن العديد من التجمعات السكانية في ولايات مثل كاتسينا وزامفارا وسوكوتو تقع عملياً خارج نطاق سيطرة الدولة، فيما تستغل الجماعات المسلحة الغابات والمحميات الطبيعية غير الخاضعة للرقابة كمخابئ ومراكز تدريب واحتجاز للمختطفين.
ورغم امتلاك نيجيريا أحد أكبر الجيوش في أفريقيا، فإن تعدد بؤر الصراع بين تمرد "بوكو حرام" و"داعش غرب أفريقيا" في الشمال الشرقي، والانفصاليين في الجنوب الشرقي، والعصابات المسلحة في الشمال الغربي، أدى إلى إنهاك القدرات الأمنية والعسكرية للدولة.
من الخطف إلى النفوذ السياسي
لم تعد عمليات الخطف مقابل الفدية مجرد مصدر تمويل لهذه الجماعات، بل تحولت إلى وسيلة ضغط سياسي وأمني.
ويشير تحقيق الغارديان إلى حادثة اختطاف 25 تلميذة من مدرسة في ولاية كيبي أواخر عام 2025 على يد زعيم العصابات المعروف آدو أليرو، في عملية قالت مصادر أمنية إنها استهدفت الضغط على السلطات للإفراج عن عناصر من جماعته تم توقيفهم سابقاً.
وأفرج عن الطالبات خلال أسبوع واحد فقط، وسط مزاعم بأن العملية انتهت بإطلاق سراح عدد من المطلوبين ودفع فدية مالية، ما أثار مخاوف من تشجيع جماعات أخرى على اتباع الأسلوب ذاته لفرض مطالبها على الحكومة.
تداخل متزايد مع الجماعات المتطرفة
يحذر مراقبون من أن الحدود الفاصلة بين العصابات الإجرامية والتنظيمات المتشددة أصبحت أكثر ضبابية خلال السنوات الأخيرة.
فقد برزت جماعة "لاكوراوا" كنموذج لهذا التداخل، حيث بدأت كمجموعة محلية لملاحقة قطاع الطرق قبل أن تتحول إلى تنظيم مسلح يفرض ضرائب دينية على السكان مقابل الحماية، في تطور يثير مخاوف من تحول بعض المناطق إلى بؤر تمرد جديدة على غرار ما حدث مع "بوكو حرام".
أرقام مقلقة تعكس تدهور الوضع الأمني
تعكس المؤشرات الدولية حجم التحدي الذي تواجهه نيجيريا حالياً.
فوفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالإرهاب في نيجيريا بنسبة 46% خلال عام 2025 لتصل إلى 750 قتيلاً، وهو أعلى مستوى منذ عام 2020، فيما ارتفع عدد الهجمات بنسبة 43% مقارنة بالعام السابق. كما صعدت نيجيريا إلى المرتبة الرابعة عالمياً بين الدول الأكثر تضرراً من الإرهاب.
ورغم أن معظم هذه الوفيات ارتبطت بجماعات متشددة مثل "بوكو حرام" و"داعش غرب أفريقيا"، فإن الخبراء يرون أن انتشار العصابات المسلحة في الشمال الغربي أصبح جزءاً أساسياً من المشهد الأمني المتدهور في البلاد.
اتفاقات محلية تعكس تراجع سلطة الدولة
في ظل عجز السلطات عن توفير الأمن، لجأت بعض المجتمعات المحلية إلى إبرام اتفاقات مباشرة مع العصابات المسلحة.
ومن بين هذه الحالات بلدة ناهوتا التعدينية، حيث تم التوصل إلى تفاهم يسمح لعناصر العصابات بالتنقل والعمل داخل المنطقة مقابل وقف الهجمات وعدم حمل السلاح داخل التجمعات السكانية. وبات أفراد العصابات يعملون جنباً إلى جنب مع السكان المحليين في مناجم الذهب والأسواق، في مشهد يعكس حجم التآكل الذي أصاب سلطة الدولة في بعض المناطق.
مستقبل الأزمة
يرى محللون أن أزمة قطاع الطرق في نيجيريا تجاوزت مرحلة الجريمة التقليدية، وأصبحت تمثل تحدياً مركباً يجمع بين النزاعات على الموارد، والتهميش التنموي، وضعف مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، والتطرف العنيف.
وفي غياب استراتيجية شاملة تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للأزمة، يخشى خبراء من أن تستمر الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها، بما يهدد الاستقرار في نيجيريا ويزيد من هشاشة منطقة الساحل وغرب أفريقيا بأكملها.